آدبأدبثقافة وفنقصة قصيرة

“بغلة لقبورة” .. (محكيات)

ناصر السوسي (المحمدية /المملكة المغربية)

الأديب المغربي ناصر السوسي
الأديب المغربي ناصر السوسي

بالصدفة حضرت، وأنا طفل صغير، في حينا بمدينتي الملونة لِسِبَابٍ،
وتراشق لفظي عنيف اندلع فجأة بين جارتين، الأولى قصيرة القامة، ولود، ذات عقب أولادا وبنات، اما الثانية فهي سيدة فارعة الطول، متينة البنيان، عريضة المنكبين. عيناها كخضراء الدمن تتطاير منهما قطرات القسوة، ولهيب الغِلْظَة، وشرر العدوانية.
بدافع فضول الأطفال لاكتشاف ماحولنا كنت أسترق النظر إلى وجه هذه السيدة المرعب، وإلى يديها اللتين يخطهما وشم، وأحدق في قامتها الباسقة من مسافة قريبة لأتأمل مليًّا تفاصيل ملامِحِهَا. كان صوتها الجهوري يزمجر مدويا بحيث يسمع في كل الأزقة المحادية لمنزلها. ظل قوامها الرجولي لغزا بالنسبة إلي وأنا في ذلك العمر الطري. أكيد أنها لم تكن تشبه في شيء نساء حينا. وهذا ماجعلني أَتَهَيَّبُ من نظراتها، ومظهرها المخيف بحيث كنت أستحضر مارُوِيَ لنا عن قصص الجن، وحكايا”عيشة قنديشة” التي تتربص بالشباب ليلا لأجل إغوائهم والإيقاع بهم في مكائد الهوى. زد على هذا أنه لم يسبق لي أن شاهدت من قبل امرأة بشارب وزغب في الذقن. بَدَتْ لي هيئة تلك المرأة شبيهة بقامات البحارة مفتولي العضلات الذين اعتادوا المرور، بخطى ثابثة، من أزقة حينا ميممين شطر مرفإ المدينة قبل مغيب شمس كل يوم. علمت مرة من أترابي أن المرأة محرومة من الذرية لأنها عاقر، وتعيش مع بعلها في منزل صغير على سبيل الإيجار.
زوجها من أهل الكَدْحِ. شديد السُّمْرَة. يَعْتَمر بانتظام قلنسوة رمادية ويرتدي على الدوام سترة زرقاء داكنة كتب على ظهرها بلون أبيض “SARDEXE”، اسم إحدى معامل تصبير السردين. هو ليس على شاكلة قرينته. كان هزيل البنية نحيفَها. ذُو وَجْهٍ أعْجَف، وأسنان ناتئة، وأنف نظير أنف”سيرانو”يسبقه وهو يمشي، ويسبقه متى دَلَفَ الى بيته. خَطَّتْ صُرُوفُ الدهر غُضُونًا عميقة في خذيه المَعْظُومَيْنِ إلى حد أنك تُلْفِيه وهو يَجُوبُ دروب حارتنا جُثَّةً متفحمة خرجت لتوها من مجاهيل مَدْفَنٍ مَنْسِيٍّ. كان مُشَوَّشَ الذِّهْنِ. غَضُوبًا باستمرار. صَفِيقًا. غالبا ما تتملكه نوبات هِيَاج هيستيري تَشُدُّ الانتباه فتراه ويداه معقودتان خلف ظهره يسير، جيئة وذهابا، بلاهدف محدد. يزمجر. يشتم، ويسب بألفاظ بذيئة، وكلام ساقط فتحسب أنه يَخُوضُ معركة ضَارِية مع حشدٍ من الأشباح ولاسيما حينما تحذوه رغبة لامحيص عنها في تدخين”الكيف” لما يكون مفقودا.
مِرَارًا عديدةً رَمَقْتُ الرجلَ يَجْلِسُ القُرْفُصَاء مُطْرِقًا وسط فناء بيته وبجانبه كأس شاي. بنصلٍ صغير وَلَوْحٍ خشبيٍّ مستطيلٍ يُعِدُّ ماسيدخنه في صَمْتٍ مَاحِقٍ. في البدء ظننتُ أن الرجل يعاني من نزلة برد حادة أجبرته على إعداد”لمساخن”درءً لما يسميه العوام”لبرودة”.
قلت اندلعتْ نيران شجار بين الجارتين. عَيَّرَتِ المرأة الولود جارتها بعبارة لاذعة: “يا بغلة لقبورة!!!”فلم أفهم مغزاها ومؤداها لصغر سني. وبمجرد ما أن وضعت المنازلة الكلامية أوزارها، وفُضَّ الاشتباك بين الجارتين على إثر تدخل بعض”حكيمات” الحي حتى انبريتُ لعمتي أسألها ببراءة صبي عن معنى”بغلة لقبورة”لتخبرني بتفاصيل قصة “الدابة العجيبة”التي تَتَمَنْطَقُ بسلاسل كثيفة فَتَبِيتُ في عِزِّ الليالي الليلاء تتسكع بين قبور المسلمين إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر ثم تختفي عن الأنظار.
أذكر أني كنت جسورًا مقدامًا في طفولتي، شغوفا بالمغامرات داخل مقبرة مدينتي المتاخمة لحينا. مَيَّالاً إلى ملاقاة الأشباح التي يشاع أنها تخرج ليلا في غابة”الكارتينغ” لتعترض بعض المارة “لذلك لم أترك فكرة “بغلة لقبورة” تمر سُدًى دون أن أتأكد من صِدْقِيَتِها. لذلك صَمَّمْتُ على مداومة الخروج وحيدا في جنح الظلام، والتجوال خلسة بين شواهد القبور عساني أظفر لَيْلَةً ما بمشهد تلك البغلة وهي تجر السلاسل عقابا لها وعذابا.
كنت في تلك المرحلة من طفولتي على يقين تام بأن جارتنا المفتولة العضلات هي حَتْمًا وبلاريب”بغلة لقبورة”. وقد حملني اقتناعي الطفولي الساذج بالفكرة إلى الذهاب بعيدا في الأمر إذ عمدتُ إلى تقمص دور شرطي سري غاية في مراقبتها خِفْيَةً من غير أن تفطن لأمري متى غادرتْ منزلها. كنت أتقفى خطواتها خلسة بين الأزقة كمخبر محترف ولاسيما في الليالي المقمرة. كان فضولي بلاضفاف لأجل معرفة الكيفية، واللحظة الفارقة التي ستتحول بها جارتنا العملاقة من كائن بشري مثلنا إلى”بغلة”، وعن قدرتها الخارقة على تحمل كل ذلك الحِمْل الشَّاق من السلاسل الثقيلة وهي تعدو ليلا بين مقابر المسلمين.
طفقتُ مهووسا بتلك المرأة الغريبة ذات القامة المهيبة التي تشبه هيأة الرجال. فقد استبد بي سرها بشكل لم أستطع رده لمدة عام على وجه التقريب إلى أن اكترتْ منزلا آخر بعيدا عن بيتنا. لم أَرَها بعد ذلك البتَّة. كنت أسأل عنها بين الفينة والأخرى دون أن أتوصل بأي جديد.
كبرتُ وَطَيْفُ جارتنا، بارزة القوام، رغم مسافات السنين مَابَرِح يتراءى لي بحيث لم أستطع، وإلى حدود الآن، التخلص من فكرة أن تلك الجارة هي بالفعل”بغلة” حقيقية ل”مقابر حينا” على الرغم من أني لم أر في حياتي لا “بغلة لقبورة”، ولا”سيدنا قدر” في ليلة 27 من الشهر الفضيل.

(ناصر السوسي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق