ثقافة وفن

الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو

(“الشرقيات – “Les Orientales “لفكتور هوجو “1802- 1885”)

معجب بن سعيد الزهراني

مقـدمة:

يحاول هذا البحث تحديد وتحليل أهم تمثيلات الشرق، فضاءات وبشرًا وثقافة وحضارة في ديوان “الشرقيات” الذي خصصه ف. هوجو لهذا الموضوع كما يتضح من عنوانه .(1)

التساؤلات الأساسية التي نطرحها ونحاول تعميق النظر فيها ومن ثم الإجابة عنها هي:

أولاً: لماذا كرّس شاعر فرنسا الأهم في عصره مجموعة شعرية كاملة لهذا الموضوع وهو لم يزر الشرق ولم يعد إلى الكتابة عنه في أي من أعماله الشعرية والقصصية والمسرحية التي تلت مجموعته هذه؟

ثانيًا: ما الدلالات المركزية التي يمكن استنباطها من هذه النصوص الشعرية التي يمكن أن تصنف ضمن ما يسميه إدوارد سعيد “الاستشراق المتخيل” ويمكن إدراجها أيضًا وفي الوقت نفسه ضمن دائرة “الخطاب الرومانسي” الأوسع والأشمل”؟

ثالثًا: ما مدى مشروعية القراءة النقدية التي تحاور تلك النصوص القديمة نسبيًا من منظور يساعد على تلقيها باعتبارها علامة تحول عميق طرأ على النماذج الفكرية والجمالية السائدة في مطلع القرن التاسع عشر في فرنسا وعموم أوروبا ويبدو أن “الثقافات الشرقية” لعبت دورًا حاسمًا في حدوثه؟

نطرح هذه التساؤلات في البدء لأننا نريد إثارة بعض القضايا النظرية والمنهاجية التي تنطلق من حقل الدراسات المقارنة الحديثة لكنها لا تنغلق في هذا الإطار فحسب. فالدراسات النقدية من هذا النمط لابد أن تهتم بمختلف أشكال التفاعل الخلاق بين اللغات والثقافات والفنون الإبداعية إذ أن هذا هو سبب وجودها ومجال بحثها كحقل متميز من حقول الدراسات الإنسانية الجديدة نسبيًا. والتركيز على المظاهر والأبعاد الإيجابية في علاقات التفاعل هنا مرده إلى أن الأشكال الجمالية والتيارات الأدبية والنظريات النقدية والفكرية لا يمكن أن تتبلور وتتطور إلا ضمن سياق التواصل والتأثير المتبادل فيما بين الثقافات البشرية. ومع أن اختلال علاقات القوة بين الدول والمجتمعات يجعل بعض الثقافات تحاول الهيمنة على غيرها في لحظة ما من التاريخ إلا أن البعد السلبي لا يقارن بتلك الأبعاد الإيجابية إلا حينما تقرأ الظواهر والإنجازات الجمالية والفكرية من منظورات إيديولوجية ضيقة المنطلقات محدودة الأفق والغايات. من هذا المنظور العام نحاول إيضاح الإطار الفكري الخاص للإشكالية التي تؤسس لفرضية البحث الذي بين أيدينا.

2- مدخـل نظـري:

منذ أن أصدر إ. سعيد كتابه الشهير عن “الاستشراق” (2) أصبح هناك ما يشبه المزاج العام الذي يدفع الباحثين العرب إلى تجاهل الآثار الإيجابية لعلاقات التفاعل المشار إليها آنفًا بمجرد أن يصنف متن أدبي أو معرفي ما ضمن “الخطاب الاستشراقي” وكأن عملية التصنيف تنطوي في ذاتها على حكم سلبي مسبق على النص لم يعد أمام القراءة سوى تسويغه ودعمه بالشواهد والأمثلة!. فهذا الخطاب عادةً ما يوصف في مجمله بأنه ظل يستعيد ويكرس عن الآخر العربي المسلم تمثيلات نمطية مكرورة ومبسترة تتصل بالخطاب – ومرجعياته وشروط إنتاجه وتلقيه أكثر من اتصالها بواقع تاريخي – ثقافي محدد لابد أنه متنوع وغني ومتحول بحيث يتعذر اختزاله. كذلك غالبًا ما يتم التركيز على أن الخطاب ذاته لا يمكن أن يخلو من آثار “المركزية الغربية” التي عادة ما تجعل الآخر المختلف، أيًا كان، يبدو هامشيًا، و”شاذًا” بمعنى ما، سواء تمت معاينته من منظور الإعجاب به والانجذاب إليه أو من منظور النفور منه والعداء له. أما القول بأن الخطاب الاستشراقي يمثل في مجمله سلطة ثقافية كثيرًا ما تداخلت مع غيرها من السلطات لتبرير أشكال الهيمنة الغربية على هذه الفضاءات فهو من قبيل تحصيل الحاصل في مقام كهذا المقام. هذه الأطروحات التي ألح عليها إ. سعيد، ومعه باحثون من قبله ومن بعده مثل عبد الكبير الخطيبي وأنور عبد الملك وحسن حنفي وحمدي زقزوق، تمثيلاً لا حصرًا، مبررة ومشروعة تمامًا، وربما نجد في الكتابات الفكرية والنقدية الغربية بهذا الصدد ما قد يكون أكثر منها عمقًا وشمولية (3) لكن الأطروحات ذاتها ما إن تتحول إلى حقائق صلبة، ثابتة ومطلقة، حتى تصبح عوامل توجه القراءات في مسار واحد فتعيق عملية البحث والإنجاز فيما يفترض أن توسع الأفق وتولد المزيد من الأطروحات. بصيغة أكثر وضوحًا نقول إنه عوضًا عن البناء على جهود هؤلاء الباحثين وغيرهم لمحاولة إثرائها وتطويرها وتجاوزها، أصبح الخطاب الثقافي العربي السائد في العقدين الأخيرين يراوح مكانه عندها إذ يستعيدها بطريقة تكرارية مملة وعقيمة في الوقت نفسه. فالمؤكد أن تلك الجهود تسمى ظواهر محددة في “الخطابات” الاستشراقية، ولا يمكن في اعتقادنا أن يخلو منها أي خطاب ثقافي حول الآخر المختلف في أي مجتمع أو عصر (4) لكن نقلها من مجال البحث المعرفي إلى مجال السجالات الأيديولوجية هو بداية الخلل الذي لابد أن تنعكس نتائجه سلبيًا على البحث والباحث، ذلك لأن المواقف المسبقة والأحكام التعميمية الجاهزة تهيمن على القراءة وتحد من قدرة الباحث على التحليل النقدي المعمق للنصوص والمنظومات الفكرية كممارسة معرفية جادة هي وحدها ما يفترض أن يميز العمل في هذا المجال. نعم، لا شك أن مبررات النزعة السجالية الأيدلوجية هذه كثيرة جدًا في سياق علاقات توتر تغذيها الأخبار والصور التي تغرقنا بها وسائل الاتصال الحديثة يوميًا، “هنا” و”هناك”. لكن نزعة كهذه لا تعود مبررة أو مجدية في سياق البحث المعرفي الذي لابد أن يكون اجتهادًا متصلاً في سبيل تجاوز المعارف والأفكار والنظريات السائدة وإلا فقد الجهد معناه وقيمته. من هنا ينبغي، في اعتقادنا، التمييز الصارم بين أشكال مختلفة من “الخطابات الاستشراقية” التي ينطوي كل منها على خصائص متفردة ويعبر عن إشكاليات محددة تتطلب مقاربات تتناسب مع خصوصية النصوص البنائية والوظيفية من جهة ومع الأهداف التي يحددها الباحث لبحثه وبحسب مجال تخصصه من جهة أخرى. ونلح على هذا التمييز لأنه ضرورة منهجية للقراءة النقدية التي تحاور النصوص والأعمال المفردة التي عادة ما تنطوي على خصائص ذاتية تميزها عن غيرها، وهذه الخصائص هي التي تُهمش أو تهمل عندما يتجه الناقد إلى مظاهر التشاكل العمومية فيما بين الكتابات والكتاب (5)

لقد كشفت لنا قراءتنا المتأنية لديوان “الشرقيات” عن وجوه من التأثيرات الإيجابية الخلاقة للثقافة العربية الإسلامية على ف. هوجو نزعم أنها من أسباب تميز هذه المجموعة الشعرية تحديدًا. ومما يعزز أهمية الدراسة التحليلية المعمقة لهذه التأثيرات أن أحدًا من النقاد لم يعطها ما تستحقه من البحث رغم كثرة ما كتب عن الشاعر وبالأخص في اللغة الفرنسية (6) وفوق ذلك لاحظنا أن الباحثين الفرنسيين الذين أنجزوا دراسات متميزة عن هذا الكاتب الكبير يميلون إلى التعامل مع تلك التأثيرات كما لو أنها ظواهر عابرة أو ثانوية فيما نزعم أنها من بين أقوى العوامل التي شكلت وعيه الذهني وخياله الإبداعي وحددت بالتالي الأفق الجمالي لكتاباته الإبداعية في مرحلة حاسمة من حياته، وهنا تحديدًا تكمن الفرضية المركزية للبحث الراهن كما سنوضحه بإيجاز في الفقرات التالية.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق