
ملحمة الطغيان والخلاص الصوفي في ثنائية «بندر شاه» للطيب صالح
مختار بلال عبد السلام
تُعتبر رواية بندر شاه بجزءيها: «ضو البيت» و»مريود» من أعمق وأعقد أعمال الطيب صالح الروائية، حيث يمتزج فيها الواقع بالأسطورة لتقديم لوحة سريالية عن المجتمع السوداني وتحولاته.
تركز رواية «ضو البيت» على شخصية غامضة تظهر في قرية «ود حامد». جاء هذا الغريب فاقداً للذاكرة، لكنه سرعان ما تحول إلى رمزٍ للتغيير والبركة. وتستعرض الرواية زواجه، وإنجابه لابنه «بندر شاه»، قبل أن تنتهي حياته بغرق غامض في النهر، مجسداً الصراع الأزلي بين الموروث والحديث. تعكس الرواية في سياق أسطوري صوفي تحولات المجتمع السوداني والبحث عن الجذور في إطار ريفي رمزي.
لقد جاء ضو البيت إلى شاطئ القرية بلا ماضٍ، ولا خطايا، ولا أطماع؛ هذا الفقدان للذاكرة جعله يبدو كصفحة بيضاء ناصعة، وكأنه خُلق من جديد من طمي النيل. كان يفيض بروح طفل وجسد رجل، لا يعرف الحقد ولا المكر، ولا يطمع في مال أو جاه، مما جعل أهل القرية يلمسون فيه طهارة الأنبياء والأولياء. وارتبط وجوده بحلول البركة والنماء، فاخضرت الأرض، وزاد المحصول، وعمّ الرخاء المادي والروحي أرجاء القرية. وكان صلاحه ينعكس على المحيطين به، فبمجرد حضوره في المجالس، يبعث السكينة في النفوس، وتذوب الخلافات بفضل طاقته الروحية الهادئة. عاش زاهداً متعففاً في الدنيا، خادماً للجميع ومحباً لهم دون مقابل. وكما جاء من النهر، اختفى في أعماقه بغرق غامض ومفاجئ، في نفس اليوم الذي ولد فيه حفيده «مريود».
وفي رواية «مريود»، تستكمل القصة عبر بندر شاه (ابن ضو البيت) ووالد مريود. تبدأ الرواية بعودة الراوي «محيميد» إلى قريته بعد غياب طويل في بلاد الاغتراب، ليلتقي بصديق طفولته الطاهر ود الرواس، وتبدأ الأحداث بالتدفق عبر استعادة ذكريات الماضي وتأمل تحولات القرية. وتدور الحبكة الأساسية حول قصة الحب العفوي التي جمعت بين مريود ومريومة، والتي تمثل الجانب النقي والروحاني في مواجهة قسوة الجد التاريخية.
تتعمق الأحداث في تحليل تراتبية السلطة داخل العائلة عبر ثلاثة أجيال بندر شاه الجد، وعيسى الأب، ومريود الحفيد. يمثل بندر شاه النظام الطبقي التقليدي في السودان القديم. فهو لا يكتفي بالسيطرة السياسية بل يملك الأرض والعبيد، ويتحكم في مصائر المزارعين. ويبلغ طغيانه ذروته عندما يُخضع أبناءه لعقوبات بدنية مذلة، آمراً حفيده المفضل مريود بجلد ظهورهم بالسوط حتى تسيل دماؤهم، بينما يجلس هو على عرشه يراقب بمرح. وتتجاوز سلطته الجانب المادي إلى تهميش أبنائه معنوياً، ليجعل منهم كائنات باهتة ومستسلمة لا تملك مشيئة، ومنهم عيسى والد مريود.
أما عيسى، فرغم معاناته من التهميش، فإنه يمثل ميزان العدل والزهد. وفي المقابل، يعيش مريود صراع هوية حاد، إذ يعاني تمزقاً وجودياً بين جينات جده الأكبر ضو البيت التي تدعوه للمحبة والفناء الصوفي، وبين سطوة جده بندر شاه الذي يدعوه للسيطرة وحب التملك. وفي نهاية المطاف، يطغى جانب الطاغية. فيتحول الحليم بمرور الوقت إلى أداة لإعادة إنتاج القسوة، ويتحول من ابن للمخلص إلى حارس لمعبد الاستبداد. ومن خلال هذا التحول، يطرح المؤلف فكرة سوداوية حول حتمية التاريخ في المجتمعات الإنسانية، مبيناً كيف تقع الأجيال الجديدة في فخ إعادة إنتاج الأنظمة القديمة.
وهنا يبرز دور عيسى كحلقة وصل مفقودة ,التي تمثل الجيل المهزوم والواقع المعاش، بين مطرقة الجد الأكبر وسندان الجد المباشر. إن رؤية مريود لوالده عيسى وهو يعيش في ظل بندر شاه بلا طموح أو تأثير، شكلت لديه دافعاً قوياً للبحث عن الذات والتمرد غير المعلن. فبدلاً من أن يسلك طريق الخنوع كأبيه، اختار مريود أن يبحث بكل ما يملك عن خلاصه وهويته الخاصة من خلال المحبة التي تجسدت في علاقته بمريومة. وهو المسار الفريد الذي يجمع بين طهر جده الأكبر ضو البيت والقدرة على مواجهة قسوة الواقع.
تُمثّل مريومة في الرواية القوة الروحية والوجدانية الكبرى. فهي ليست مجرد حبيبة عادية، بل هي رمز للخلاص، والتطهر، والبديل الإنساني لسلطة الجد الطاغية بندر شاه. فمن خلال حبه لها، أدرك مريود أن هناك قوة في العالم أعظم من قوة السلاح والمال، وهي قوة الوجدان التي تمنح الإنسان سلاماً داخلياً لا تمنحه السلطة، وبذلك فتحت له محبوبته مريومة باباً لعالم مغاير ومختلف يقوم على العشق والمحبة الفطرية البسيطة.
وبما أن الحب في أدب الطيب صالح لا يأتي بلا ثمن. تشيء الأقدار أن تلقى مريومة حتفها بصورة مأساوية. ويواجه مريود صدمة فقد محبوبته مريومة التي لقت حتفها غرقاً في النهر في نفس اليوم والساعة التي مات فيها الجد، فيولد فيه انكسارا يحرره نهائياً من بريق الدنيا، فيختار طريق العزلة والزهد، مندمجاً مع طين القرية وبساطتها ليعود إلى الفطرة الأولى لجده الأكبر ضو البيت.
هذه المعاناة تحولت إلى بوتقة لتطهير مريود من أدران السلطة والغرور التي زرعها فيه جده. إن الخسارة والانكسار في الحب جعلاه أكثر قرباً من آلام أهل القرية البسطاء، فتحول من مشروع طاغية مستقبلي إلى إنسان متعاطف ونبيل. لقد كانت مريومة بمثابة طوق النجاة الحقيقي. فبينما كان الجد يحاول صياغة مريود ليكون وريثاً لعرشه القاسي، كانت مريومة تصيغه ليكون إنساناً حراً قادراً على العطاء والمحبة.
وهنا تلتقي شخصية مريومة في طهرها وعفويتها مع الصفات الأسطورية الزاهدة للجد الأكبر. وبمحبة مريومة، استطاع مريود أن يقفز فوق إرث جده المباشر المستبد، ليعيد الاتصال بالجذور الأولى الطاهرة لعائلته. لقد أعادت مريومة لمريود فطرته الإنسانية التي كادت سلطة جده وطموحاته أن تشوهها. وكان عشق مريومة هو خيار مريود الخاص والوحيد. خيارٌ نابع من أعماقه وليس مفروضاً عليه من جده أو مجتمعه. هذا العشق منحه الشجاعة النفسية ليرفض أن يكون نسخة مكررة من بندر شاه، وبدأ يرى نفسه ككيان مستقل يملك حق الحب والاختيار.
وتتفرع من الخط الرئيسي حكايات حب وصداقة موازية تعمق الفكرة، مثل صداقة الطاهر ود الرواس ومحجوب، وعلاقة المحبّة الروحية بين الشيخ نصر الله ود حبيب وحواريه بلال والد الطاهر. تعكس هذه العلاقات الفلسفة الحقيقية للرواية التي يلخصها الناقد الكبير رجاء النقاش بأنها «قصيدة في تمجيد سلطان العشق والمحبة»، حيث يؤكد النص على لسان أبطاله أن الحياة لا قيمة لها بدون الصداقة والمحبة.[1] وتنتهي تداعيات الذاكرة برؤية فلسفية صوفية تؤكد أن المحبة هي أساس الحضارة. ومع موت الجد بندر شاه وتلاشي سطوته، ينهار الصرح المالي والسياسي للعائلة وكأنه زوبعة مؤقتة.
وكما هو الحال دائماً في فضاء الطيب صالح الأثير، لا يقف النيل في الرواية عند حدود الجغرافيا، بل يتجسد ككائن حي ذي مشيئة قدَرية، يرمز للحياة والموت والبعث في آنٍ واحد. فمن ظهوره الغامض وُلدت الحكاية بظهور ضو البيت مطهّرا من الدنس، ومثّل غرق محبوبته مريومة سقوط الطاغية في نفسه. وكأن النهر يمارس دوراً تطهيرياً يغسل القرية من أدران السلطة والبطش ويعيدها إلى طين الفطرة الأولى. تنتهي الملحمة ببناء دائري أسطوري تتداخل فيه الحيوات، لتؤكد تفاصيلها أن الإنسان في سواء في قرية ود حامد، أو في أي مكان آخر في العالم يدفع الثمن غاليا من جراحه وخساراته ليصنع قصة بعثه الجديدة. ومع زوال صرح بندر شاه، تعود القرية إلى سكينتها القديمة باقية وثابتة كجريان النهر الأبدي، مخلدةً الحقيقة الوجودية الكبرى وهي أن الطغاة عابرون ومصيرهم التلاشي والنسيان، بينما الشعوب والمحبة هما الخلود الإنساني الباقي.
في هذه الرواية يثبت لنا مجدداً أن أدب الطيب صالح لم يكن مجرد حكايات محليّة عابرة، بل كان نبوءة وقراءة عميقة للوجدان السوداني الذي ما زال يدفع أثماناً باهظة من جراحه وخساراته ليصنع بعثه الجديد. فهل تتكرر هذه الرواية كل يوم في واقعنا السوداني مع مآسينا التي خلفتها حرب المليشيا الأخيرة؟ سؤال مطروح للتأمل.
[1] «مريود خواطر حول قصيدة في العشق والمحبة»، مجلة الدوحة القطرية في عددها الصادر لشهر أبريل عام 1978م (الصفحات 72-85)




