

باحث مغربي
عبارة في غاية النبوغ سمعتُها هذا الصباح من فم المرحوم محمد شحرور، تُلخّص بذكاء شديد موقف فقهاء المسلمين وعلمائهم وشيوخهم من الرسول ورسالته…
قال بلسان حال علماء الأمة وفقهائها: “إننا نقول بكون محمدٍ مرسَلاً إلى العالَمِين وإلى الناس كافة، ولكننا نتعامل معه ومع رسالته كما لو كانا مرسلَيْن لقومه دون غيرهم” !!
الحال أنّ هذه المقولة تُوَفّينا حقنا من النقد الراقي ولكنْ، اللاّذع والجارح في آن واحد !!
إن علماءَنا وفقهاءَنا، عندما تركوا أركان الإسلام الثلاثة الأساسية (الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح) واعتمدوا في محل ذلك رواياتٍ تُشرِّعُ “لخمسة أركان للإسلام”، هي في حقيقتها خمسُ عباداتٍ ليس إلاّ، فإنهم لم يفعلوا بذلك سوى أنهم أخرجوا كل الأمم الأخرى من دائرة هذا الدين، الذي نزل كونياً عالمياً يعتنقه مَن في الأرض من الموحّدين جميعاً، بلا أدنى فرق بين الأعراق والأجناس والأنساب والثقافات واللغات… وأنكروا هذه الشمولية التي من أجلها تَعدَّدَ الأنبياءُ والرسلُ، ومن أجلها لا يوجد في تاريخ الإنسانية قومٌ إلاّ خَلاَ فيهم نبيٌّ أو رسولٌ يبشرهم بالدّين القيّم ذاتِه، مع اختلافٍ منطقيّ في المناهج والشّرائع يناسب اختلاف أحوال العقل في كل حقبة وفي كل ثقافة.
تعالوا بالمناسبة نُسائل الأركان الخمسة المفترَى عليها:
لنفترض أن زيداً فقيرٌ مُعوِزٌ لا يملك سوى قوت يومه، وأنه لذلك “لا يدفع الزكاة” وغير ملزم بأدائها كما شرّع لها أولئك الفقهاء، وبتحصيل حاصل فقره ليست له “الاستطاعة ليحج إلى بيت الله الحرام”، وبسبب فقره أيضا اصيب بمرض مزمن “حال بينه وبين الصيام”… فهل يُعقَل أن يقوم إسلام هذا العبد على ركنين فقط؟! وهل هناك أساساً أي بناء يمكن ان يقوم على ركنين اثنين، اللهم إلاّ إذا كان مجرد رسم فوق سطحٍ ثنائي الأبعاد، يستحيل أن يسكنه أي كائن ثلاثي الأبعاد مثل زيد أو غيره، أم ان زيداً ينهار إسلامه ويدخل خارج إرادته ووعيه في زمرة الكفار والمشركين لمجرد كونه فقيراً مُعدَماً ومصاباً بمرض مزمن ؟!
إن هذا المثال البسيط وحده كافٍ لإسقاط الأركان الخمسة بالجملة. ومن هنا تأتي بداهةُ ومنطقيةُ الأركان الثلاثة سالفة الإشارة، والتي يستحيل أن يسقط أي ركن منها ما عدا في حالة الكفر أو الشرك الإرادي/الاختياري !!
لقد قرأ علماؤنا وفقهاؤنا القرآن ولكنني أتساءل شخصياً وبكل تواضع:
ما جدوى قراءتِهم له إذا لم يستخلصوا منه أن الله أمر خاتم النبيين باتّباع ملة إبراهيم حنيفاً، فيستنبطوا من ذلك، مثلاً، أن إبراهيم لم يكن “للناس إماماً” بالاعتباط أو بالصدفة، وإنما لأنه كان صاحبَ منهج عقلاني في التدرّج من الضلالة إلى الهُدى، ومن الشك إلى القين، بالبحث والملاحظة والإحصاء والاستنتاج والاستقراء والاستبطان، وكل هذه وسائل علمية عقلية ومنطقية بحتة، حتى إذا صدّق وآمن، لم يرتَحْ بالُه رغم ذلك ولم يطمئنَّ قلبُه إلاّ بعد أن أَطلَعَه ربه على كيفية إحيائه الموتى، ليصير إبراهيم بذلك أول نموذجٍ وقُدوةٍ للعقل المسلم المنهجيّ، الناقد، المجتهد في البحث والفهم، لا الناقل المقلّد كما صار عليه شأن هؤلاء العلماء والفقهاء وشأنُنا جميعاً إلا مَن رَحِمَ ربُّك !!
