آراءثقافة وفنمجتمع

رقمنة البهجة: حين يطغى القياس على المعنى

د. ابتسام الهاشمي

بهجة العمالي: الجزائر تراهن على الرقمنة كرافعة للتنمية والتنوع الاقتصادي – دزاير تيك


يعود شهر ديسمبر مثلما لم يَعُدْ مِن قبلُ – يعودُ في دورة زمنية تتسارعُ إيقاعاتُها وتتخطى حدود إدراك الإنسان. يغدو العالم – خلال هذا العود الأبدي بِلغة نيتشه – وكأننا لم نعِشْه، وكأنه مفرغ من وجودنا.

هذا الشعور بتسارع الزمن ليس أثرًا نفسيًّا يتولّد بفعل التقدم في عمر الإنسان فحسب، بل إنه – علاوة على ذلك – تجلٍّ لظاهرة أكثر عمقًا في الوجود والمعرفة: تجربتنا الإنسانية الأصيلة تتداعى في طواحين الرقمنة وأتون التكنولوجيا، فدخلنا “عصرًا مِيتا – حِسّيًّا” يختزل لحظاتِ الكوميديا والمأساة في بيانات التصنيف والقياس، وينقلنا إلى تجربة أنطولوجية تتأرجح بين هُوَّتَيْن: بين هُوّة وجودنا الفعلي وهوّة وجودنا المتخيَّل.

‫سمو رقمي - نظام إدارة التعلم المؤسسي المتقدم‬‎

التحول المعرفي: من الفعل إلى التصنيف

يتجاوز هذا التحوّل حدوده الظاهرة ليمسّ أعماق الإدراك ذاته. فقد غدت الذات المعاصرة منشغلة بـ“الحياة المحسَّنة”، وهو مفهوم مستعار من لغات الإدارة والهندسة، حيث تُختزل تجربة التفاعل مع العالم في ممارسة مضبوطة مسبقًا، أكثر منها مغامرة فضولية تُكتشف في لحظتها. انتقلنا من حياة تُعاش كأفعال—تذوّق، تعجّب، اتصال—إلى حياة تُرى كبنى مصنَّفة: درجات، مقاييس، ووحدات محتوى.

خذ الفعل البسيط للأكل مثالًا دالًا: لم يعد الإنسان يتذوق الطعام بصفاء اللحظة الحاضرة، بل يستدعي قبل ذلك مراجعات النجوم والتقييمات الرقمية، باحثًا عن “الأفضل” قبل أن يختبر “الجيد”. تتحول المتعة إلى تجربة مُسبقة للقياس، ويتلاشى عنصر المفاجأة والاكتشاف العفوي، فتفقد الحياة قدرًا من حيويتها وحداثة لحظتها. ويغدو كل فعل—سواء تعلق بالطعام أو بالفن أو بالسفر—مجرد محاولة لملاءمة التوقعات الرقمية، بينما يضعف التفاعل المباشر والعفوي مع العالم، ذلك التفاعل الذي يُشكِّل شرط الحيوية الأصلية للتجربة الإنسانية.

العلاقات الإنسانية: سجل درجات الروح

ولا يقف أثر الرقمنة عند حدود التجربة الفردية، بل يتجاوزها ليمسّ نسيج العلاقات الإنسانية في جوهره. فقد غدت الألفة والتواصل العفوي خاضعين لمنطق القياس، حيث حلّت واجهات التطبيقات ولوحات النتائج محل التطور الطبيعي للصلة البشرية. لم تعد قوة الروابط تُقاس بالصمت المشترك أو بالتناغم الداخلي، بل بعدد الإعجابات، وتواتر الرسائل، وسرعة الردّ.

وحين يُختزل الشريك المحتمل إلى ملف رقمي، تتحول المشاعر إلى أداء قابل للتقييم، ويغدو الاتصال الإنساني عقدًا متواصلًا تحت الرقابة الإحصائية. تتلاشى المفاجآت العاطفية، وتضيع الخصوصيات الفردية، ليحل محلها ما يُعرف بـ“الكفاءة التبادلية”، حيث تُستبدل العفوية الإنسانية بمنطق التناسب والمحاذاة الرقمية. ويتراجع التصديق الداخلي لصالح القبول الرقمي، فتضعف الثقة وينحسر الانسجام الحقيقي الذي يشكّل جوهر العلاقة الإنسانية.

 

رقمنة (@RQMNH) / Posts / X

الكلفة المعرفية: حلقات الدوبامين والهوية السردية

الفِقدانُ – أي ما لَم يعد ذا قيمة وجودية في وجودنا الفعلي- لا يوجد خارج تُخومنا الذاتية، وإنما يضرب بجذوره في أعماق هويتنا السردية، تلك الحكاية المتواصلة التي نشيّدها عن أنفسنا عبر الزمن. فحين تُمنح المقاييس الخارجية أولويةً على أي معيار آخر، يُعاد تشكيل الدماغ تدريجيًا ليتجه نحو الإشباع اللحظي عبر حلقات الدوبامين—الإشعارات، الإعجابات، التقييمات الرقمية—على حساب ذلك الرضا البطيء والمتراكم الذي ينتج عن إتقان مهارة أو بناء علاقة ذات معنى.

وتغدو الهوية، في هذا السياق، كيانًا هشًّا، أقرب إلى مستأجر ينتظر موافقة “المالك الرقمي”—الخوارزمية—ليحافظ على استقراره. تتبدل قيمنا وسلوكياتنا تبعًا لصعود المؤشرات الرقمية أو هبوطها، بدل أن تتجذر في منظومة قيم شخصية ثابتة ومستقرة. ومع هذا التحول، ينقلب السعي الإنساني إلى بحث دائم عن تحقق رقمي خارجي، فيما يتراجع الصلاح الداخلي وتضعف القدرة على التحفيز الذاتي، ليصبح الفرد معلَّقًا بين رغبات لا يملكها تمامًا وقياسات لا تعبّر عنه حقًّا.

وبالتالي يتكشّف شعورنا بأن العام يمرّ بسرعة خاطفة، وكأنه وهم؛ مجرد تسلسل أنشطة لم تُعَش حقًا. تتحوّل كل لحظة—من تمرين صباحي محسوب إلى محاضرة مسائية مضبوطة بمعدلات التفاعل—إلى وحدة إنتاج تُقاس ولا تُختبر تجربتها. تُمسَخ الحياة إلى جداول بيانات بدل أن تكون سردية تُبنى بالخبرة والملامح والانفعالات. يقتل التركيز على الإنتاجية ذلك الفراغ الإبداعي: اللحظات غير الفعّالة الضرورية للتأمل، لتثبيت الذاكرة، ولتكوين تجربة تتجاوز حدود الإنجاز. تظلّ النتائج حاضرة، لكن اللحظات الهادئة التي تمنح الوجود معناه تتلاشى في الخلفية، كضوء خافت يعجز عن منافسة الواجهات الرقمية اللامعة.

ديسمورفيا» الرقمنة

 

استعادة الحياة غير المقاسة: دعوة للكينونة

يتطلّب التصدي لرقمنة البهجة وتآكل المعنى تمردًا هادئًا وواعياً على هيمنة المقياس. يستلزم الأمر أن نستعيد الحياة غير المقاسة، قيمة اللاكفاءة، والبحث عن اللحظة التي لا يمكن أرشفتها: مقهى بلا تقييمات، خطوات بلا تعقب، جلسة صمت بلا توثيق. تنتقل الأولوية من الأداء إلى الكينونة، من القياس إلى الوعي، من النجوم الرقمية إلى الحواس الخمس—رائحة القهوة، ملمس المطر، صوت الضحكة، ارتباك العابر، ودفء التفاصيل الصغيرة. يتعافى الإحساس الداخلي حين تُقاس اللحظة بعمق حضورنا لا بصرامة مؤشراتنا، وبكثافة شعورنا لا بمدى توثيقنا. يُفسِح ذلك المجال لاستعادة عمق الوجود وإعادة بناء هويتنا السردية على معنى لا يعترف بالقياس. وعندها، فقط، يعود ديسمبر خاتمة مستحقة لعام عشنا أيامه بصدق، بفوضى مقصودة، وجمال حيّ، حيث يطغى معنى حياتنا أخيرًا على قياسها.

[1] . باحثة في تحليل الخطاب والدراسات الثقافية، المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق