
الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو
(“الشرقيات – “Les Orientales “لفكتور هوجو “1802- 1885”)
1421هـ = 2001م
معجب بن سعيد الزهراني
فيما يتعلق بمجموعة “الشرقيات” تحديدًا هناك ثلاث قضايا تستحق التوقف عندها نظرًا لأهميتها الاستثنائية في تعزيز الفرضية الرئيسة لحثنا الراهن.
القضية الأولى أن نصوص هذه المجموعة تعدّ في مجملها علامة تحول جذري بدأ يطرأ على وعي الشاعر وكتابته وهو في منتصف العقد الثالث من عصره كما تقصاه أ. موروا بالكثير من الدقة والعمق (13) فالشاعر كان سعيدًا بحياته في أسرة صغيرة حققت لها إنجازات الكاتب الشاب اللامع والرعاية المباشرة لقصر فرساي سبل العيش المريح. كما أن فكره وذوقه كانا منسجمين مع قناعاته الدينية القوية، ومع ولائه للنظام الملكي الذي كان يعمل على إعادة ترتيب البيت الوطني بعد أن أربكته ثورة 1789 وأنهكته الحروب الطاحنة التي أشعلها نابليون في أكثر من مكان وانتهت بهزيمته القاسية في واترلو عام 1815، وهي الهزيمة التي أعلنت نهاية الإمبراطورية والنظام الجمهوري كما نعلم.
لكن انضمام الشاعر إلى جماعة “الرومانسيين الليبراليين” في منتصف العشرينيات دفعة إلى التخلي تدريجيًا عن قناعاته ومكتسباته السابقة ليصبح في طليعة هذه النخبة التي ضمت أدباء ونقادًا وتشكيليين ومسرحيين لامعين كلهم كان يحنّ إلى الجمهورية ويعمل من أجل المزيد تحقيق من أشكال التحرر في مجال السياسة كما في مجال الفكر والفن (14) في غمرة هذا التحول بدأ ف. هوجو يعبر عن رؤيته الجديدة لذاته وعالمه من خلال قصائده الشرقية التي كانت تلقي قبولاً حماسيًا من طرف أصدقائه الذين كانوا يجتمعون في منزله بانتظام، وكأنها التعبير الشعري الأمثل عن هذه الحساسية الأدبية الجديدة لدى جماعة الرومانسيين عمومًا. يقول أحدهم بهذا الصدد:
“كان فكتور هوجو ينجز أشياء رائعة بسرعة مدهشة، ومن وقت لآخر يلقي قصيدة شرقية فتقع على من حوله كالحجر على النمل.. فقصائده لم يسمع بمثلها من قبل، جديدة بشكل مضاعف إذ ليس فيها بيت شعري ضعيف وهي تستحوذ على المشاعر لحظة سماعها”.
حتى الأدباء المحافظون سريعًا ما اعترفوا بالمكانة المتميزة للشاعر الشاب الذي تحول عن “النظم البارد” إلى شعرية متمردة حية “توقظ الذهن والروح” وتعبر عن رؤى جرئية ومواقف لا تقيم كبير وزن حتى للخطاب الرسمي السائد. هكذا كان الشاعر يؤكد عام 1824 أن “الشعر الفرنسي ينبغي أن يظل ملكيًا ومسيحيًا” وأنه لا يحب أن يوصف بأنه “تقليدي أو رومانسي”، وبعد فترة قصيرة يعلن في مقدمة “الشرقيات” ما يشبه “البيان” الأول والأهم للشعرية الجديدة (15) لقد أصبح يؤمن بأن الشعر “انطلاقة حرة في حديقة فسيحة ليس فيها من فاكهة محرمة” وأن الشاعر كائن حر لا ينبغي لأحد أن يسأله “لماذا كتب كذا وكذا” لأن “الزمن كله والفضاء كله له يتصرف فيهما كما يريد”، وأن من حقه أن يتمرد حتى على “قواعد اللغة التي لم توضع أصلاً للشعراء” لأن “الحرية هي القانون الوحيد الذي يعترف به الشاعر” (16)
ومع أن هذه الأفكار والتصورات قد تبدو لنا اليوم عادية، وربما مبتذلة، لكثرة تكرارها، إلا أنها كانت تمثل نقلة نوعية في حياة الشاعر وكتابته، بل هي إعلان قطيعة جذرية مع التيار الكلاسيكي المحافظ الذي كان يميل إليه الشاعر ذاته قبيل سنوات!
هنا تحديدًا تنطرح القضية الثانية وتخص دور “المرجعية الشرقية” في هذا التحول، وهو دور لا يتوقف عنده أ. موروا طويلاً مثله مثل غيره من النقاد الفرنسيين الذين كتبوا عن ف. هوجو. فمقدمة الديوان ذاتها تكشف أن مرجعية هذه “الثورة الجمالية”، كما سيسميها بورخيس بعد حوالي قرن ونصف (17)، هي في حقيقة الأمر مشرقية أو عربية إسلامية أكثر من كونها ألمانية أو إنجليزية. هاهو الشاعر نفسه يلح على هذه المرجعية في ثلاث إشارات بالغة الدلالة إذ لا يمكن قراءة نصوص هذا الديوان من دون اعتبارها محددًا أساسيًا لعمليات التفهم والتفسير والتأويل.
الإشارة الأولى تتمثل في مقولته الشهيرة “في عهد لويس الخامس عشر كان الجميع هيللينيين واليوم نحن كلنا مستشرقون “مبررًا القول بكثرة الباحثين اللامعين في مختلف أنحاء فرنسا ممن تخصصوا في أدق تفاصيل اللغات والثقافات الشرقية “من الصين إلى مصر” (18)
فالاستشراق الذي يعنيه كلام هوجو لم يعد حقلاً معرفيًا منغلقًا يُعنى به الأكاديميون، بل تحول إلى اهتمام عام يشارك فيه الأدباء وغيرهم من المبدعين الذين عادة ما يبحثون لدى الآخر عما يغذي إبداعاتهم بالقيم والأشكال الجمالية الجديدة. والشرق لم يكن قط موضوعًا جامدًا أو صامتًا أو ميتًا يشكله الباحث أو المبدع كما يريد، بل هو كينونة حضارية حيّة تتدخل في إعادة تشكيل الوعي الفكري والجمالي للذات الغربية، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بشخص مثل ف. هوجو الذي فتن بآثاره الخلابة منذ نعومة أظفاره كما رأينا من قبل.
من هذا المنظور الإيجابي ذاته ينبغي أن نقرأ الإشارة الثانية التي ألح عليها الشاعر في مقدمة “الشرقيات” ونعني بها دعوته القوية إلى كتابة شعرية جديدة تضاهي تلك المدن الأسبانية التي تتجاور وتتآلف فيها آثار حضارات آسيا وأفريقيا وأوروبا لتشكل مشهدًا جماليًا وحياتيًا لا نظير له في المدن الأوربية الأخرى. إننا هنا أمام تحول يعلي من شأن “المعجزة الشرقية” على حساب تلك “المعجزة الإغريقية” التي اختلقها الخطاب الكلاسيكي في عصر النهضة ليعبر عن إعجابه الشديد بالحضارة اليونانية وليحجب تأثيرات الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا بزعم أن تلك الحضارة لم تقم بأكثر من دور “الوسيط” الذي نقل التراث الإغريقي اللاتيني إلى “أهله” دونما إضافة تذكر. فرغم أن الاستشراق التقليدي ساهم في تكريس هذه المقولة “الأيديولوجية” المتحيزة، إلا أن البحوث المعرفية الأكثر حداثة وجدية أفضت إلى اكتشاف حضارات شرقية أقدم وأعظم من الحضارة الإغريقية، ومنها حضارة وادي النيل التي لعب الفرنسيون دورًا حاسمًا في تفكيك شفراتها والترويج لمظاهر فتنتها، وفي عصر هـ. هوجو تحديدًا، كما تقصاه الباحث روبير سولييه في كتابه “مصر ولع الفرنسيين” (19)
أما من منظور الدرس المقارن التقليدي، وبحسب التقاليد الفرنسية ذاتها، فإن تأثيرات الشعر العربي على ف. هوجو ربما تحتاج إلى بحث مستقل وهذه هي الإشارة الثالثة التي نتوقف عندها بإيجاز. فالشاعر كانت له علاقة صداقة حميمة بمستشرق يدعي إرنست فوينيه (Ernest Fouinet) يصفه ف. هوجو بأنه “عالم موسوعي وشاعر ممتاز” كانت له دراية جيدة بالشعر العربي وترجم إلى الفرنسية مختارات منه بينها معلقة طرفة بن العبد وقصائد لتأبط شرًا وقطري بن الفجاءة وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وغيرهم. هذه النماذج القليلة ما إن قدمها فوينيه إلى صديقه الشاعر الشاب حتى أثارت دهشته وإعجابه بدليل أنه أوردها كاملة في مخطوطة ديوانه مبررًا ذلك بقوله:
“قراءة هذه النماذج التي تبدو على درجة عالية من التميز والجاذبية ربما تعوّد القارئ على ما يمكن أن يبدو له غريبًا في بعض النصوص التي يتكون منها هذا الديوان. وندين بهذه المقطوعات التي تنشر لأول مرة لكاتب ذي معرفة وخيال هو السيد إرنست فوينيه الذي يمكن أن يضع معرفته الواسعة بالشرق في خدمة موهبته الشعرية القوية. إننا سنحافظ على ترجمته التي تبدو لنا وفيّة للأصل وبالتالي فهي ممتازة” (20)
فالشاعر يعبر هنا عن إعجاب كبير بهذه “الشعرية المختلفة” التي استلهمها. وفي الوقت نفسه يدعو قراءه الفرنسيين إلى التفاعل مع نصوصه الخاصة في ضوئها إذ رغم أنها عينات قليلة إلا أنها “كالأحجار الكريمة” النادرة كما يقول الشاعر ذاته (21) هكذا يتضح أن الشرق الذي ينسب إليه الشاعر قصائده ويعلي من شأن آثاره العمرانية والأدبية في مقدمة الديوان، وفي هذه المختارات الملحقة به، لم يعد فضاء الآخر الخصم أو العدو، ولا مجرد موضوع بحث يخص الأكاديميين وحدهم. إنه أولاً وقبل كل شيء فضاء حضاري عريق ينطوي على ثروة غنية من الرموز والأشكال والقيم التي لا تزال تشع في الزمان والمكان ومن ثم فلا غرابة أن يتحول عنده، كما عند لامارتين وديلاكروا وغوته وغيرهم، إلى مصدر إلهام وأفق بحث واكتشاف لمنظومات فكرية ومعرفية وجمالية تختلف عما هو سائد آنذاك في أوروبا بقدر ما تعين على تجاوزه.




