آراءدينغير مصنف

القرآن يُكلّمنا بدقة المهندسين لا بشاعِرية الأدباء وانفِعالِيَتِهم!!

عبد الحميد اليوسفي

أ. عبد الحميد اليوسفي
باحث مغربي

نعم إن الأمر لَكذلك… ولكن مصيبتَنا أننا فسرنا القرآن بمعيار الأدباء بالذات، معتمدين على معاجم اللغة التي وضعناها لأنفسنا، وأهملنا اللسان العربي المبين الذي نزل به الذكر الحكيم من جهة، وأغفلنا المعيار العلمي وهو الأساس في الخطاب القرآني من جهة ثانية، ولذلك ليس غريبا أن نرى بيننا اليوم مُتنوّرين كُثْراً من أبرز مميزاتهم أنهم مهندسون متخصصون في مجالات هندسية مختلفة، ولذلك ليس غريباً أن يقدم لنا هؤلاء جهداً تَدَبُّرياً وتَفَكُّرياً دقيقاً، منطقياً وعلمياً، لا أثر فيه للعواطف والانفعالات، ولا لوساوس وهلوسات الذات !!

مصيبتُنا أن تفاسير كثيرة، يمكن القول إنها تجاوزت الثمانين في المائة مما تركه المفسرون، من السلف، حادت عن الفهم الصحيح لكلام إلهي نزل ليعالج النظمَ الكونيةَ والإنسانية، وقواعدَ التعامل “بين الناس كافة”، على اختلاف عقائدهم ومللهم، وليعالج آفات السياسة والدبلوماسيا والاقتصاد والثقافة، ويُنَظِّرَ لمتطلبات السلم وإكراهات الحرب… لا أن يقف وقفات طويلة ومعمقة عند سراويل النساء، وأحزمتهنّ وفروجهن، كما صوّر لنا ذلك مفسرون مهووسون بالجنس، كانوا يرون كل لفظٍ مؤنثٍ في القرآن إشارةً حصريةً إلى المرأة، وكل تعبير ذكوري جامع في الخطاب إشارةً إلى الرجال دون النساء، فتعبير “الذين آمنوا” مثلاً في تفاسيرهم رجالٌ مؤمنون فحسب، حتى وهم يعلمون أن جمع المذكر يخص الجنسَيْن معاً وفي آن واحد !!

بل إنهم تخطَّوْا ذلك، على سبيل المثال، ففسروا اصطلاح “النساء” في هذا السياق بجعله جمعاً لامرأة، بينما هو في أغلب استعمالاته القرآنية “جمع للفئات المستضعفة المحتاجة إلى من يعولها ويدبر شؤونها”، كالفقراء وذوي الحاجات الخاصة، وكل من تسقط عنهم القوامة… و”النساء” في القرآن كذلك، “جمعُ نسيء”، بمعنى الشيء المتأخِّر، كآخر الابتكارات والاكتشافات العلمية والصناعية وكآخر الصيحات في كل وسائل المعيش اليومي وأدواته، التي نصفها باصطلاح “الموضة”…

هكذا، تسبب مفسرو السلف، بهذا “المنظور الذكوري الفحولي المُلتبِس”، في جعل المراة مجرد “متاع للحياة الدنيا”، ومجرد “شهوة”، حاشى رب العزة أن يعتبرها كذلك، وقد كرّمها ربُّها داخل لُحمة “بني آدم” عندما خاطب “بني آدم” بالجمع، وكرّمها داخل دائرة “الإنسانية” عندما خاطب “الإنسان” بالجمع أيضاً، وكذلك عندما خاطب “الناس” جميعاً، ولم يُقْصِ المراةَ من هذه الخطابات الشاملة والجامعة إلا مفسرو السلف أولئك، لأنهم نشأوا في بيئة تستبيح كرامة المرأة !!

إنني بالمناسبة ما زلت أذكر، وكثيون منا يذكرون ذلك، على سبيل الاستئناس، شيوخاً سَمِعتُهم أيام الطفولة يقولون بكل أريحية وبلا أدنى حرج: “المرأة حاشاكم”، وكأنهم يذكرون شيئاً نَجِساً أكرمَكم وأكرمكُنَّ الله !!

أولئك المفسرون، أيضاً، اعتقدوا النبي الكريم مُشيراً إلى المرأة في حديثه الشريف: “حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ: النِّسَاءُ، والخَيْلُ المُسَوَّمَةُ، وَجُعِلَتِ الصَّلَاةُ قُرَّةَ عَيْنِي”، مقدِّمين النبي بفهمهم “الفحولي” ذاك في صورة زير نساء، حاشاه، وجاعلين المرأة على قدم المُساواة مع الخيول ونحوها من الدواب، بينما أراد النبي الإشارةَ بلفظ “النساء” إلى جمع “نسيء”، بمعنى الاختراعات الجديدة، لأنه عندما كان يعود بقافلته التجارية من الشام، ومعه مبتكرات من بلاد الروم وفارس، كان يَسْعَد ويَنشرِح بما كان يراه من وَقْع تلك الاختراعات (النساء) على وجوه وأعين زبائنه وشركائه من البدو البسطاء والبدائيين، من فرط الدهشة والانبهار، وقد كان هو نفسُه ينبهِرُ بها ويَطرَب لها بطبيعته البدوية البسيطة، فضلا عن أثرها الاقتصادي والاجتماعي الباهر في تطوير سبل العيش اليومي لدى قومه !!

إنّ القرآن كلام الله يقيناً، وكلام الله يستحيل أن يشير إلى “الزنا”، مثلاً، بمعنى الممارسة الجنسية خارج نطاق الزواج الشرعي، وإنما أراد بالزنا الخلطَ في “الزَّنْيِ” و”الموازين” وإرباكَها، وبالتالي عدم إقامتها بالقسط، في الفكر والسلوك، وفي تدبير الشؤون العامة والخاصة، ولذلك اشترط النص القرآني لتطبيق العقاب على “الزُّناة” أن يشهد فعلهم أربعة شهداء، وهل يستطيع شخص أن يجمع أربعة شهداء بالعِيان لإثبات علاقة جنسية بين رجل وامرأة مُتوارِيَيْن مَنطِقاً وبداهةً عن الأنظار؟ بالطبع لا… بينما يمكن لأي شخص أن يجمع أربعة شهداء بمنتهى السهولة لإثبات إفساد في الموازين، سواء في تدبير الصفقات العمومية، أو في إنفاق الأموال العامة، وفي النهب والسرقة الموصوفة، وفي استغلال النفوذ، والشطط في استعمال السلطة، وهلم جرا… وتلك هي الأفعال المُخِلة بموازين القسط (الزنا) والمستدعية للحد والعقوبة أمام الملأ !!

ومرة أخرى… إن القرآن لا يخاطبنا من تحت أحزمتنا إطلاقاً، فذلك نطاق متروك لحكمة الحكماء وفقه الفقهاء والمشرّعين الوضعيّين، والدليل أنّ في قوانيننا ما يكفي لتنظيم ذلك وزيادة.

إن القرآن يكلمنا من مُنطلَق خطابٍ شديد الرُّقي والسُّمُوّ والرفعة، ليَهديَنا ويُرشدَنا إلى أفضل السبل لممارسة شؤوننا الدنيوية، ويُرسّخ فينا ثقافة الأخذ بالأسباب، بدلاً من الاستكانة والكسل والاكتفاء بالأدعية المنطوقة لتحقيق المطالب والمطامح كما دعانا مفسرو السلف إلى ذلك !!

إن القرآن حين يخبرنا بأن الله “قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه”، فإنه بذلك لا يَحصُرُنا في دائرة الأدعية الكلامية الضيقة، بل يحُثّنا على الخروج إلى فضاءات الكد والاجتهاد في أخْذِنا بأسبابٍ وضعها خالِقُ الأسباب بحِكمته وخِبرته رهن إشارتنا، من شأنها أن تحقق آمالنا التي نرددها في أدعيتنا…

إنك حين تريد أن تدعو ربك بأن يرزقك فدعاؤك ينبغي أن يكون عملياً، بأن تأخذ بالأسباب التي وضعها الله بين يديك، وطَوْعَ أمرك، لتصل بها إلى النتائج المرتهِنة بها، وذاك هو معنى قوله تعالى كشرط لإجابته الدعاء “فليستجيبوا لي وليُؤمنوا بي لعلهم يرشدون”. ذلك أن استجابتك له عمليةٌ تتحقق بخضوعك لقانون السببية الذي صنعه ودَلَّك عليه وجعله رهن إشارتك لتُحقق به مطامحك وتلبي به احتياجاتك، حتى إذا حققتَ ذلك كان الله هو الذي استجاب لك من خلال قانونه ذاك، مصداقاً لقوله الحق؛ “وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى” (الأنفال-17) !!

مرة أخرى، إن القرآن لم يُخاطبنا مطلقاً ليثير عواطفنا وأشجانَنا ويجعلنا نخشع ونبكي تأثُّراً بجماليته اللسانية والبلاغية، كما ذهب إلى ذلك شيوخُنا الانفعاليون، وإنما ليكون خشوعُنا وتأثرُنا وبكاؤُنا نتاجاً وثمرةً لعِرفاننا بحقائق الوجود الكوني والإنساني الخالصة، التي يُقدمها القرآنُ لنا بأسلوبه العلمي، الفكري التنظيري، والعملي التطبيقي، الذي لا نظير له إطلاقاً… فهل مِن مُدَّكِرٍ ومُعتبِر؟!!
اليوسفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق