آراءثقافة وفندينمجتمع

أعيادنا وأعيادهم لا علاقة لها بالدين بتاتا فلماذا الإفتاء فيها بالابتداع ؟!!

عبد الحميد اليوسفي

أ. عبد الحميد اليوسفي
ذ. عبد الحميد اليوسفي
باحث مغربي

اتصل بي صبيحة يوم أمس صديق عزيز يسألني رايي في تعقيب أرسله إليه أحد أصدقائه حول الاحتفال بعيد الأم سنوياً جاء فيه “أن ذلك بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار… وأن فيه ضرراً بالإسلام”… هكذا جاء في ذلك التعقيب بحذافيره !!

الحال أن مثل هذه الأحكام، التي يطلقها بعضُنا هكذا على عواهنها، تجعل المرء يصاب بنكسة وحرقة شديدتيْن وهو يرى كل من هب ودب يُنصّب نفسه مُفتياً في الدين، أو ينقل نقلا بلا استعمال للعقل عن سلفه أو آبائه، أو عمّن يعتبرهم في تقديره علماء فقهاء لهم صلاحية الإفتاء، والله عز وجل احتفظ لنفسه ولمَلَئِه الأعلى بتلك الصلاحية بقوله لرسوله الصادق الأمين في أكثر من آية: “يستفتونك… قُلْ”، بمعنى أنك أيها الرسول لن تُجيب من تلقاء ذاتك، بل قل لهم من عندي… فهل هناك أوضح من هذا الاستدلال على الصلاحية والسلطة الربانيتيْن في الإفتاء في الدين… أقول “في الدين” ؟!

بيد أن المشكلة أنها ليست مشكلة فتوى في حد ذاتها، بل هي في ذلك الربط الملح، ولكنه ربط باطل، بين الدين من جهة، وبين شؤون اجتماعية وثقافية لا صلة لها بالدين من قريب أو بعيد، مثل العادات والتقاليد المميِّزة لكل مجتمع عن غيره، ولكل حقبة تاريخية عن سابقاتها ولاحقاتها من الحقب، بحكم التبدّل والتطوّر المتلاحقين لدى كل المجتمعات الإنسانية بلا استثناء وبلا توقُّف إلى ان يرث الله الأرض وما عليها، وكذلك مَن عليها، لأن ذلك من سُنَة الله في خلقه، أن يتبدّل ويتحوّل ويتطوّر كلُّ شيء ويزول في نهاية مطافه، إلا وجهه جل وعلا، وكلامه سبحانه !!

ينبغي هنا أن ندرك أن تلك السُّنة الربّانية بالذات، هي التي جعلت دين الله ثابتاً ولكنها جعلت فهمه وتأويل آياته عبر الآفاق متحركاً ودائم التبدّل والتطوّر، لأن ذلك الفهم والتأويل مرتبطان بوثيق العروة بالعقل الإنساني، والعقل الإنساني في حركة دائبة نحو الأمام وصوب المستقبل، ولذلك قال تعالى :”سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” ( فصلت-53)… فكلما تقدم العقل في دروب العلم كلما تطور فهمه لنفس الآيات ولنفس التنزيل الحكيم، الثابت، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتبدل وتتطور نفاهيمُنا وكذلك سلوكياتُنا تجاه أنفسنا وتجاه ما حولنا من الكائنات والظواهر… وفي هذا السياق بالذات جاءت احتفالاتنا بأنفسنا وبمناسباتنا الدينية والاجتماعية والثقافية دون أن يكون لذلك أدنى علاقة بديننا وتديُّنِنا، وباعتقاداتنا الدنيوية والأخروية…

في هذا السياق، إذَنْ، جاء الاحتفاء بعيد خصصناه للأم تقديراً وتعظيماً لإنسانة جعل الله واجب البر بها مقروناً، بصورة مباشِرة، بواجب إخلاص العبادة له دون غيره سبحانه بقوله: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ” (الإسراء -23)، ومن باب الإحسان، الاحتفاء بالأم كل يوم إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فكيف نستكثر عليها احتفاءً مرة واحدةً في السنة ونخشى أن يُغضِبَ ذلك ربَّ العزة ؟!!

هل قضى السلف والسلفية بكون ذلك بدعةً لمجرد نقلنا إياه من عادات أهل الكتاب وتقاليدهم؟ السؤال هنا ينبغي ان يكون: “هل إذا نقلنا عنهم تقليداً نكرّم به أمهاتنا فسيضر ذلك بالإسلام، كما علق على ذلك صديقُ صديقي؟ أو سيضرّ بتديّننا، بتعبير أصوَب، لأن الدين يستحيل الإضرار به وإنما الإضرار يكون بمُعتنقيه ؟!

إن علينا لكي نناقش هذا الأمر أن نفهم قبل ذلك معنى “البدعة” و”الابتداع”، حتى لا نرى كلَّ جديد بدعةً وخروجاً عن الجادة…

ليست “البدعة”، بالمفهوم القدحي للكلمة، كل جديد نضيفه إلى قِيَمنا وعاداتنا وتقاليدنا، لأننا لو طبقنا هذا المفهوم “المتحجر” على كل هذه الإضافات الإنسانية لبقينا نعيش في القرون الأولى، ولرفضنا كل ما أضافه المجدّدون و”المصلحون في الأرض” وهم المخترعون المبتكرون، إلى وسائل بحثنا وفهمنا وعيشنا، وبذلك نعيش الماضي حاضراً ومستقبلاً… وهذا لن يرضاه لنا الديّان عز وجل، ولذلك ترك لنا في تعاليمه الدينية مساحاتٍ شاسعةً نمارس فيها اختياراتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها… لنستمر في التحوّل والتطوّر.

ألاَ إن البدعة هي “الإضافة والزيادة في الدين” بالذات، لأن ذلك مهما رأيناه حسنا (أقصد ما يُسمّى بالبدعة الحسنة) فإنه يشكّل اتهاما ضمنياً للدين بالنقصان، حيث يُفترَض أن البدعة تضيف إليه ليكتمل، وهذا بالذات هو الباطل المحض، لأن الديّان سبحانه وتعالى قال وكلامه ثابت بالمطلق: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاۚ” (المائدة – 3).

إن ذلك أيضاً، هو السبب في كون الأنبياء والرسل، وفي طليعتهم خاتم النبيّين، لم يتركوا لنا أدنى “تفسير من عند أنفسهم” للرسالات المنزّلة، حتى لا يقف عقلنا عند تفاسيرهم، وحتى نستمر في تجديد فهمنا، وتطوير وتفعيل قراءتنا للنصوص ذاتها لأنها إلهية، وبالتالي مطبوعة بالثبات، وكذلك بتشابُهٍ يجعلها قابلة للفهم المتطوّر باستمرار، وتلك خاصية النص الديني، الذي قال رب العزة في شأنه إنه لا يتبدل لديه بالمطلق: “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ” – (ق – 29) !!

السؤال المطروح الآن من تلقاء ذاته: “هل الاحتفال بعيد الأم له علاقة بالامتثال لتعاليم الدين الذي هو عند الله الإسلام ولا دين غيره”؟

الإجابة الصائبة هي: “نعم… ففي ذلك امتثال فعليّ لتعاليم الإسلام الآمرة بالإحسان إلى الوالدين، أمهاتٍ وآباءً”، دون أدنى تحديد في هذا الأمر الإلهي لأي طريقة من طرق الإحسان والاحتفاء، لأن ذلك يدخل في الهامش الواسع الذي تركه رب العزة أمامنا، كما سبق القول، مفتوحاً على مصراعَيْه لنختار في كل مجتمع وفي كل حقبة ما نراه مناسباً لذلك النوع من الاحتفاء الإنساني، الإيجابي، وبالتالي، الذي لا يمكن إلا أن يكون محل ثواب دنيوي وأخروي لا ينازع في مشروعيته إلا جاحد أو معتوه… وما نحن المؤمنون بجاحدين ولا معتوعين حسب علمي المتواضع !!

ذاك السؤال إذَنْ، بإجابته هذه، يحيلاننا على أمر ينبغي تسجيله ها هنا بكل أريحية وبلا تعصّب، وهو أن الذين نقلنا عنهم هذا الاحتفاء السنوي بالأمهات، وبِعيد خصصوه لهن لهذه الغاية، لم يفعلوا بِسَنِّهم لتلك العادة إلا أنهم امتثلوا قبلنا لذات التعاليم الإسلامية، الداعية إلى الإحسان بالوالدين، ولا غرابة في ذلك، فالوصايا العشر، التي يأتي واجب البر بالوالدين في المقام الثاني منها بعد عبادة الواحد الأحد، نصت عليها الرسالات المنزلة جميعُها بلا أدنى استثناء!!

لماذا إذَنْ سنؤاخذ أنفسنا على تقليدٍ حسَنٍ نعلم أنه من صميم تعاليم ديننا، الذي هو الدين نفسه لدى كل العقائد التوحيدية من بداية ظهور الإنسان المكلّف إلى غاية زمان الله هذا ؟!

أعتقد أنني رددتُ بما فيه الكفاية على تعقيب ذلك الصديق الثاني، وأعتقد أيضاً أن هذا يسري على كل الأعياد التي اتخذناها أو سنتخذها في المستقبل من عند أنفسنا، أو نقلاً عن غيرنا بغض النظر عن اعتقاداتهم ومشاربهم الفكرية والعَقَديّة، ما دام ذلك لا يشكّل أدنى مساس بثوابتنا الإسلامية الثلاثة كما جاءت في الآية 62 من سورة البقرة والتي تشكل قاسما مشتركا بيننا وبين كل الأمم والأقوام الموحِّدة: “الإيمان بالله؛ الإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح”… أما الباقي فمجرد تفاصيل لا أثر لها على أُسُس الدين ومقاصدِه… والله سبحانه أعلى وأعلم !!!
اليوسفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق