ثقافة وفن

ملحمة الطغيان والخلاص الصوفي في ثنائية «بندر شاه» للطيب صالح

مختار‭ ‬بلال‭ ‬عبد‭ ‬السلام

تُعتبر‭ ‬رواية‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬بجزءيها‭: ‬‮«‬ضو‭ ‬البيت‮»‬‭ ‬و»مريود‮»‬‭ ‬من‭ ‬أعمق‭ ‬وأعقد‭ ‬أعمال‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬الروائية،‭ ‬حيث‭ ‬يمتزج‭ ‬فيها‭ ‬الواقع‭ ‬بالأسطورة‭ ‬لتقديم‭ ‬لوحة‭ ‬سريالية‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬السوداني‭ ‬وتحولاته‭.‬

تركز‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬ضو‭ ‬البيت‮»‬‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬غامضة‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬‮«‬ود‭ ‬حامد‮»‬‭. ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الغريب‭ ‬فاقداً‭ ‬للذاكرة،‭ ‬لكنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رمزٍ‭ ‬للتغيير‭ ‬والبركة‭. ‬وتستعرض‭ ‬الرواية‭ ‬زواجه،‭ ‬وإنجابه‭ ‬لابنه‭ ‬‮«‬بندر‭ ‬شاه‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬حياته‭ ‬بغرق‭ ‬غامض‭ ‬في‭ ‬النهر،‭ ‬مجسداً‭ ‬الصراع‭ ‬الأزلي‭ ‬بين‭ ‬الموروث‭ ‬والحديث‭. ‬تعكس‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أسطوري‭ ‬صوفي‭ ‬تحولات‭ ‬المجتمع‭ ‬السوداني‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الجذور‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ريفي‭ ‬رمزي‭.‬

لقد‭ ‬جاء‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬شاطئ‭ ‬القرية‭ ‬بلا‭ ‬ماضٍ،‭ ‬ولا‭ ‬خطايا،‭ ‬ولا‭ ‬أطماع؛‭ ‬هذا‭ ‬الفقدان‭ ‬للذاكرة‭ ‬جعله‭ ‬يبدو‭ ‬كصفحة‭ ‬بيضاء‭ ‬ناصعة،‭ ‬وكأنه‭ ‬خُلق‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬طمي‭ ‬النيل‭. ‬كان‭ ‬يفيض‭ ‬بروح‭ ‬طفل‭ ‬وجسد‭ ‬رجل،‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الحقد‭ ‬ولا‭ ‬المكر،‭ ‬ولا‭ ‬يطمع‭ ‬في‭ ‬مال‭ ‬أو‭ ‬جاه،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬أهل‭ ‬القرية‭ ‬يلمسون‭ ‬فيه‭ ‬طهارة‭ ‬الأنبياء‭ ‬والأولياء‭. ‬وارتبط‭ ‬وجوده‭ ‬بحلول‭ ‬البركة‭ ‬والنماء،‭ ‬فاخضرت‭ ‬الأرض،‭ ‬وزاد‭ ‬المحصول،‭ ‬وعمّ‭ ‬الرخاء‭ ‬المادي‭ ‬والروحي‭ ‬أرجاء‭ ‬القرية‭. ‬وكان‭ ‬صلاحه‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬المحيطين‭ ‬به،‭ ‬فبمجرد‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬المجالس،‭ ‬يبعث‭ ‬السكينة‭ ‬في‭ ‬النفوس،‭ ‬وتذوب‭ ‬الخلافات‭ ‬بفضل‭ ‬طاقته‭ ‬الروحية‭ ‬الهادئة‭. ‬عاش‭ ‬زاهداً‭ ‬متعففاً‭ ‬في‭ ‬الدنيا،‭ ‬خادماً‭ ‬للجميع‭ ‬ومحباً‭ ‬لهم‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭. ‬وكما‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬النهر،‭ ‬اختفى‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬بغرق‭ ‬غامض‭ ‬ومفاجئ،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬فيه‭ ‬حفيده‭ ‬‮«‬مريود‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬مريود‮»‬،‭ ‬تستكمل‭ ‬القصة‭ ‬عبر‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ (‬ابن‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭) ‬ووالد‭ ‬مريود‭. ‬تبدأ‭ ‬الرواية‭ ‬بعودة‭ ‬الراوي‭ ‬‮«‬محيميد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬قريته‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الاغتراب،‭ ‬ليلتقي‭ ‬بصديق‭ ‬طفولته‭ ‬الطاهر‭ ‬ود‭ ‬الرواس،‭ ‬وتبدأ‭ ‬الأحداث‭ ‬بالتدفق‭ ‬عبر‭ ‬استعادة‭ ‬ذكريات‭ ‬الماضي‭ ‬وتأمل‭ ‬تحولات‭ ‬القرية‭.‬‭ ‬وتدور‭ ‬الحبكة‭ ‬الأساسية‭ ‬حول‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬العفوي‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬مريود‭ ‬ومريومة،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬الجانب‭ ‬النقي‭ ‬والروحاني‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قسوة‭ ‬الجد‭ ‬التاريخية‭.‬

تتعمق‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬تراتبية‭ ‬السلطة‭ ‬داخل‭ ‬العائلة‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬الجد،‭ ‬وعيسى‭ ‬الأب،‭ ‬ومريود‭ ‬الحفيد‭. ‬يمثل‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬النظام‭ ‬الطبقي‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬القديم‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالسيطرة‭ ‬السياسية‭ ‬بل‭ ‬يملك‭ ‬الأرض‭ ‬والعبيد،‭ ‬ويتحكم‭ ‬في‭ ‬مصائر‭ ‬المزارعين‭. ‬ويبلغ‭ ‬طغيانه‭ ‬ذروته‭ ‬عندما‭ ‬يُخضع‭ ‬أبناءه‭ ‬لعقوبات‭ ‬بدنية‭ ‬مذلة،‭ ‬آمراً‭ ‬حفيده‭ ‬المفضل‭ ‬مريود‭ ‬بجلد‭ ‬ظهورهم‭ ‬بالسوط‭ ‬حتى‭ ‬تسيل‭ ‬دماؤهم،‭ ‬بينما‭ ‬يجلس‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬عرشه‭ ‬يراقب‭ ‬بمرح‭. ‬وتتجاوز‭ ‬سلطته‭ ‬الجانب‭ ‬المادي‭ ‬إلى‭ ‬تهميش‭ ‬أبنائه‭ ‬معنوياً،‭ ‬ليجعل‭ ‬منهم‭ ‬كائنات‭ ‬باهتة‭ ‬ومستسلمة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬مشيئة،‭ ‬ومنهم‭ ‬عيسى‭ ‬والد‭ ‬مريود‭.‬

أما‭ ‬عيسى،‭ ‬فرغم‭ ‬معاناته‭ ‬من‭ ‬التهميش،‭ ‬فإنه‭ ‬يمثل‭ ‬ميزان‭ ‬العدل‭ ‬والزهد‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يعيش‭ ‬مريود‭ ‬صراع‭ ‬هوية‭ ‬حاد،‭ ‬إذ‭ ‬يعاني‭ ‬تمزقاً‭ ‬وجودياً‭ ‬بين‭ ‬جينات‭ ‬جده‭ ‬الأكبر‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭ ‬التي‭ ‬تدعوه‭ ‬للمحبة‭ ‬والفناء‭ ‬الصوفي،‭ ‬وبين‭ ‬سطوة‭ ‬جده‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬الذي‭ ‬يدعوه‭ ‬للسيطرة‭ ‬وحب‭ ‬التملك‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬يطغى‭ ‬جانب‭ ‬الطاغية‭. ‬فيتحول‭ ‬الحليم‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬القسوة،‭ ‬ويتحول‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬للمخلص‭ ‬إلى‭ ‬حارس‭ ‬لمعبد‭ ‬الاستبداد‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬يطرح‭ ‬المؤلف‭ ‬فكرة‭ ‬سوداوية‭ ‬حول‭ ‬حتمية‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مبيناً‭ ‬كيف‭ ‬تقع‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الأنظمة‭ ‬القديمة‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬عيسى‭ ‬كحلقة‭ ‬وصل‭ ‬مفقودة‭ ,‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الجيل‭ ‬المهزوم‭ ‬والواقع‭  ‬المعاش،‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬الجد‭ ‬الأكبر‭ ‬وسندان‭ ‬الجد‭ ‬المباشر‭. ‬إن‭ ‬رؤية‭ ‬مريود‭ ‬لوالده‭ ‬عيسى‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬بلا‭ ‬طموح‭ ‬أو‭ ‬تأثير،‭ ‬شكلت‭ ‬لديه‭ ‬دافعاً‭ ‬قوياً‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬والتمرد‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يسلك‭ ‬طريق‭ ‬الخنوع‭ ‬كأبيه،‭ ‬اختار‭ ‬مريود‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬عن‭ ‬خلاصه‭ ‬وهويته‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المحبة‭ ‬التي‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بمريومة‭.‬‭ ‬وهو‭ ‬المسار‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬طهر‭ ‬جده‭ ‬الأكبر‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬قسوة‭ ‬الواقع‭.‬

تُمثّل‭ ‬مريومة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬القوة‭ ‬الروحية‭ ‬والوجدانية‭ ‬الكبرى‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حبيبة‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬رمز‭ ‬للخلاص،‭ ‬والتطهر،‭ ‬والبديل‭ ‬الإنساني‭ ‬لسلطة‭ ‬الجد‭ ‬الطاغية‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬حبه‭ ‬لها،‭ ‬أدرك‭ ‬مريود‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬السلاح‭ ‬والمال،‭ ‬وهي‭ ‬قوة‭ ‬الوجدان‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬سلاماً‭ ‬داخلياً‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬السلطة،‭ ‬وبذلك‭ ‬فتحت‭ ‬له‭ ‬محبوبته‭ ‬مريومة‭ ‬باباً‭ ‬لعالم‭ ‬مغاير‭ ‬ومختلف‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬العشق‭ ‬والمحبة‭ ‬الفطرية‭ ‬البسيطة‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بلا‭ ‬ثمن‭. ‬تشيء‭ ‬الأقدار‭ ‬أن‭ ‬تلقى‭ ‬مريومة‭ ‬حتفها‭ ‬بصورة‭ ‬مأساوية‭. ‬ويواجه‭ ‬مريود‭ ‬صدمة‭ ‬فقد‭ ‬محبوبته‭ ‬مريومة‭ ‬التي‭ ‬لقت‭ ‬حتفها‭ ‬غرقاً‭ ‬في‭ ‬النهر‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬والساعة‭ ‬التي‭ ‬مات‭ ‬فيها‭ ‬الجد،‭ ‬فيولد‭ ‬فيه‭ ‬انكسارا‭ ‬يحرره‭ ‬نهائياً‭ ‬من‭ ‬بريق‭ ‬الدنيا،‭ ‬فيختار‭ ‬طريق‭ ‬العزلة‭ ‬والزهد،‭ ‬مندمجاً‭ ‬مع‭ ‬طين‭ ‬القرية‭ ‬وبساطتها‭ ‬ليعود‭ ‬إلى‭ ‬الفطرة‭ ‬الأولى‭ ‬لجده‭ ‬الأكبر‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭.‬

هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬بوتقة‭ ‬لتطهير‭ ‬مريود‭ ‬من‭ ‬أدران‭ ‬السلطة‭ ‬والغرور‭ ‬التي‭ ‬زرعها‭ ‬فيه‭ ‬جده‭. ‬إن‭ ‬الخسارة‭ ‬والانكسار‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬جعلاه‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬آلام‭ ‬أهل‭ ‬القرية‭ ‬البسطاء،‭ ‬فتحول‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬طاغية‭ ‬مستقبلي‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬متعاطف‭ ‬ونبيل‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬مريومة‭ ‬بمثابة‭ ‬طوق‭ ‬النجاة‭ ‬الحقيقي‭. ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬الجد‭ ‬يحاول‭ ‬صياغة‭ ‬مريود‭ ‬ليكون‭ ‬وريثاً‭ ‬لعرشه‭ ‬القاسي،‭ ‬كانت‭ ‬مريومة‭ ‬تصيغه‭ ‬ليكون‭ ‬إنساناً‭ ‬حراً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬العطاء‭ ‬والمحبة‭.‬

وهنا‭ ‬تلتقي‭ ‬شخصية‭ ‬مريومة‭ ‬في‭ ‬طهرها‭ ‬وعفويتها‭ ‬مع‭ ‬الصفات‭ ‬الأسطورية‭ ‬الزاهدة‭ ‬للجد‭ ‬الأكبر‭. ‬وبمحبة‭ ‬مريومة،‭ ‬استطاع‭ ‬مريود‭ ‬أن‭ ‬يقفز‭ ‬فوق‭ ‬إرث‭ ‬جده‭ ‬المباشر‭ ‬المستبد،‭ ‬ليعيد‭ ‬الاتصال‭ ‬بالجذور‭ ‬الأولى‭ ‬الطاهرة‭ ‬لعائلته‭. ‬لقد‭ ‬أعادت‭ ‬مريومة‭ ‬لمريود‭ ‬فطرته‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬سلطة‭ ‬جده‭ ‬وطموحاته‭ ‬أن‭ ‬تشوهها‭. ‬وكان‭ ‬عشق‭ ‬مريومة‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬مريود‭ ‬الخاص‭ ‬والوحيد‭. ‬خيارٌ‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬أعماقه‭ ‬وليس‭ ‬مفروضاً‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬جده‭ ‬أو‭ ‬مجتمعه‭. ‬هذا‭ ‬العشق‭ ‬منحه‭ ‬الشجاعة‭ ‬النفسية‭ ‬ليرفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نسخة‭ ‬مكررة‭ ‬من‭ ‬بندر‭ ‬شاه،‭ ‬وبدأ‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬ككيان‭ ‬مستقل‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬الحب‭ ‬والاختيار‭.‬

وتتفرع‭ ‬من‭ ‬الخط‭ ‬الرئيسي‭ ‬حكايات‭ ‬حب‭ ‬وصداقة‭ ‬موازية‭ ‬تعمق‭ ‬الفكرة،‭ ‬مثل‭ ‬صداقة‭ ‬الطاهر‭ ‬ود‭ ‬الرواس‭ ‬ومحجوب،‭ ‬وعلاقة‭ ‬المحبّة‭ ‬الروحية‭ ‬بين‭ ‬الشيخ‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬ود‭ ‬حبيب‭ ‬وحواريه‭ ‬بلال‭ ‬والد‭ ‬الطاهر‭. ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للرواية‭ ‬التي‭ ‬يلخصها‭ ‬الناقد‭ ‬الكبير‭ ‬رجاء‭ ‬النقاش‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬قصيدة‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬سلطان‭ ‬العشق‭ ‬والمحبة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يؤكد‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬أبطاله‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬بدون‭ ‬الصداقة‭ ‬والمحبة‭.[‬1‭] ‬وتنتهي‭ ‬تداعيات‭ ‬الذاكرة‭ ‬برؤية‭ ‬فلسفية‭ ‬صوفية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المحبة‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬الحضارة‭. ‬ومع‭ ‬موت‭ ‬الجد‭ ‬بندر‭ ‬شاه‭ ‬وتلاشي‭ ‬سطوته،‭ ‬ينهار‭ ‬الصرح‭ ‬المالي‭ ‬والسياسي‭ ‬للعائلة‭ ‬وكأنه‭ ‬زوبعة‭ ‬مؤقتة‭.‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬الأثير،‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬النيل‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬بل‭ ‬يتجسد‭ ‬ككائن‭ ‬حي‭ ‬ذي‭ ‬مشيئة‭ ‬قدَرية،‭ ‬يرمز‭ ‬للحياة‭ ‬والموت‭ ‬والبعث‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬فمن‭ ‬ظهوره‭ ‬الغامض‭ ‬وُلدت‭ ‬الحكاية‭ ‬بظهور‭ ‬ضو‭ ‬البيت‭ ‬مطهّرا‭ ‬من‭ ‬الدنس،‭ ‬ومثّل‭ ‬غرق‭ ‬محبوبته‭ ‬مريومة‭ ‬سقوط‭ ‬الطاغية‭ ‬في‭ ‬نفسه‭. ‬وكأن‭ ‬النهر‭ ‬يمارس‭ ‬دوراً‭ ‬تطهيرياً‭ ‬يغسل‭ ‬القرية‭ ‬من‭ ‬أدران‭ ‬السلطة‭ ‬والبطش‭ ‬ويعيدها‭ ‬إلى‭ ‬طين‭ ‬الفطرة‭ ‬الأولى‭. ‬تنتهي‭ ‬الملحمة‭ ‬ببناء‭ ‬دائري‭ ‬أسطوري‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الحيوات،‭ ‬لتؤكد‭ ‬تفاصيلها‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬ود‭ ‬حامد،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬غاليا‭ ‬من‭ ‬جراحه‭ ‬وخساراته‭ ‬ليصنع‭ ‬قصة‭ ‬بعثه‭ ‬الجديدة‭. ‬ومع‭ ‬زوال‭ ‬صرح‭ ‬بندر‭ ‬شاه،‭ ‬تعود‭ ‬القرية‭ ‬إلى‭ ‬سكينتها‭ ‬القديمة‭ ‬باقية‭ ‬وثابتة‭ ‬كجريان‭ ‬النهر‭ ‬الأبدي،‭ ‬مخلدةً‭ ‬الحقيقة‭ ‬الوجودية‭ ‬الكبرى‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الطغاة‭ ‬عابرون‭ ‬ومصيرهم‭ ‬التلاشي‭ ‬والنسيان،‭ ‬بينما‭ ‬الشعوب‭ ‬والمحبة‭ ‬هما‭ ‬الخلود‭ ‬الإنساني‭ ‬الباقي‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬يثبت‭ ‬لنا‭ ‬مجدداً‭ ‬أن‭ ‬أدب‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬حكايات‭ ‬محليّة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نبوءة‭ ‬وقراءة‭ ‬عميقة‭ ‬للوجدان‭ ‬السوداني‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يدفع‭ ‬أثماناً‭ ‬باهظة‭ ‬من‭ ‬جراحه‭ ‬وخساراته‭ ‬ليصنع‭ ‬بعثه‭ ‬الجديد‭. ‬فهل‭ ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬السوداني‭ ‬مع‭ ‬مآسينا‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬حرب‭ ‬المليشيا‭ ‬الأخيرة؟‭ ‬سؤال‭ ‬مطروح‭ ‬للتأمل‭.‬

‭[‬1‭] ‬‮«‬مريود‭ ‬خواطر‭ ‬حول‭ ‬قصيدة‭ ‬في‭ ‬العشق‭ ‬والمحبة‮»‬،‭ ‬مجلة‭ ‬الدوحة‭ ‬القطرية‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الصادر‭ ‬لشهر‭ ‬أبريل‭ ‬عام‭ ‬1978م‭ (‬الصفحات‭ ‬72‭-‬85‭)‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق