سلايدرسياسة

الملاريا في زمن الكورونا

د. علي عفيفي

وقت كتابة هذه السطور وصل عدد ضحايا مرض كوفيد-19 إلى ما يزيد عن مائتي ألف شخص على مستوى العالم. لو كنت مثلي تتابع يومياً أخبار وإحصائيات المرض المستجد فأنت تعرف العدد بكل دقة. أنت لست وحدك بالتأكيد، ولكنك قد تكون وحدك بالفعل إن كنت تتابع أعداد الوفيات الناتجة عن أمراض أخرى يظن أغلب الناس أنها انتهت من العالم. هل تعلم عزيزي القارئ أن مرضاً قديماً مثل الملاريا يصيب ما يزيد عن مائتي مليون شخص سنوياً يموت منهم أكثر من أربعمائة ألف شخص1؟ وهل تعلم أن هذا المرض الخطير ينتقل بين شخص مصاب وآخر سليم عن طريق حشرة صغيرة هي بعوضة الأنوفيليس؟

مرض الملاريا يسببه طفيل دقيق يدعى “البلازموديوم” وينتقل نتيجة تغذية بعوضة الأنوفيليس على دم شخص مصاب، يتطور الطفيل ويتكاثر داخل جسم البعوضة، والتي تتغذى بعد فترة على دم شخص سليم فتنقل إليه الطفيل. يصيب الطفيل الكبد ويتكاثر بصورة كبيرة ثم يصيب كرات الدم الحمراء ويؤدي إلى انفجارها، وهنا تظهر أعراض الملاريا والتي تتراوح بين حمى وصداع وقيء وقد تؤدي إلى الوفاة، يخرج طفيل الملاريا بأعداد كبيرة من كرات الدم الحمراء بعد انفجارها ويصبح جاهزاً للانتقال إلى بعوضة أخرى والتي بدورها تنقله إلى شخص سليم، وتستمر دورة المرض2.

تعتبر الملاريا أحد أقدم الأمراض في تاريخ الإنسان، فقد اكتشف العلماء حديثاً بقايا لطفيل الملاريا في مومياوات فرعونية عمرها أكثر من خمسة آلاف عام3. رغم ذلك، فالملاريا لم تختف كما اختفت الكثير من الأمراض القديمة، بل مازالت تقتل مئات الآلاف كل عام. يرجع ذلك إلى سببين رئيسيين، الأول هو عدم توفر مصل ناجح لمنع الإصابة بالملاريا حتى الآن1،2، ولذلك تظل الطريقة الأنجح لمكافحة الملاريا هي منع لدغات البعوض أو علاج المرض قبل إن يتفاقم. السبب الثاني هو انحصار معظم إصابات الملاريا في قارة أفريقيا (حوالي 93% من الحالات)، مع بعض الإصابات في جنوب شرق آسيا (3.4%) ومنطقة شرق البحر المتوسط (2.1%)1. يؤدي ذلك إلى صعوبة منع أو علاج المرض في تلك البلاد الفقيرة. تقوم منظمة الصحة العالمية -بدعم من الدول الغنية- بجهود كبيرة لمساعدة الدول الفقيرة في مكافحة الملاريا، كما تقوم الكثير من الدول والمؤسسات الخيرية كمؤسسة بيل وميليندا جيتس بدعم الأبحاث التي تهدف إلى تطوير طرق جديدة لمكافحة الملاريا. ولكن كل ذلك الدعم قد يتأثر نتيجة لمرض كوفيد-19 والذي ينتشر في البلاد الفقيرة والغنية على السواء، ويؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي ككل. يضاف إلى ذلك أن جهود مكافحة الملاريا قد تتأثر بإجراءات الحظر المنزلي الذي تفرضه معظم الدول، وهو ما حذر منه مراراً د. بيدرو ألونسو مدير برنامج مكافحة الملاريا بمنظمة الصحة العالمية4. يتوقع د. ألونسو أن أعداد الإصابة بالملاريا قد تتضاعف نتيجة مرض كوفيد-19 وهو ما تدعمه بيانات المتابعة الأخيرة. من هنا لابد أن تعمل الحكومات في تلك الظروف الصعبة على استمرار جهود مكافحة الملاريا من رش المنازل وتوزيع الناموسيات المعالجة كيميائياً وعلاج المرضى. لابد أن يحصل المرضى بالملاريا على العلاج المناسب فوراً حتى لا تعود أعداد الوفيات بالملاريا إلى ما كانت عليه منذ فترة ليست بالبعيدة. نعم، نحن جميعاً نواجه الآن مرضاً خطيراً ظهر حديثاً، ولكن يجب أن نعلم أن الفقراء في افريقيا يواجهون وحدهم خطراً آخر، مرضاً أكثر فتكاً وأقدم بكثير.

مصادر:

•WHO World Malaria Report 2019

https://www.who.int/publications-detail/world-malaria-report-2019

•Center for Disease Control and Prevention

https://www.cdc.gov/parasites/malaria/index.html

•Miller RL, Ikram S, Armelagos GJ, Walker R, Harer WB, Shiff CJ, Baggett D, Carrigan M, Maret SM. 1994. Diagnosis of Plasmodium falciparum infections in mummies using the rapid manual ParaSight-F test. Transactions of the Royal Society of Tropical Medicine and Hygiene 88(1):31-32.

•https://www.who.int/news-room/detail/25-03-2020-who-urges-countries-to-ensure-the-continuity-of-malaria-services-in-the-context-of-the-covid-19-pandemic#

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق