
الحُوار الغلب شيخه… فضيحة العسجد تكشف غياب الحوكمة

محمد عثمان
خلفية تاريخية عن بنك السودان المركزي
من 1898 إلى 1960
شهد السودان خلال الفترة الممتدة من دخول كتشنر إلى الخرطوم عام 1898 وحتى تأسيس بنك السودان المركزي عام 1960 تحولات جوهرية في إدارة المهام النقدية والمصرفية. فقد انتقل النظام المالي من إدارة بدائية تعتمد على الخزينة العسكرية إلى نظام نقدي وطني مستقل يمتلك أدوات السياسة النقدية الحديثة. ولو نظرنا إلى تلك المراحل بعين اقتصادية وتقنية معاصرة، لوجدنا أن كثيرًا من المهام التي كانت تُدار يدويًا أو عبر ترتيبات إدارية بسيطة، أصبحت اليوم تُدار عبر بنى رقمية متقدمة تشمل البلوكشين، الحوسبة السحابية، الذكاء الاصطناعي، والهوية الرقمية.
في السنوات الأولى بعد دخول كتشنر، كانت الإدارة العسكرية تدير الشؤون المالية للدولة بصورة مباشرة. لم تكن هناك مؤسسة نقدية، وكانت المعاملات تتم نقدًا، بينما تُجمع الضرائب وتصرف الرواتب عبر خزينة حكومية بسيطة. ولو قورنت تلك المرحلة بالمعايير التقنية الحديثة، لوجدنا أنها كانت تفتقر إلى أي شكل من الحوسبة السحابية أو أنظمة الدفع الفورية، ولم يكن هناك مفهوم للرقابة اللحظية أو تتبع التدفقات المالية كما توفره اليوم تقنيات البلوكشين التي تسمح بسجلات غير قابلة للتلاعب.
ومع انتقال الحكم إلى الإدارة المدنية في مطلع القرن العشرين، بدأت تظهر الحاجة إلى تنظيم المعاملات المالية، خاصة مع توسع النشاط التجاري. ومع ذلك، ظلت المهام النقدية موزعة بين جهات حكومية، أبرزها وزارة المالية التي أدارت الإيرادات والمدفوعات دون امتلاك أدوات فنية للتحكم في عرض النقود أو تنظيم الجهاز المصرفي. في السياق الحديث، كانت تلك المرحلة ستستفيد من الأنظمة السحابية للبنوك المركزية التي تسمح بإدارة التدفقات المالية عبر منصات موحدة، ومن النماذج الأمنية صفرية الثقة التي تمنع الوصول غير المصرح به للبيانات الحكومية الحساسة.
التحول الحقيقي بدأ عام 1913 مع افتتاح فرع البنك الأهلي المصري في الخرطوم. فقد أصبح هذا البنك، عمليًا، يقوم بدور البنك المركزي غير الرسمي للسودان. تولى إدارة المقاصة بين البنوك، وحفظ الودائع الحكومية، وتمويل التجارة الخارجية، وإدارة التحويلات، والإشراف غير المباشر على البنوك التجارية. لو قورنت هذه المهام بالمعايير التقنية الحديثة، لوجدنا أنها تماثل اليوم أنظمة التسوية عبر واجهات برمجة التطبيقات التي تسمح للبنوك بالتكامل الفوري، إضافة إلى الامتثال اللحظي الذي توفره خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على مراقبة المعاملات في الزمن الحقيقي واكتشاف المخاطر.
وفي منتصف القرن العشرين، أنشئت لجنة العملة السودانية، وهي لجنة مشتركة بين مصر والسودان تولت إصدار الجنيه السوداني القديم وتحديد كمية النقد المتداول وربط العملة بالجنيه المصري. ورغم أنها أدت جزءًا من مهام البنك المركزي، فإنها لم تكن مؤسسة مستقلة، وكانت خاضعة لترتيبات الحكم الثنائي. لو كانت هذه اللجنة تعمل اليوم، لكانت تعتمد على دفاتر السجلات الموزعة لضمان الشفافية في إصدار العملة، وعلى نماذج الذكاء الاصطناعي لضبط حجم السيولة وفق مؤشرات الاقتصاد الكلي.
بعد استقلال السودان عام 1956، أصبحت وزارة المالية تدير المهام النقدية مؤقتًا، بما في ذلك الاحتياطيات الأجنبية والإشراف الإداري على البنوك. لكن غياب مؤسسة نقدية وطنية كان واضحًا، خاصة مع استمرار اعتماد البلاد على البنك الأهلي المصري في عمليات المقاصة والتسوية. في السياق التقني الحديث، كان هذا الوضع سيُعد افتقارًا إلى هوية رقمية وطنية وإلى بنية KYC مؤتمتة تسمح بإدارة الجهاز المصرفي وفق معايير الامتثال الدولية، إضافة إلى غياب منصة وطنية للدفع الفوري.
هذا الوضع دفع الحكومة السودانية إلى الاستعانة بثلاثة خبراء من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لوضع دراسة شاملة حول إنشاء بنك مركزي حديث. وقد أوصت الدراسة بضرورة إنشاء مؤسسة نقدية مستقلة تتولى إصدار العملة الوطنية، وإدارة السياسة النقدية، وتنظيم الجهاز المصرفي، وبناء نظام دفع وتسوية وطني، وإنهاء الدور السيادي للبنك الأهلي المصري. لو نُفذت هذه التوصيات اليوم، لكانت ستشمل أيضًا بناء بنية سحابية للبنك المركزي، وتطوير منصات دفع رقمية، واعتماد الذكاء الاصطناعي في تطوير الأنظمة المصرفية، وتطبيق نماذج الأمن صفرية الثقة لحماية البنية المالية.
استندت الحكومة إلى هذه الدراسة في صياغة قانون بنك السودان لسنة 1959، الذي وضع الإطار القانوني لإنشاء البنك المركزي. وفي الثاني والعشرين من فبراير عام 1960، بدأ بنك السودان عمله رسميًا، ليصبح الجهة الوحيدة المخولة بإصدار العملة الوطنية، ورسم وتنفيذ السياسة النقدية، والإشراف على البنوك، وإدارة الاحتياطيات الأجنبية، وتشغيل نظام الدفع والتسوية، وحماية الاستقرار المالي. ولو قورنت هذه المهام بالمعايير الحديثة، لوجدنا أنها تتطابق مع وظائف البنوك المركزية الرقمية اليوم التي تعتمد على البلوكشين في التسوية، والذكاء الاصطناعي في الامتثال، والحوسبة السحابية في إدارة البيانات، والهوية الرقمية في ضبط الجهاز المصرفي.
بهذا الانتقال، اكتمل تحول السودان من نظام نقدي استعماري يعتمد على مؤسسات أجنبية إلى نظام مصرفي وطني مستقل يمتلك أدواته السيادية. وقد شكّل تأسيس بنك السودان نقطة تحول محورية في تاريخ الاقتصاد السوداني، إذ وضع البلاد على طريق بناء سياسة نقدية مستقلة وإدارة مصرفية حديثة، وأرسى الأسس التي يقوم عليها النظام المصرفي السوداني حتى اليوم، وهي أسس يمكن اليوم تطويرها عبر تقنيات مثل البلوكشين، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والهوية الرقمية لضمان شفافية أكبر واستقرار مالي أعمق.
لسياق المصرفي الحديث وقضية عسجد
يشهد القطاع المصرفي في السودان حالة من الارتباك التقني والإداري، تتجلى في تدخل المتنفذين العسكريين وقادة المليشيات في أعماله، وكذلك ضعف قدرة قيادات بنك السودان على مواكبة متطلبات التحول الرقمي، رغم أن المفاهيم الأساسية في تقنية المعلومات المصرفية أصبحت اليوم من المهارات التي يتقنها عشرات الآلاف من الشباب السوداني. هذا القصور يعكس فجوة خطيرة بين الإدارة العليا ومتطلبات بناء بنية مالية حديثة وآمنة، ويطرح تساؤلات حول مدى جاهزية البنك المركزي لإدارة البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي بكفاءة، للاستفادة مما شهدته العقود الأخيرة من تطور كبير في تقنيات إدارة الأنظمة المالية والمصرفية، حيث أصبحت البنى الرقمية الحديثة جزءًا أساسيًا من عمل البنوك المركزية حول العالم. وتشمل هذه التقنيات:
Blockchain / DLT
Cloud-native banking
AI-assisted development
Real-time compliance
API-based settlement
Digital identity & KYC automation
Zero-trust security models
هذه المفاهيم تمثل اليوم الركائز التقنية التي تُبنى عليها أنظمة الدفع الحديثة، وإدارة الامتثال، والإشراف المصرفي، وحماية البيانات، وهي تمنح البنوك المركزية قدرة على إدارة السياسة النقدية والرقابة المالية بكفاءة أعلى وشفافية أكبر. وعند قراءة التطور التاريخي لمهام البنك المركزي في السودان، يمكن النظر إلى كل مرحلة من مراحله بوصفها الأساس الذي كان يمكن أن تُبنى عليه هذه التقنيات لو كانت متاحة آنذاك.
إن تطوير منصات الرقابة الرقمية، وأنظمة تسوية المعاملات المالية، وحلول الامتثال اللحظي لم يعد عملاً معقدًا أو مكلفًا كما كان في السابق. فبفضل تقنيات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وأطر التطوير السريع، يمكن بناء هذه الأنظمة داخل بنك السودان عبر كوادر وطنية مؤهلة، مع ضمان الالتزام الكامل بمعايير الأمن السيبراني وضوابط البنك المركزي. كما أن أدوات التطوير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تتيح إمكانية بناء تطبيقات مصرفية خلال دقائق، دون الحاجة إلى شركات خارجية أو ميزانيات ضخمة.
وعلى الرغم من أن عملية تسوية المعاملات المالية بين المصارف (المقاصة) ينبغي أن يشرف عليها حصريًا البنك المركزي باعتباره الجهة المنظمة لنظام الدفع الوطني، ما زال البنك المركزي يسند مهامه لشركات ناشئة لتنفيذ مهام تقنية أساسية، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على ضعف القدرة المؤسسية على بناء وتشغيل البنية الرقمية داخليًا. فهذه المهام تُعد من صميم مسؤوليات البنك المركزي، ولا ينبغي تفويضها لجهات خاصة، خصوصًا عندما تتوفر إمكانية توظيف فرق تقنية شابة قادرة على تطوير حلول مصرفية متقدمة باستخدام تقنيات مثل البلوكشين، والهياكل السحابية، وأنظمة التسوية المعتمدة على واجهات البرمجة، وأدوات التطوير الذكية.
هذا القصور الإداري والتقني هو الذي سمح بدخول جهات خاصة إلى قطاعات سيادية حساسة، كما حدث في حالة شركة العسجد التي تديرها السيدة عسجد يحيى الكاظم، والتي تحولت خلال فترة قصيرة إلى محور جدل واسع في السودان. فرغم ان بنك السودان رَخّص لها في مطلع عام 2026 كشركة تقنية سودانية خاصة تعمل في مجال الحلول الرقمية، فإنها دخلت المشهد بقوة بعد حصولها على رخصة تشغيل محوّل المعاملات المالية الوطني، وهو نظام مركزي يربط البنوك والمحافظ الإلكترونية وقنوات الدفع في شبكة واحدة. هذا المحوّل يُعد العمود الفقري للمعاملات المالية في البلاد، ما يجعل الجهة التي تديره تمتلك نفوذًا كبيرًا على حركة الأموال والبيانات المصرفية.
منح هذه الرخصة لشركة خاصة ناشئة غير معروفة سابقًا أثار موجة من التساؤلات، ليس فقط لأن هذا القطاع شديد الحساسية ويتطلب خبرات تقنية ومصرفية عميقة، بل لأنه أحد المهام السيادية للبنك المركزي الذي لديه تراكم خبرات مالية لأكثر من قرن وفق مراحل تطوره التي سردناها.
ان ظهور مسؤولين حكوميين وعسكريين في حفل التدشين لشرعنة هذا النشاط الفاسد أعطى انطباعًا بأن وراء الشركة نفوذًا عسكريًا سياسيًا كبيرًا، وربما تمت ممارسة ضغوط على المحافظة، لأنه لا يعقل أن تتخلى المحافظة عن مهام البنك المركزي في هذا الجانب بالكامل بدلًا من تصحح أخطاء الماضي التي أوردناها في مقال سابق.
رسمياً، تؤكد عسجد أنها شركة خاصة استوفت الشروط الفنية والأمنية للحصول على الرخصة، وأنها تمثل قطاعًا تقنيًا وطنيًا يسعى لتطوير البنية المالية. لكن مهنيًا وقانونيًا، هي تمارس نشاطًا سياديًا حكوميًا، وينظر إليها البعض كواجهة لجهات نافذة داخل الدولة، ويرى آخرون أنها جزء من إعادة ترتيب القطاع المالي في ظل الظروف الحالية. كما تتداول تسريبات أن مديرة ومالكة الشركة، علمنا أن السيدة عسجد يحيى الكاظم، هي زوجة رئيس نادي المريخ أبو جيبين، الذي سبق أن أثار جدلًا بدعواته لصدام حفتر والتي ربما كانت تغطية لمقابلة حميتي قبل الحرب بأيام ، ما زاد من الشبهات حول الشركة وطبيعة نفوذها.
في خضم هذا الجدل، يعيش السودان مفارقة مؤلمة: جنود يقاتلون دفاعًا عن الوطن ووحدته، بينما جهات أخرى تستغل انعدام الحوكمة والاعتماد على القوة لتحقيق مكاسب خاصة و السيطرة على مقدرات الدولة. هذا التناقض يعمّق إحساس الشارع بأن البلاد تحتاج إلى حسم سياسي وإداري يعيد الثقة إلى مؤسسات الدولة، ويضمن حماية القطاع المالي من النفوذ غير المهني.
نطالب بإبعاد العسكريين من التدخل في عمل بنك السودان كذلك محاسبة المسؤولين المتورطين في الفساد أو سوء الإدارة، ومراجعة قرارات بنك السودان المتعلقة بالبنية التحتية المالية، وتشكيل حكومة وطنية مستقلة ونزيهة، وتعزيز الشفافية في منح الرخص والمشاريع السيادية، وترك الحوكمة للقضاء بعيدًا عن النفوذ السياسي.
قضية العسجد ليست مجرد خلاف حول شركة تقنية، بل مرآة تعكس أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. هي قصة عن بلد يقاتل على جبهتين: جبهة السلاح دفاعًا عن الأرض، وجبهة الفساد دفاعًا عن المستقبل. وفي قلب هذه المعركة، يبقى إصلاح القطاع المصرفي والتحول الرقمي ضرورة لا تحتمل التأجيل، لضمان استقلالية القرار المالي وحماية سيادة الدولة في زمن تتداخل فيه التقنية مع السياسة والاقتصاد بشكل غير مسبوق.




