تراثثقافة وفن

ملامح التحول الاجتماعي في ظل سلطنة سنار (1505م–1821م)

محمد هارون عمر

سلطنة سنار، أو السلطنة الزرقاء، أول دولة عربية إسلامية في السودان، وقد شهدت أكبر حالات التصاهر والتزاوج بين القوميات العربية والرنجية والنوبية والبجاوية، فنتجت عن ذلك ثقافة جديدة، وتشكلت سحنات قوميات خلاسية ذات ملامح مشتركة.

جاء ذلك بفعل انتشار الدين الإسلامي الذي حلّ محل الوثنية والنصرانية كعقيدة. وقد ساعد سلاطين الفونج ووزراؤهم العبدلاب على تعزيز هذا التصاهر، حتى إن بعض القوميات، مثل العنج، فقدت ملامحها ولم تعد موجودة نتيجة لقوة هذا الامتزاج.

ورغم الطابع القبلي للمكونات، لم تظهر بوادر عنصرية تنادي بنقاء عرقي أو تحتقر أي مكون، امتثالًا لقوله تعالى: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، ولقول المصطفى ﷺ: “دعوها فإنها نتنة”.

أما قبيلة الفونج نفسها، فلم يكن أصلها محل اتفاق؛ إذ اختلف المؤرخون في جذورها، فمنهم من قال إنهم من برنو أو من الشلك، بينما يرى الفونج أنفسهم أنهم عرب من بني أمية هاجروا إلى السودان والحبشة بعد سقوط دولتهم على يد العباسيين. ويُعزَّز هذا الرأي بكون ملوك الفونج كانوا يتحدثون العربية.

أما حلفاؤهم القواسمة، فهم فرع من قبيلة رفاعة العربية. ولا شك أن التحالف الذي قام بين الفونج بقيادة عمارة دنقس والقواسمة بقيادة عبد الله جماع القرين كان تحالفًا سياسيًا أساسه الدين واللغة. وقد نجح هذا التحالف في إسقاط دولة علوة المسيحية في معركة أربجي سنة 1505م، فدخلوا عاصمتها سوبا وخربوها خرابًا صار مضرب الأمثال.

أصبح الفونج سلاطين في سنار، والعبدلاب وزراء في قري أو الحلفاية، ومن ثم بدأ التعريب السلمي واعتناق الإسلام، وازدهرت اللغة العربية حتى تغلغلت في المجتمع، فحدثت نقلة عروبية دعمتها رغبة القبائل في حفظ القرآن والحديث والفقه.

شجّع سلاطين سنار العلماء بالعطاء، فوفد إليها علماء من الحجاز والأندلس وشمال إفريقيا ومصر والشام. ومنهم: الشيخ محمود العركي، تاج الدين البهاري، حسن ود حسونة، وجابر أبو قرون، وغيرهم. وقد نشر هؤلاء العلماء العلم، وأقاموا المساجد والخلاوى والتكايا، وعلّموا الناس أمور دينهم، من صلاة وزكاة وزواج ومواريث، فبددوا ظلام الجهل وقلّصوا الأمية.

كما ساهم تطبيق نوع من اللامركزية (الفدرالية) في إدارة الأقاليم في تعزيز الاستقرار، بحسب ما ذكره الباحث عمر عدلان.

وقبل قيام السلطنة بقرنين، كان الإسلام في السودان اسميًا، وكان كثير من البدو العرب الذين دخلوا البلاد يجهلون أحكام الدين. وقد ذكر ود ضيف الله في كتابه الطبقات مظاهر من ذلك الجهل في المعاملات والزواج.

لذا مثّلت السلطنة الزرقاء نقلة حضارية وثقافية، أسهمت في إخماد الوثنية، وخلقت تقاربًا روحيًا واجتماعيًا أثمر وحدة نسبية في المجتمع.

غير أن الواقع الراهن يشهد عودة نزعات إثنية تمزّق النسيج الاجتماعي، في تناقض واضح مع ذلك الإرث الوحدوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق