غير مصنف

عملي محرّراً أدبيّاً

فراس‭ ‬حج‭ ‬محمد‭ –  ‬فلسطين

في‭ ‬النّدوة‭ ‬التي‭ ‬عقدها‭ ‬بتاريخ‭: ‬12‭/‬10‭/‬2026‭ ‬منتدى‭ ‬شومان‭ ‬الثّقافيّ‭ ‬التّابع‭ ‬لمؤسّسة‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬شومان‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الجائزة‭ ‬العالميّة‭ ‬للرّواية‭ ‬العربيّة‭/ ‬20‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬الانطلاق‮»‬،‭ ‬وأدارها‭ ‬الكاتب‭ ‬والرّوائيّ‭ ‬المغربيّ‭ ‬ياسين‭ ‬عدنان،‭ ‬بصفته‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬أمناء‭ ‬جائزة‭ ‬الرّواية‭ ‬العربية‭ (‬البوكر‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬لجنة‭ ‬الجائزة‭ ‬شاركت‭ ‬منسّقة‭ ‬الجائزة‭ (‬فلور‭ ‬مونتانارو‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬الكتّاب‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬الندوة‭ ‬الكاتبة‭ ‬والأكاديميّة‭ ‬د‭. ‬شهلا‭ ‬العجيلي‭ ‬بصفتها‭ ‬روائيّة،‭ ‬تقدّمت‭ ‬للجائزة،‭ ‬لم‭ ‬تحقّق‭ ‬أيّ‭ ‬إنجاز‭ ‬في‭ ‬المرّة‭ ‬الأولى،‭ ‬ثمّ‭ ‬وصلت‭ ‬روايتان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬موسمين‭ ‬مختلفين‭ ‬إلى‭ ‬القائمة‭ ‬القصيرة،‭ ‬وشاركت‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬ورشات‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تعقدها‭ ‬‮«‬مؤسّسة‭ ‬الجائزة‮»‬،‭ ‬والكاتب‭ ‬محمّد‭ ‬سمير‭ ‬ندا‭ ‬أحد‭ ‬الفائزين‭ ‬بالبوكر‭ ‬عن‭ ‬روايته‭ ‬صلاة‭ ‬القلق‭.‬

كما‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النّدوة‭ ‬محرّرون‭ ‬أدبيّون،‭ ‬تحدّثوا‭ ‬عن‭ ‬تجربتهم‭ ‬في‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬للورشات‭ ‬التي‭ ‬تعقدها‭ ‬الجائزة‭ ‬للكتّاب،‭ ‬وما‭ ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬سؤال‭ ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬المحررين‭ (‬المحرّرة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬المصريّة‭ ‬أميمة‭) ‬حول‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬وجّهته‭ ‬إلى‭ ‬الكاتبة‭ ‬العجيلي‭ ‬والكاتب‭ ‬ندا‭ ‬إلّا‭ ‬أنّ‭ ‬العجيلي‭ ‬لم‭ ‬تردّ‭ ‬على‭ ‬السؤال،‭ ‬وتحدّثت‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحدّث‭ ‬محمد‭ ‬سمير‭ ‬ندا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬المحرّر‭ ‬الأدبيّ‭ ‬وأهمّيّته‭ ‬بكلام‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬كوني‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً،‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬25‭ ‬كتاباً‭ ‬لكتّاب‭ ‬فلسطينيين‭.‬

إنّ‭ ‬ما‭ ‬تحدّث‭ ‬به‭ ‬محمّد‭ ‬سمير‭ ‬ندا‭ ‬يعيدني‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬كتبته‭ ‬حول‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬أعيد‭ ‬نشر‭ ‬المادّة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬نشرها‭ ‬لأوّل‭ ‬مرة‭ (‬18/1/2019‭):‬

لن‭ ‬أناقش‭ ‬دور‭ ‬المحرّر‭ ‬الأدبيّ‭ ‬وأهمّيّته‭ ‬للكاتب،‭ ‬وترسُّخ‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الكتابة،‭ ‬وإنْ‭ ‬لم‭ ‬يعترفِ‭ ‬الكتّاب‭ ‬العرب‭ ‬بهذا‭ ‬الدّور،‭ ‬فقد‭ ‬غدت‭ ‬هذه‭ ‬مسألة‭ ‬واضحة،‭ ‬والحديث‭ ‬فيها‭ ‬مكرّراً،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬مكرّراً‭ ‬كيف‭ ‬عملتُ‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً؟‭ ‬ولماذا؟

كان‭ ‬الوعي‭ ‬الأوّل‭ ‬لمهمّة‭ ‬مثل‭ ‬هذه،‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬معلّماً،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأساسيّة‭ ‬العليا‭ ‬أو‭ ‬المرحلة‭ ‬الثّانويّة،‭ ‬وكان‭ ‬مجموع‭ ‬ما‭ ‬درّسته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ (‬1995-2008‭)‬،‭ ‬واتّجه‭ ‬الجهد‭ ‬الخاصّ‭ ‬في‭ ‬‮«‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‮»‬‭ ‬آنذاك‭ ‬نحو‭ ‬كتابات‭ ‬الطّلاب‭ ‬لموضوعات‭ ‬الإنشاء‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أصحّح‭ ‬موضوع‭ ‬التّعبير‭ ‬كما‭ ‬يصحّحه‭ ‬المعلّمون‭ ‬الآخرون،‭ ‬كان‭ ‬لي‭ ‬مهمّات‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬الاهتمام‭ ‬بقواعد‭ ‬اللّغة؛‭ ‬نحواً،‭ ‬وصرفاً،‭ ‬وإملاءً؛‭ ‬كنت‭ ‬أرشد‭ ‬الطّلاب‭ ‬الموهوبين‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاصّ‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تفريع‭ ‬الأفكار،‭ ‬وصياغة‭ ‬الجمل‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بصحّة‭ ‬العبارات،‭ ‬ودقّة‭ ‬التّعبير‭ ‬عن‭ ‬المعنى،‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬الإنشاء‭ ‬الزّائد‭ ‬عن‭ ‬الحدّ؛‭ ‬مفارقاً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬عند‭ ‬المعلّمين‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الزّخرفة‭ ‬البلاغيّة‭ ‬الّتي‭ ‬تنحو‭ ‬منحى‭ ‬التّهويم‭ ‬في‭ ‬الاستعارات‭ ‬الميّتة،‭ ‬والمقدّمات‭ ‬المحفوظة‭ ‬الّتي‭ ‬كانت‭ ‬تزيد‭ ‬عبء‭ ‬التّلقين‭ ‬على‭ ‬الطّلاب،‭ ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬انطلاق‭ ‬الموهبة‭ ‬واختبارها‭.‬

كما‭ ‬كنت‭ ‬ألاحظ‭ ‬التّسلسل‭ ‬العامّ‭ ‬لأفكار‭ ‬الموضوع،‭ ‬ومنطقيّة‭ ‬التّرتيب‭ ‬والتّسلسل،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬موضوعاً‭ ‬ذا‭ ‬فكرة‭ ‬واضحة‭ ‬بجسد‭ ‬نصّيّ‭ ‬واضح،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬وجود‭ ‬مخزون‭ ‬معرفيّ‭ ‬وإحالات‭ ‬ثقافيّة‭ ‬ضروريّة،‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬النّصّ‭ ‬لتدخل‭ ‬في‭ ‬عصب‭ ‬الموضوع‭. ‬وفي‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬كنت‭ ‬أختار‭ ‬موضوعاً‭ ‬أو‭ ‬موضوعين؛‭ ‬فأعيد‭ ‬صياغة‭ ‬بعض‭ ‬الفقرات،‭ ‬وأعدّل‭ ‬عليها‭ ‬بالإضافة‭ ‬أو‭ ‬الحذف،‭ ‬وأكلّف‭ ‬أولئك‭ ‬الطّلاب‭ ‬بإعادة‭ ‬كتابة‭ ‬الموضوع‭ ‬موظّفين‭ ‬هذه‭ ‬الملحوظات،‭ ‬ليصبح‭ ‬لدينا‭ ‬موضوع‭ ‬تعبير‭ ‬إنشائيّ‭ ‬مقبول،‭ ‬ويراعي‭ ‬شروط‭ ‬الكتابة‭ ‬الجيّدة‭.‬

وخلال‭ ‬هذه‭ ‬الأعوام‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بمسؤوليّة‭ ‬تتعدّى‭ ‬كوني‭ ‬معلّماً‭ ‬للّغة‭ ‬العربيّة‭ ‬إلى‭ ‬مرشد‭ ‬ومكتشف‭ ‬للمواهب‭ ‬الأدبيّة،‭ ‬فوجد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الطّلاب‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬شاعر،‭ ‬وكنت‭ ‬فخوراً‭ ‬بأنّني‭ ‬استطعت‭ ‬رعاية‭ ‬ثلاثة‭ ‬طلاب‭ ‬أصبحوا‭ ‬شعراء،‭ ‬يكتبون‭ ‬بمستوى‭ ‬جيّد‭. ‬أخذوا‭ ‬يعرضون‭ ‬عليّ‭ ‬كتاباتهم،‭ ‬وأحرّرها‭ ‬جيّداً‭ ‬مع‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الملحوظات،‭ ‬لتستوي‭ ‬القصيدة‭ ‬نصّاً‭ ‬صالحاً‭ ‬للحياة‭.‬

تتطوّر‭ ‬فكرة‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وكانت‭ ‬التّجربة‭ ‬تزداد‭ ‬وضوحاً‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يعرض‭ ‬عليّ‭ ‬الأصدقاء‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬الشبّاب‭ ‬كتاباتهم،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أكتفي‭ ‬بتصحيح‭ ‬النّصوص‭ ‬لغويّاً،‭ ‬بل‭ ‬يتعدّى‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد،‭ ‬فالمحرّر‭ ‬الأدبيّ‭ ‬ليس‭ ‬مدقّقاً‭ ‬لغويّاً‭ ‬وحسب،‭ ‬أو‭ ‬محرّراً‭ ‬لغويّاً‭ ‬كذلك‭.‬

ومن‭ ‬المواقف‭ ‬الجديرة‭ ‬هنا‭ ‬بالذّكر‭ ‬تجربتي‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬مراجعات‭ ‬نقديّة‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬القصيرة‭ ‬جدّاً‭ ‬لطائفة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬العرب،‭ ‬تلك‭ ‬الّتي‭ ‬جمعتها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬ملامح‭ ‬من‭ ‬السّرد‭ ‬المعاصر‭- ‬قراءات‭ ‬في‭ ‬القصّة‭ ‬القصيرة‭ ‬جدّاً‮»‬،‭ ‬فحدث‭ ‬أن‭ ‬طلب‭ ‬منّي‭ ‬بعض‭ ‬الكتّاب‭ ‬أن‭ ‬أحلّل‭ ‬لهم‭ ‬بعض‭ ‬قصصهم،‭ ‬وقد‭ ‬أشرت‭ ‬على‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يعدّل‭ ‬قصّته‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬ارتضيته‭ ‬للنّصّ،‭ ‬ليكون‭ ‬موافقاً‭ ‬تماماً‭ ‬لشروط‭ ‬فنّ‭ ‬القصّة‭ ‬القصيرة،‭ ‬ليتمّ‭ ‬تحليلها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

وعندما‭ ‬اتّفقت‭ ‬مع‭ ‬دار‭ ‬نشر‭ ‬محليّة‭ ‬أن‭ ‬أراجع‭ ‬لغويّاً‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬قبل‭ ‬طباعتها،‭ ‬كان‭ ‬يطلب‭ ‬منّي‭ ‬النّاشر‭ ‬ألّا‭ ‬أكتفي‭ ‬بالتّصحيح‭ ‬اللّغويّ،‭ ‬كان‭ ‬بالفعل‭ ‬يطلب‭ ‬منّي‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً،‭ ‬فكنت‭ ‬أعدّل‭ ‬بعض‭ ‬العبارات‭ ‬وأقدّم‭ ‬ملحوظاتي‭ ‬للكتّاب،‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬كم‭ ‬التزموا‭ ‬بذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أشرت‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المرّات‭ ‬على‭ ‬النّاشر‭ ‬والكاتب‭ ‬معاً‭ ‬عندما‭ ‬دفعا‭ ‬إليّ‭ ‬بنصّ‭ ‬روائيّ‭ ‬تعيس‭ ‬لغة‭ ‬وتركيباً،‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬صفحاته‭ ‬المائتين‭ ‬ألّا‭ ‬ينشراه،‭ ‬لأنّه،‭ ‬ببساطة‭ ‬ومسؤوليّة،‭ ‬لا‭ ‬يستحقّ‭ ‬النّشر،‭ ‬مُخْلِياً‭ ‬مسؤوليّتي‭ ‬عن‭ ‬الكتاب،‭ ‬لما‭ ‬يحتاجه‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬كتابة‭ ‬المادّة‭ ‬الأدبيّة،‭ ‬فالتّصحيح‭ ‬اللّغويّ‭ ‬الّذي‭ ‬كانا‭ ‬ينتظرانه‭ ‬منّي‭ ‬لن‭ ‬يفلح‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬النّصّ‭ ‬رواية‭ ‬جديرة‭ ‬بالحياة،‭ ‬لذا‭ ‬توقّفت‭ ‬عن‭ ‬مراجعة‭ ‬النّصّ‭ ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬وكذلك‭ ‬فعلت‭ ‬مع‭ ‬كاتبة‭ ‬أخرى‭ ‬كتبت‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬مسوّدة‭ ‬كتابها‭ ‬أنّه‭ ‬يزيد‭ ‬نسبة‭ ‬الرّداءة،‭ ‬وعليها‭ ‬ألّا‭ ‬تنشر‭ ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬الملاحظة‭ ‬قاسية،‭ ‬ولكنّها‭ ‬كانت‭ ‬حقيقيّة‭ ‬وخالصة‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬نوازع‭ ‬غير‭ ‬أدبيّة‭ ‬أو‭ ‬أخلاقيّة‭. ‬وعلى‭ ‬النّقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قرأت‭ ‬بنهم‭ ‬كتابين‭ ‬لصديق‭ ‬لي‭ ‬وشجّعته‭ ‬على‭ ‬النّشر؛‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬كتابيه‭ ‬من‭ ‬إضافة‭ ‬وطزاجة‭ ‬تفتقدها‭ ‬أكداس‭ ‬مكدّسة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬المنشورة‭.‬

وفي‭ ‬اعتقادي‭ ‬أنّ‭ ‬التّجربة‭ ‬المهمّة‭ ‬في‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬كانت‭ ‬عندما‭ ‬تسلّمت‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬لموادّ‭ ‬مجلّتي‭ ‬الزّيزفونة‭ ‬المخصّصتين‭ ‬للأطفال،‭ ‬فقد‭ ‬منحني‭ ‬رئيس‭ ‬التّحرير‭ ‬والمسؤول‭ ‬عن‭ ‬المجلّتين‭ ‬الكاتب‭ ‬شريف‭ ‬سمحان‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬ما‭ ‬يَرِد‭ ‬إلى‭ ‬المجلة‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬ومقالات‭ ‬أو‭ ‬أعمال‭ ‬أدبيّة،‭ ‬وكنت‭ ‬وبالتّشاور‭ ‬مع‭ ‬الأستاذ‭ ‬شريف‭ ‬نختار‭ ‬الموادّ‭ ‬الصالحة‭ ‬للنّشر‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬طبيعة‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬الأطفال‭ ‬أو‭ ‬يُكتب‭ ‬لهم‭ ‬ومستواه،‭ ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬المهمّة‭ ‬صعبة‭ ‬للغاية‭ ‬وحسّاسة‭ ‬جدّاً‭. ‬فكيف‭ ‬ترفض‭ ‬نصّاً‭ ‬لكاتب‭ ‬يدّعي‭ ‬أنّه‭ ‬كاتب‭ ‬كبير،‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّ‭ ‬أحدهم‭ ‬اتّهمني‭ ‬علنيّاً‭ ‬بتهم‭ ‬شتّى،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬نصّه‭ ‬مكتوباً‭ ‬بلغة‭ ‬عاميّة،‭ ‬وكنّا‭ ‬كذلك‭ ‬نرفض‭ ‬أعمالاً‭ ‬كاملة‭ (‬شعريّة‭ ‬وسرديّة‭) ‬مكتوبة‭ ‬باللّغة‭ ‬العاميّة‭ ‬أو‭ ‬أنّها‭ ‬رديئة؛‭ ‬موجّهة‭ ‬للأطفال،‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬لغتهم،‭ ‬وتنمية‭ ‬لمهاراتهم‭ ‬في‭ ‬التحدّث‭ ‬بالفصيحة،‭ ‬والتّدريب‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬بها،‭ ‬وأملاً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬المنشورة‭ ‬برفع‭ ‬مستوى‭ ‬الذّائقة‭ ‬الفنّيّة‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬الّذين‭ ‬سيكون‭ ‬بعضٌ‭ ‬منهم‭ ‬كتّاباً‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭.‬

عدا‭ ‬ذلك،‭ ‬مارست‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬بكلّ‭ ‬أبجديّاته‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬الكتّاب،‭ ‬وهنا‭ ‬سأتجنب‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه،‭ ‬لأنّه‭ ‬ربّما‭ ‬سيرى‭ ‬انتقاصاً‭ ‬من‭ ‬جهده‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬سيظنّ‭ ‬البعض‭ ‬أنّ‭ ‬دوري‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المراجعة‭ ‬اللّغويّة‭ ‬إلى‭ ‬كتابة‭ ‬النّصوص‭ ‬ذاتها،‭ ‬لأنّهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬معنى‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ‭ ‬وأهمّيّته‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كانت‭ ‬النّصوص‭ ‬المقترحة‭ ‬كلّها‭ ‬بين‭ ‬يديّ،‭ ‬استبعدنا‭ ‬فيها‭ ‬معاً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضعيف،‭ ‬ولا‭ ‬يصلح‭ ‬للنّشر‭ ‬أوّلاً،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬الكتاب‭ ‬وفلسفته،‭ ‬واتّفقنا‭ ‬على‭ ‬المادّة‭ ‬الّتي‭ ‬ستشكّل‭ ‬بنية‭ ‬الكتاب،‭ ‬فأخذنا‭ ‬نراجع‭ ‬النّصوص‭ ‬نَـصّاً‭ ‬نصّاً،‭ ‬ونعدّل‭ ‬فيها‭ ‬إضافة‭ ‬وحذفاً،‭ ‬ونضع‭ ‬عناوين‭ ‬لها،‭ ‬ثمّ‭ ‬تنسيقها‭ ‬في‭ ‬مجموعات،‭ ‬ثمّ‭ ‬قراءة‭ ‬الكتاب‭ ‬كاملاً،‭ ‬ووضع‭ ‬الملحوظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬النهائيّة‭ ‬قبل‭ ‬الدّفع‭ ‬بالكتاب‭ ‬إلى‭ ‬الطّباعة‭.‬

عدا‭ ‬ذلك،‭ ‬لقد‭ ‬اتّفقنا‭ ‬على‭ ‬الغلاف،‭ ‬وتسمية‭ ‬العمل،‭ ‬ومناقشة‭ ‬ذلك‭ ‬مطوّلاً،‭ ‬واختيار‭ ‬العناوين‭ ‬الدّاخليّة‭ ‬للفصول‭ ‬واستراتيجيّة‭ ‬اختيارها،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬النّصّ‭ ‬الّذي‭ ‬سيكون‭ ‬على‭ ‬الغلاف‭ ‬الأخير‭ ‬للكتاب‭. ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬مرهقاً،‭ ‬ولكنّه‭ ‬كان‭ ‬ممتعاً‭ ‬حقّاً،‭ ‬وخرج‭ ‬الكتاب‭ ‬بمضمون‭ ‬جيّد‭ ‬وبأناقة‭ ‬شكليّة‭ ‬بادية،‭ ‬تسترعي‭ ‬الانتباه‭. ‬كنّا‭ ‬بالفعل‭ ‬نفكّر‭ ‬بالقارئ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬كبير،‭ ‬ونريد‭ ‬أن‭ ‬يعجبه‭ ‬الكتاب،‭ ‬ويرضى‭ ‬عنه،‭ ‬وكنّا‭ ‬نحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬الكتاب‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقيّة‭ ‬للمكتبة‭ ‬العربيّة‭. ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬الثّقة‭ ‬موجودة‭ ‬بيننا،‭ ‬بحيث‭ ‬كنّا‭ ‬نعمل‭ ‬بأريحيّة،‭ ‬ولم‭ ‬يخف‭ ‬عنّي‭ ‬الكاتب‭ ‬هواجسه‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الكتاب‭ ‬ربّما‭ ‬سيكون‭ ‬متواضعاً‭ ‬في‭ ‬قيمته‭ ‬الأدبيّة‭ ‬والفنّيّة،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬قلقاً،‭ ‬ويُشْرِكني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القلق،‭ ‬وأنا‭ ‬أؤكّد‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬أن‭ ‬يثق‭ ‬بما‭ ‬قمنا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬وجهد‭ ‬مضنيين‭.‬

بالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬عملت‭ ‬مع‭ ‬الشّاعر‭ ‬محمّد‭ ‬حلمي‭ ‬الرّيشة‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬الآثار‭ ‬الشّعريّة‭ ‬للشّاعر‭ ‬الرّاحل‭ ‬أنطوان‭ ‬الشّوملي،‭ ‬فقد‭ ‬عهد‭ ‬إليّ‭ ‬بتحرير‭ ‬نصف‭ ‬المادّة‭ ‬الأدبيّة،‭ ‬من‭ ‬ضبط‭ ‬نحويّ‭ ‬وصرفيّ‭ ‬واستقامة‭ ‬الوزن،‭ ‬كون‭ ‬قصائد‭ ‬الدّيوان‭ ‬مخطوطة‭ ‬باليد،‭ ‬وربّما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬كلمات‭ ‬قد‭ ‬سقطت‭ ‬سهواً‭ ‬أو‭ ‬أنّها‭ ‬كتبت‭ ‬خطأ،‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬مرهقاً‭ ‬وطويلاً‭ ‬واختباراً‭ ‬حقيقيّاً‭ ‬لمقدرتي‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬النّصّ‭ ‬الشّعريّ‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬صدر‭ ‬الديوان‭ ‬تجاهل‭ ‬الشاعر‭ ‬الريشة‭ ‬تماماً‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬جهودي‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬التحرير،‭ ‬مكتفياً‭ ‬بإرسال‭ ‬نسخة‭ ‬مطبوعة‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬كأنّها‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬أستحقّه‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬لقاء‭ ‬ما‭ ‬عملته‭ ‬معه‭.‬

لعلّ‭ ‬أهمّ‭ ‬تجربة‭ ‬مارستها‭ ‬في‭ ‬التّحرير‭ ‬الأدبيّ،‭ ‬تلك‭ ‬التّجربة‭ ‬الّتي‭ ‬أتولّاها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وتتمثّل‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬وهنا‭ ‬أيضا‭ ‬لن‭ ‬أصرّح‭ ‬باسمه‭ ‬للدّواعي‭ ‬السّابقة،‭ ‬وكان‭ ‬يتّجه‭ ‬العمل‭ ‬نحو‭ ‬المراجعة‭ ‬والتّصحيح‭ ‬اللّغويّ،‭ ‬والحكم‭ ‬على‭ ‬المادّة،‭ ‬ومناقشة‭ ‬موضوع‭ ‬المقال‭ ‬الّذي‭ ‬سيُكتب‭ ‬مناقشة‭ ‬تفصيليّة‭ ‬وطويلة،‭ ‬ربّما‭ ‬امتدّت‭ ‬أيّاماً‭ (‬اليوم‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬نقوم‭ ‬بذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬ليس‭ ‬هنا‭ ‬محلّ‭ ‬ذكرها‭)‬،‭ ‬ونتبادل‭ ‬فيها‭ ‬الآراء‭ ‬حوله،‭ ‬حتّى‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬انتهت‭ ‬حواراتنا‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬تكون‭ ‬الرّؤيا‭ ‬واضحة،‭ ‬والأفكار‭ ‬الجزئيّة‭ ‬مترابطة،‭ ‬فيكتب‭ ‬صديقي‭ ‬المادّة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ويدفعها‭ ‬إليّ‭ ‬فأراجعها‭ ‬المراجعة‭ ‬النّهائيّة،‭ ‬وربّما‭ ‬احتجنا‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬بعض‭ ‬الجمل‭ ‬أحياناً،‭ ‬ثمّ‭ ‬أضع‭ ‬عنواناً‭ ‬للمادّة،‭ ‬وخاتمة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان،‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬نادرة‭ ‬أضيف‭ ‬فقرة‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الموضوع،‭ ‬كلّما‭ ‬شعرت‭ ‬بأهميّة‭ ‬ذلك،‭ ‬وكان‭ ‬صديقي‭ ‬الكاتب‭ ‬يتعجّب‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬اللّغتين؛‭ ‬لغة‭ ‬المادّة‭ ‬الأصليّة،‭ ‬ولغة‭ ‬العنوان‭ ‬والخاتمة‭ ‬والفقرات‭ ‬المضافة‭ ‬للمقال‭ ‬في‭ ‬تماهٍ‭ ‬تامّ،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬نشعر،‭ ‬ولا‭ ‬يشعر‭ ‬القارئ‭ ‬بأيّ‭ ‬فرق‭ ‬بينهما‭. ‬بالفعل‭ ‬كنتُ‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً،‭ ‬أفهم‭ ‬الكاتب‭ ‬وعوالمه،‭ ‬عارفاً‭ ‬بطبيعة‭ ‬لغته،‭ ‬فتندمج‭ ‬اللّغتان‭ ‬معاً،‭ ‬وتصبحان‭ ‬نهراً‭ ‬يجري‭ ‬بسلاسة‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬القارئ‭ ‬وحسّه،‭ ‬وبتناغم‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬أفكار‭ ‬الكاتب‭ ‬بوضوح‭ ‬كبير‭. ‬كنّا‭ ‬سعيدين‭ ‬بهذه‭ ‬التّجربة‭ ‬الّتي‭ ‬أعطت‭ ‬لكلينا‭ ‬فرصة‭ ‬لتطوير‭ ‬الذّات‭ ‬والكشف‭ ‬عمّا‭ ‬في‭ ‬النّفس‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬ومواهب‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬مواضيع‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬التّباين‭ ‬الشّديد،‭ (‬لا‭ ‬أحبّ‭ ‬كلمة‭ ‬التّضاد‭ ‬لقناعتي‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬شيئان‭ ‬أو‭ ‬معنيان‭ ‬متضادّان‭).‬

ولذلك‭ ‬أيضا،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬الصّديق‭ ‬كان‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً‭ ‬لي،‭ ‬أعرض‭ ‬عليه‭ ‬أوّلاً‭ ‬بأوّل‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬أكتبه،‭ ‬يقدّم‭ ‬لي‭ ‬رؤيته‭ ‬فيما‭ ‬أنتجه‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬أو‭ ‬مقالات‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أنوي‭ ‬إصداره‭ ‬من‭ ‬كتب‭. ‬إنّه‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬حماسة‭ ‬منّي‭ ‬تجاه‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬يخصّ‭ ‬النّصّ‭ ‬وصناعته،‭ ‬وحرفة‭ ‬الكتابة،‭ ‬وضرورة‭ ‬إنتاج‭ ‬نصوص‭ ‬جيّدة‭. ‬كان‭ ‬قاتلاً‭ ‬رحيماً‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬لنصوص‭ ‬رديئة‭ ‬أكتبها،‭ ‬كما‭ ‬كنتُ‭ ‬كذلك،‭ ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬ندافع‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الميّت‭ ‬الّذي‭ ‬يعلن‭ ‬أحدنا‭ ‬وفاته،‭ ‬والآخر‭ ‬يقرأ‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬الفاتحة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬نشعر‭ ‬بالارتياح‭ ‬الشّديد‭. ‬فموت‭ ‬النّصّ‭ ‬بيننا‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬إخراجه‭ ‬معتلّاً‭ ‬لقارئ‭ ‬متربّص،‭ ‬لا‭ ‬تنقصه‭ ‬الذّائقة‭ ‬المدرّبة،‭ ‬فيكون‭ ‬هذا‭ ‬العليل‭ ‬نُدبة‭ ‬مشوِّهة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬البلاغة‭ ‬النّصّيّة،‭ ‬تلك‭ ‬الّتي‭ ‬نسعى‭ ‬إليها‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬أوتينا‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬لغويّة‭ ‬وتصويريّة،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬رضي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كاتباً‭ ‬محترفاً‭.‬

إنّ‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬الّذي‭ ‬قمتُ‭ ‬به،‭ ‬وأقوم‭ ‬به‭ ‬بوصفي‭ ‬محرّراً‭ ‬أدبيّاً،‭ ‬يشعرني‭ ‬بضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الكاتب،‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬أنّ‭ ‬المحرّر‭ ‬الأدبيّ‭ ‬ليس‭ ‬ناقداً،‭ ‬أو‭ ‬مدقّقاً‭ ‬أو‭ ‬محرّراً‭ ‬لغويّاً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شخص‭ ‬كسب‭ ‬ثقة‭ ‬الكاتب،‭ ‬لتكون‭ ‬بينهما‭ ‬أيضاً‭ ‬الثّقة‭ ‬متبادَلة‭ ‬ومطلقة،‭ ‬وأتاح‭ ‬له‭ ‬مجالاً‭ ‬ليعملا‭ ‬سويّاً‭ ‬على‭ ‬المادّة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬لتكون‭ ‬أجمل،‭ ‬مع‭ ‬تحقيق‭ ‬أهمّ‭ ‬شرط،‭ ‬وهو‭ ‬الانسجام‭ ‬بينهما‭ ‬فيما‭ ‬يخصّ‭ ‬العمل،‭ ‬فهما‭ ‬معاً‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬ينجزان‭ ‬مهمّة‭ ‬مشتركة،‭ ‬هي‭ ‬أوّلاً‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬العميق،‭ ‬وأدبيّة‭ ‬ونقديّة‭ ‬وجماليّة‭ ‬ثانياً،‭ ‬تستحقّ‭ ‬العناية‭ ‬والإشادة‭ ‬فيها،‭ ‬إنّها‭ ‬ضرورة‭ ‬لازمة‭ ‬ليرى‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬أوضح،‭ ‬وليُقلّل‭ ‬من‭ ‬افتتانه‭ ‬بالنّصّ،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التّخلّص‭ ‬من‭ ‬العيوب‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدري‭.‬

فهل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬سأخجل‭ ‬من‭ ‬عملي‭ ‬محرّراّ‭ ‬أدبيّاً،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬تمّ‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬المحرّر‭ ‬الأدبيّ‮»‬‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬بأبشع‭ ‬الأوصاف‭ ‬وأقذعها‭ ‬هجائيّة،‭ ‬أو‭ ‬نظروا‭ ‬إليه‭ ‬بدونيّة،‭ ‬أو‭ ‬فكّروا‭ ‬فيه‭ ‬بسوء‭ ‬نيّة؟‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنّني‭ ‬أحتاج‭ ‬لمحرّر‭ ‬أدبيّ،‭ ‬يكون‭ ‬لي‭ ‬مُخْلِصاً،‭ ‬ويعمل‭ ‬معي‭ ‬ولي،‭ ‬كأنّه‭ ‬يعمل‭ ‬لمجده‭ ‬الشّخصيّ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق