

أديب وكاتب سوداني
التحول الديمقراطي يعني التداول السلمي للسلطة، وسيادة حكم القانون، وعدم الإفلات من العقاب، وضمان الحريات الأساسية. أعداء التحول الديمقراطي بالطبع أولهم من قاموا بفض الاعتصام، ودبروا الانقلاب، ثم أشعلوا الحرب وأجهضوا التجربة الديمقراطية بأسقاط حكومة حمدوك. زعموا أن ذلك من أجل توسيع قاعدة المشاركة، وأن المدنيين فاشلون. حقيقة الدولة المدنية الديمقراطية أعداؤها هم الشموليون الذين يعبرون عن مصالح قوى سياسية واجتماعية متنفذة، ليس من مصلحتهم التداول السلمي للسلطة لأنهم سيخسرونها، وليس من مصلحتهم سيادة حكم القانون لكي يفلتوا من العقاب.
ثمة قوى خارجية لديها مصلحة في الصراع السوداني السوداني، لأنهم يمتصون رحيق السودان ويستثمرون فيه ويرون السودان كبقرة حلوب. حمدوك حينما قال إن حلايب سودانية حُدد مصيره، تلك الدولة ترفض أن تكون هناك ديمقراطية لتحقيق مأربها من خلال الحكم الشمولي (جنرالات فقط).
والدولة الثانية القزمية الموجهة للصراع لا يمكن أن تحقق مآربها في موارد السودان (ذهب، زراعة، موانئ) إلا عن طريق الشمولية الهزيلة. بالنسبة للقوى الميلشياوية العسكرية، ليست لها مصلحة في التحول الديمقراطي لأنها ستفقد السلطة وهي غير مقتنعة بتسليم الحكم للمدنيين. تحالفاتهم مريبة، فتارة مع هذا وتارة مع ذاك، فهم ضد الشمولية رغم زعمهم أنهم يحاربونها.
الأحزاب الصغيرة تتشبث بالفترات الانتقالية، فإذا وجدت موطئ قدم فهي ضد الشمولية وضد الديمقراطية في آن. المسلحون نتاج فكر إثني، والحيز الجغرافي الذي تشغله قبائلهم لا يتجاوز دائرة انتخابية واحدة، إذن كلهم ضد فكرة التداول السلمي للسلطة؛ لأنهم بلا قواعد جماهيرية ويهتمون فقط بالمغانم المادية والمعنوية.
لا زال الهامش في بؤسه وجهله ومرضه ويعج بمعسكرات نزوحه. ظل الدفاع عن الهامش هو الوسيلة أو الرافعة للسلطة بشهدها ومنّها وسلواها. الدعم السريع زعم أنه مع التحول الديمقراطي بعد تكوين التأسيس، لماذا إذن انقض على حكومة الثورة من خلال فض الاعتصام والانقلاب ثم إشعال الحرب؟ وفي أي دائرة يفوز الدعم السريع بعد تجربته الدموية أثناء الحرب؟
وثمة قوة ترى أنها قابضة ولن تسلم السلطة، فالسلطة لعبة كراسي في السودان، فهي تخشى العقاب والحساب، وهذه قوة لا يُستهان بها ضاربة وقادرة. التحول الديمقراطي يتعذر ويتعثر في ظل هذه المعطيات والحيثيات، والقبضة الفولاذية. مشوار الثورة طويل ووعر بعد أن خذلتها قوى التغيير بتهافتها على السلطة وإهمالها لشعارات الثورة (بتوقيعها وثيقة دستورية مشروخة ومثقوبة)، فكان افتراسها ما أسهل من شرب الماء البارد من حلفائها الذين وثقت فيهم.
تنكرت لشعارات الثورة وقدمت تنازلات عادت لها بالوبال. معظم الشعب مع التحول المدني الديمقراطي، والدليل أنه قاد ثلاث ثورات ضد الشمولية، والآن يتوق ويصبو لإيقاف الحرب ومن ثم لينأى الشموليون عن ساس يسوس عليهم، فقط للدفاع عن الوطن. إيقاف الحرب يعني نهاية الشمولية، ومن يقبل ذلك؟
هنا تكمن المعادلة الصعبة بين الطرفين: طرف مدني أعزل وطرف عسكري مسلح. لكن تجارب الشعوب تقول: محصلة النصر في النهاية للشعب، وسيقهر جلاديه مهما طال الزمن. الديمقراطية عائدة لأنها خيار الأغلبية، وستأفل شمس الشمولية. هكذا كانت تجارب الشعوب، ٩٠٪ من شعوب العالم تحتكم للنظام المدني الديمقراطي. الشموليون يزعمون أن الديمقراطية يمكن أن تصلح في كل العالم، ماعدا السودان، فهم يسبحون عكس التيار، حتمًا سيغرقون وستطويهم لجج الحرية والسلام والعدالة!




