
السودان في مآقي الدبلوماسية والأدب: بين القصيبي والنعمة

د. مختار بلال عبد السلام
تقودنا القراءة النقدية والمقارنة الأدبية بين القامتين الدكتور غازي القصيبي والدكتور حسن النعمة إلى فضاء رحيب من فضاءات الشعر العربي المعاصر. فضاء تتجلى فيه خصوصية كل منهما ومكانته المتميزة، رغم أنهما يمثلان مدرستين متباينتين من حيث خصوصية الأسلوب، والذائقة واللونية، وطبيعة المشروع الأدبي الذي نذر كل منهما قلمه ووجدانه لخدمته.
يقف الدكتور حسن بن علي بن حسين النعمة كواحد من أبرز القامات الثقافية والأدبية المرموقة في دولة قطر والعالم العربي المعاصر. ولد هذا الأديب الفذ في العاصمة القطرية الدوحة، وفي زهرة المدائن العربية نمت موهبته وتشكّل وعيه الأدبي الأول. يمثل النعمة امتدادًا حقيقيًا لروح الأصالة، فقد صقل موهبته بتعليم أكاديمي رصين، نال من خلاله شهادته الجامعية في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأمريكية في بيروت بمرتبة الشرف، قبل أن يتوج مسيرته العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة كامبريدج البريطانية العريقة.
بدأ النعمة حياته المهنية في حقل التعليم، واهبًا خبرته للأجيال الصاعدة كوكيل لمدرسة الدوحة الثانوية، لينتقل بعدها إلى السلك الدبلوماسي. هناك، مثّل دولة قطر في محافل دولية بالغة الأهمية. وكان المندوب الدائم لبلاده لدى منظمة الأمم المتحدة، وسفيرًا فوق العادة في عواصم كبرى ودول ذات ثقل حضاري شملت الهند، وتركيا، والبرازيل، والأرجنتين، وكوبا. وهو يستند اليوم إلى هذا التاريخ الحافل من موقعه كمستشار ثقافي بالديوان الأميري لسمو أمير دولة قطر (أطال الله عمره وحفظه ذخرًا للأمة العربية والاسلامية).
تميز النعمة أدبيًا بجزالة لغوية بائنة، وتمسك صارم بعمود الشعر العربي، حتى عُد بحق ابنًا شرعيًا للمدرسة الكلاسيكية الصارمة، وصاحب بيان لغوي شديد الفخامة والوقار.
على الضفة الأخرى من هذا النهر الإبداعي، يقف الأديب الراحل المقيم الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي، تلك الشخصية الاستثنائية التي تركت بصمة لا تُمحى في الإدارة والأدب العربي المعاصر. تنقل القصيبي في تعليمه بين مدارس المنامة بالبحرين، وجامعة القاهرة التي نال منها بكالوريوس القانون، ثم جامعة جنوب كاليفورنيا التي حصل منها على الماجستير في العلاقات الدولية، وصولاً إلى جامعة لندن التي نال فيها درجة الدكتوراه.
لم يكن القصيبي مجرد سفير وشاعر، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع تمازجت في حياته المسؤولية الوزارية بالإبداع والتميز. تولى القصيبي عمادة كلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، وشغل حقائب وزارية سيادية مهمة في المملكة العربية السعودية كالصناعة والكهرباء، والصحة، والمياه، والعمل. وفي السلك الدبلوماسي، خدم بلاده سفيرًا في البحرين ثم سفيرًا للمملكة في بريطانيا.
تميز القصيبي بغزارة إنتاجية مذهلة تجاوزت العشرات من الكتب، تراوحت بين الدواوين الشعرية، والروايات الأدبية، والدراسات النقدية والإدارية. هذا الإنتاج الطاغي وهبه حضورًا دائما في معارض الكتب والصحافة العربية، وجعل من اسمه رقمًا راسخًا في وجدان القارئ العربي من المحيط إلى الخليج.
يتضح التباين الفني بين القامتين عند النظر في طبيعة مشروعيهما الأدبي؛ فالقصيبي لم يكن شاعرًا كلاسيكيًا جامدًا، بل كان يمزج بذكاء بين الأصالة والتجديد، متنقلاً بين شعر التفعيلة والعمودي، ومُعبرًا في قصائده عن الرومانسية، والسياسة، والوجدان الإنساني المشترك.
أما حسن النعمة، فيميل بمشروعه نحو الخطابة الرصينة والبلاغة التراثية العالية المستمدة من عيون الشعر العربي. تميزت قصائده بالسبك المحكم والإيقاع الموسيقي الخليلي الصافي. فشعر النعمة يمثل بامتياز نموذج «الشاعر العالِم» المتمكن من أدواته اللغوية والمتين في بنائه. ومن الغريب أن النعمة ظل لعقود طويل عازفًا عن النشر التجاري، دون السعي لتوثيقه في دواوين. وندين هنا بالشكر لمؤسسة الحي الثقافي «كتارا» التي بادرت بجمع إرثه وطباعته.
رغم اختلاف المشرب الشعري، جمعت الرجلين أواصر تقدير عميق متبادل، فكان النعمة يرى في القصيبي نموذجًا ملهَمًا للوزير والأديب الإداري، بينما كان القصيبي يُكبر في النعمة تبحره وثقافته الواسعة، لاسيما تعمقه المشهود في الثقافة الهندية. وقد جمعتهما شبكة أصدقاء مشتركة من كبار أدباء العالم العربي، وعلى رأسهم الروائي السوداني الفذ الطيب صالح، الذي كان صديقًا مقربًا ومحبًا لكلا الشاعرين، وخلّد ذكرهما في مقالاته.
من هنا نجد أن السودان، بإنسانه وثقافته ومبدعيه، شكل محورًا مشتركًا وجسرًا وجدانيًا التقت عليه هاتان القامتان. فقد زار القصيبي السودان في سياق مهامه الرسمية، وربطته علاقات أدبية متينة وصداقات عميقة مع أبرز مثقفي السودان، حيث كان يكنّ تقديرًا استثنائيًا للإنسان السوداني.
تجلت صورة هذه العلاقة في الصداقة اللندنية الوثيقة التي ربطت غازي القصيبي بالطيب صالح خلال عمل الأول سفيرًا للمملكة في بريطانيا. هناك، أسس القصيبي مركزًا ثقافيًا سعوديًا كان بمثابة صالون أدبي دوري، غدا فيه الطيب صالح أحد أبرز المحاضرين والضيوف الدائمين. وتشارك الاثنان هيامًا مشتركًا بشعر أبي الطيب المتنبي، حتى إن الطيب صالح ألقى بطلب خاص من القصيبي محاضرة شهيرة وثرية عن المتنبي في لندن.
ولم يكن الطيب صالح صديقًا فحسب، بل كان مدافعًا شرسًا عن الأصالة الإبداعية في المملكة العربية السعودية. ووقف بقوة في حواراته مدافعًا عن الرواية السعودية ومشيدًا بأعمال القصيبي الروائية، معارضا للأطروحات النقدية التي كانت تزعم أن اتجاه الكتاب السعوديين للرواية هو محاولة للمنافسة بالمال، مؤكدًا على الموهبة الفطرية والأصالة الإبداعية التي يمتلكها القصيبي.
أما علاقة الطيب صالح بالنعمة، فقد أثمرت واحدة من أجمل الشهادات الأدبية التي تبرز ملامح شخصية الأديب الدبلوماسي. وثّق الطيب صالح هذه الشهادة في مذكراته بمجلة «المجلة» اللندنية تحت عنوان «نحو أفق بعيد»، وتطرق إليها في سياق كتابه الأخير «منسي: إنسان نادر على طريقته»، الذي صدر قبل عام من وفاته.
وصف الطيب صالح الدكتور حسن النعمة بأنه إنسان «لا تجد مثله كثيرين»، مشيدًا بجمعه الفريد بين دكتوراه كامبريدج والحس الأدبي المرهف والوقار الدبلوماسي. وروى الطيب صالح موقفًا طريفًا يعكس عشق النعمة للهند التي قضى فيها نحو 15 عامًا، إذ ذكر أن النعمة كان كلما تسلّم قرارًا رسميًا من الخارجية القطرية بنقله إلى عاصمة أخرى، يُهرع فورًا إلى الدوحة ليلتقي بأمير البلاد، راجيًا ومتمنيًا إلغاء القرار وإبقاءه في الهند الذي تعلّق بها وبحضارتها. ويعلق الطيب صالح قائلًا إن من «حسنات دولة قطر» أنها كانت تستجيب لرغبته وتتركه في مأمنه الثقافي ذاك.
يروي الطيب صالح كيف أن السفير النعمة وهو وسط الأجواء الهندية والدبلوماسية، كان ينقلب فجأة لينشد الشعر السوداني الدارج «مثل شعر الحردلو» ويمازح الحضور بلكنة سودانية متميزة، مما أضفى على تلكم اللقاءات حميمية فريدة.[1]
على هذا النهج، لم تقتصر علاقة القصيبي بالسودان على النخب الأكاديمية، بل امتدت لتشمل صداقة طريفة وممتدة مع الكاتب والإعلامي السوداني الساخر جعفر عباس. تجلت هذه العلاقة في مكاتبات بريدية ومقالات متبادلة؛ فالقصيبي هو من دافع عن كتابات جعفر عباس وكان سببًا وراء تخصيص عموده الشهير « زاوية منفرجة» في مجلة «المجلة».
وقد وصلت هذه الصداقة ذروتها عندما كتب القصيبي قصيدتين ساخرتين بمناسبة عيد ميلاد جعفر عباس نُشرتا في الصحف، يمازحه فيها ويحرّض زوجته على «خلعه» قائلًا:
وإِذا ما رُمْتِ تسريحًا لهُ فأنا الشَّاهدُ ضدَّ المُفْتري
مما دفع جعفر عباس للاستنجاد بشعراء السودان للرد عليه عبر مقال طريف بعنوان «لا بد من التصدي بأهل مروي وشندي»، غير أن المفارقة الطريفة تجسدت في قول جعفر عباس لاحقًا بأن شعراء السودان لم ينصروه، بل انحازوا للقصيبي ضده.
هذا التقدير تكرر أيضًا في المساجلات الشعرية والمجاراة التي دارت بين القصيبي والشاعر السوداني الراحل حاج أحمد الطيب (الذي عمل بالهيئة الملكية بالجبيل)، حيث كانت بينهما مساجلات شعريًة ومجاراة للقصائد التي يلقيها القصيبي في المناسبات الجامعة.
أرى أنّ هذا الهيام بالسودان لم يكن ترفًا أدبيًا، بل عقيدة عملية وقد قام بتوثيقها غازي القصيبي في كتابه الشهير «حياة في الإدارة»، حيث أفرد مساحات للإشادة بالعديد من الكفاءات السودانية من قانونيين، ومستشارين، وممرضين وممن عملوا معه في وزارتي الصناعة والصحة بالمملكة العربية السعودية، واصفًا إياهم بالأمانة المطلقة والمهنية العالية.
ختامًا، يبرهن تاريخ السفيرين غازي القصيبي وحسن النعمة أن الدبلوماسية لا تجف متى ما سُقيت بماء الأدب، وأن السودان كان وسيظل في وجدان المبدعين العرب محطة للوفاء، ومنبعًا للمثاقفة، ومجلسًا لا يغيب عنه الدفء والأصالة. ولا نامت أعين الجبناء.
[1] الحردلو هو لقب للشاعر الشعبي المخضرم محمد أحمد عوض الكريم أبو سن، الذي ولد في منطقة البطانة وسط السودان عام 1830 ويُعد من أشهر شعراء الدوبيت والشعر البدوي في تاريخ السودان. تميز بوصف الطبيعة، الصيد، وحياة البادية في شرق ووسط السودان.