لو قرأ هؤلاء القرآن حق قراءته لَعلِموا أنّ “الإسلام دين كل من آمن بالله واليوم الآخِر وعَمِلَ صالحاً”، ولأجل ذلك فإن الله يعتبر “أكرمَ الناس” عنده “أتقاهم”، و”أكثرهم إصلاحاً في الأرض”، و”أفضلهم خدمةً للعباد”، وأشدُّهم سماحَةً وجَبْراً للخواطر… ولو فعلوا لأدركوا أن علينا ألاّ نُفَرّق بين أحد من الرُّسُل، وألاّ نتفرّق في الدين فنكون شِيَعاً كلُّ حزبٍ منّا بما لديهم فرحون، لأن ذلك يصفه رب العزة بالشّرك الصريح بقوله: “ولا تكونوا من المشركين من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون” (الروم – 32)…
لو فعلوا لَاجتهدوا في إعادة جمع الشمل ولَمِّ الشتات حول كتاب واحد من البديهي أنه نزل ليَجمع ويُوَحّدَ لا ليُفرّق ويُمزِّق، ولَنَبَذوا كل انتماءاتهم المذهبية التي أملت لهم شياطينُهم أن يصنّفوها افتراءً في خانة: “الاختلاف رحمة” !!
لو قرأ هؤلاء القرآن كما ينبغي أن تكون القراءة لأصابهم الغثيان خوفا ورهبةً من جرّاء قولهم ببدعة “الناسخ والمنسوخ”، وتعطيلهم بذلك أكثر من مائة آيةٍ قرآنيةٍ بيِّنةٍ ومُحكَمةٍ، داعيةٍ إلى السلم والأمن والمودة، مستبدلين إياها بما سَمُّوه “آيةَ السيف”، فأباحوا بذلك لمتطرفيهم قتلَ أنفُس الأغيار بغير حق !!
لو قرأوا القرآن لتوقّفوا عن اعتبار أوطانهم “ديارَ سلام” وأوطان الآخرين “ديارَ حرب”، وبالتالي اعتبار دماءِ أهاليها مهرقةً وأموالِهم مغنمةً ونسوتِهم سبايا وأطفالِهم سلعةً في أسواق النخاسة… تحت شعار نشر دعوة الإسلام وتوسيع رُقعته، والإسلام الحق بريء مما يظنّون ومما يعرشون !!
وأخيراً وليس آخراً، لو قرأ علماؤنا وفقهاؤنا وشيوخُنا القرآن، كما يجب أن يُقرأ، لتيقّنوا أن كلَّ مَن في الأرض قد أسلم وجهه لله بشكل أو بآخر، وبصيغة أو بأخرى، كرهاً وطوعاً، إلاّ مَن لم يرحم ربُّك، ولَعلِموا ما معنى أن يكون النبي الرسول محمد بن عبد الله قد أُرسِل للناس جميعاً، وأنّ عليه بالرغم من ذلك أن يتّبع ملة إبراهيم حنيفا، ولَتوقّفوا عن فبركة المعجزات ونسبتها إليه، ولَأَدركوا الفارق الشاسع بين الآيات البيّنات التي أتاها الله أنبياءَه ورسلَه السابقين، والتي تراجعت وانطفأت جذوتُها بذهابهم، وبين قرآن حكيم يشمل سِتّاً وثلاثين ومائتين وستة آلافِ آيةٍ حيةٍ باقيةٍ إلى يوم الدين… ولو فعلوا لَأَدرَكوا كذلك أنهم على باطل حين ينتظرون من أهالي كل أوطان هذا العالم أن يتركوا جميعاً ما بين أيديهم من الرسالات والنبوّات السابقة، ذات المصدر الإلهي الواحد، وان يعتنقوا بدلاً منها الطقوسَ الخمسةَ التي جعلها السلف أركاناً لإسلامٍ ضيّقِ الآفاقِ حاصروه بسطحيتهم، وطَوَّقوا حدودَه بآلية القياس وبنقلهم عن الآباء بلا عقل، وحَصَروه داخل شبه جزيرة العرب رغم ادّعائهم أنه جاء للناس كافة !!
… يا سلام لو كانوا فعلاً يتلون القرآن حقَّ تلاوته !!!
اليوسفي




