آراء

لا يُجنى من الشوكِ العنب (١)

التسامح في معناه الحقيقي يعني تقبٌل وتحمُل ما لا يتوافق مع أهوائنا وما نطلبه من الغير. من أكثر الصعوبات التي تواجه المرء اليوم هي قدرته عن الدفاع عن الحرية. فالكثير من الناس يعتقدون أن الحرية ملكهم وحدهم وتعني حريتهم هم، وأن يفعلوا ما بدا لهم، وما هو في نطاق دائرة رؤيتهم صحيح، وفي نفس الوقت لا يريد هؤلاء الاعتراف أن الحرية وبشكل أتوماتيكي تفضي إلى فكرة أن حرية الآخرين تعني أيضا فعل الأشياء بطريقة معاكسة ومغايرة لأسلوبهم وطريقتهم. ومن حيث المبدأ نرى أنه من الضروري أن يبدأ التسامح باعتراف المرء بحرية من حوله والآخرين ولكن بأسلوبهم الخاص. التسامح أمر ليس بالسهل وموجع في كثير من الأحيان وله أثقال كبيرة على النفس والتفكير، لأنه وببساطة يُحتم علينا تقبل أراء وسلوكيات لا تنسجم وتتوافق مع رغباتنا وأهوائنا الداخلية.

ومن أكبر الأمثلة على تلك السلوكيات ارتداء الحجاب أو رفض سيدة مد يدها لمصافحة رجل لا ينتمي لنطاق الغير محرم عليها، اما بالنسبة للرأي فليكن مثالاً لذلك الاختلاف على مسائل الخطأ والصواب تحت مجهر الشريعة وتباعد وجهات النظر وحالة الحقن الداخلي التي يصاب بها الكثيرين لمجرد عدم التوافق مع ما نطرحه من رؤية وتفكير. سآخذ مسلكا تجاه الإسلام والذي يبدو ظاهريا ًللكثيرين وفئة كبيرة في شتى بقاع الأرض أنه من أكبر التحديات التي تواجه التسامح، فالكثيرين متيقنين تماماً ويعتبرون أن الإسلام بيئة ومنبع للإرهاب إضافة لمعادة المرأة وحقوقها وأرضية خصبة للعنف. هذا الأمر كانت نتائجه جلية واضحة، أن هؤلاء الفئة أخذوا على عاتقهم مسؤولية المنقذ المزعوم وأنه من الواجب عليهم النهوض ومحاربة بما يسمونه بمصطلح (أسلمة الغرب).

وما لا يخطر ببال تلك الفئة أنهم بهذا الفكر يدفنون نظام الحرية والتسامح في الغرب في قبر ضيق، وأكثر ما هو مؤسف في الموضوع أن نسبة كبيرة منهم لا يعرفون شيئا عن حقيقة الإسلام ولا يفرقون ما بين الإسلام كدين وما بين المسلمين كسلوك. وكان الأحرى بهم تحمُل مشقة معرفة الإسلام أكثر من مجرد إصدار أحكام غير موضوعية، ولا تتناسب اليوم مع ثقافة العصر. من غير المعقول اتهام فئة تعيش في دولة ما، مهما كان حجمها بأنها تسعى لخلق مجتمع موازي في جسم الدولة لأي سببٍ كان. ولنا في الماضي عبرة وفي التاريخ أسوةً في هذا الصدد، حيث تحرم هذه الفكرة الأشخاص من الاندماج في المجتمعات الغربية بالطريقة الصحيحة والتي تتناسب مع نظام الدولة ومبادئها.

وكعملية مطابقة للتاريخ نرى اليوم أن إقصاء كل ما هو إسلامي يتمدد في الذهنية الأوربية وهذا ما يشعل صراع لا تُحمد جوانبه. لا توجد في الحقيقة على أرض الواقع في أيامنا هذه أمة متجانسة منبتها وعرقها واحد.

تطور الحياة ألغى كثير من تفاصيل الماضي وأصبح العالم أكثر انفتاحاً على بعضه من ذي قبل بمراحل كبيرة، وفكرة الهوية الواحدة في أي دولة كانت، لم تعد ذات أهمية كبيرة ومحاولات إحيائها من جديد يعني وبشكل مباشر العودة إلى الماضي، وبالتالي نكون قد تعلمنا مما سبق لا شيء سوى تكرار نفس السناريو ولكن بأسلوب متمدن يناسب خصوصية حداثة اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق