
الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو
(“الشرقيات – “Les Orientales “لفكتور هوجو “1802- 1885”)
1421هـ = 2001م
معجب بن سعيد الزهراني
نعم، لا شك أن التمثيلات التي سنحللها في الفقرات التالية من البحث يمكن أن تكشف عن مواقف سلبية تمامًا للشاعر بخصوص شرقٍ ما. وهذه المواقف يمكن أن تجد مرجعيتها في تربيته الكاثولوكية الأولى، أو في الخطاب الاستشراقي التقليدي، أو في أيديولوجيا العداء للعثمانيين، (وهو عداء بلغ ذروته آنذاك بسبب حروب البلقان واليونان كما نعلم). لكن هذا البعد الدلالي لا ينبغي أن يحجب الدلالات الأهم لتلك التأثيرات الإيجابية لفنون الشرق العربي وثقافاته التي يلح الشاعر نفسه، وبأكثر من صيغة تعبيرية، على أن نصوصه لا يمكن أن تقرأ وتحاور إلا في ضوئها. فهذا الشرق الحضاري هو الذي فتنه منذ طفولته وشكل عنصرًا خلاقًا في تجربته الإبداعية أيام شبابه وتألقه، ولم تكن كتاباته عنه استجابة لموضة عابرة كما يذهب إليه بعض النقاد لأن الأمر يتعلق بتيار أدبي فني عام انتمى إليه الشاعر وظل رمزًا من رموزه البارزة إلى اليوم (22)
وفي كل الأحوال فإن هدف هذا البحث ليس إثبات أن هذا الشاعر كان يحب أو يكره الشرق والشرقيين، بل تحليل نصوصه من منظور نقدي حواري يساعد على التفهم العميق لأشكال حضور هذا الآخر وحضارته في تجربة شعرية غنية بالتمثيلات والدلالات. هذا وسنركز، لاعتبارات إجرائية، على تمثيلات “المدن الشرقية” و”الرجال الشرقيين” و”النساء الشرقيات” كيما نتقصى تلك الأبعاد الدلالية الغنية بعيدًا عن منطق الاختزال والأحكام التعميمية المسبقة أيًا كان مصدرها ومبررها.
5- المـدن الشـرقية:
القراءة الإجمالية لنصوص “الشرقيات” تسمح لنا بالتمييز بين ثلاث فضاءات مدينية شرقية يتم تمثيلها في النص الشعري من زوايا مختلفة باختلاف ما يسقطه عليها الشاعر من آراء ومشاعر وانفعالات لحظة الكتابة.
فهناك أولاً المدينة الشرقية المتخيلة، أو “الأسطورية” بمعنى ما، التي يستعيد الشاعر صورها وحكاياتها من “الكتاب المقدس” مما يعني أن مرجعية التمثيل هنا دينية في إطارها العام. وهناك ثانيًا المدينة الشرقية الموجودة في مكان من ذلك الفضاء الذي لم يزره الشاعر ولذا فهو يتحدث عنها استنادًا إلى المرجعيات الأدبية والثقافية المتاحة في عصره. وأخيرًا تأتي المدن الأسبانية التي عرفها الشاعر خلال مرحلة الطفولة وأصبحت آثارها الشرقية جزءًا من مكونات ذاكرته ووعيه ومخيلته ولذا فلا بد أنه يعيد تمثيلها شعريًا من هذا المنظور الذاتي الحميمي في المقام الأول. لنفصل القول بعض التفصيل في دلالات هذه المدن التي تحولت إلى فضاء مجازي يشيده الشاعر بالكلمات ليبرر مواقفه تجاهها وتجاه ما ترمز إليه من معانٍ وقيم وتواريخ.
5 – 1 – مدينة الحكايات التوراتية:
في القصيدة الأولى من الديوان، وهي بعنوان “نار السماء” تطالعنا صورة “سدوم” و”عمورة”، تلكما المدينتان اللتان غضب عليهما الرب “فأرسل عليهما مطر العذاب والنار ليدمرهما وأهليهما وكل البلدان المحيطة بهما وسكانها” كما ورد في سفر التكوين الذي يحرص الشاعر على الإحالة عليه في مطلع النص (23)
هذه القصيدة المكتوبة عام 1828، أي أنها من نصوص مرحلة التحول، هي الأطول في الديوان كله إذ تتكون من أحد عشر مقطعًا يدل ترتيبها على أن الشاعر أراد إعادة بناء الحكاية التوراتية في شكل نص شعري يجمع بين الملحمي والدرامي وينطوي على دلالات رمزية جديدة تبرر الحوار مع الحكاية ومرجعياتها القديمة.
المقطع الأول يخصص لمشهد السحابة الداكنة التي تعبر السماء وتلفت النظر إذ تظهر مرة داكنة ومرة حمراء قانية ومن هنا ينطرح التساؤل “من أين جاءت وإلى أين تمضي سحابة العذاب هذه”؟. هذا التساؤل المطروح بأسلوب شعري في نهاية المقطع الأول هو الذي يؤسس للبنية الدرامية في النص لأن السحابة المخيفة تلك ما أن تعبر فوق البحر – المقطع الثاني – حتى تسأل إن كان عليها أن تنصب عليه لتجففه في الحال فيجيبها صوت علوي بالنفي، ومن ثم تواصل رحلتها. إنها سحابة موجهة بإرادة الصوت الإلهي لا بقوانين الطبيعة، وما إن يتنبه القارئ إلى أن صوت الشاعر وإرادته حاضران في خلفية المشهد حتى يبدأ يتابع لعبة التمثيلات من هذا المنظور تحديدًا.
في المقطع الثالث تعبر السحابة فوق خليج تحف به الجبال الخضراء وتعيش فيه قطعان من الحيوانات البرية وجماعات من القبائل السعيدة، التي تعيش على الصيد ولا تعرف اللباس، وفي حياتها متسع من الوقت للرقص والمرح، ولذا فلا شيء يبرر الغضب عليها فيما هي النموذج الحي لذلك “البدائي المتوحش والطيب” الذي طالما مجده الخطاب الرومانسي بشقيه الفكري والأدبي (24)
في المقطع الرابع تبدو مصر بحقولها الممتدة كسجادة غنية بالزخارف بين بحر بارد في الشمال وصحاري دافئة في الجنوب، وأهراماتها الثلاثة تبدو كجبال من صنع البشر يحرسها أبو الهول. فوق هذا الفضاء الجميل وذاكرته الحضارية العريقة تتوقف السحابة لتسأل إن كان هذا هو فضاء العذاب المنتظر فيأمرها الصوت المزدوج ذاته أن تمضي بعيدًا عن بلد النيل والحضارة الأعرق والأجمل.
هنا تحديدًا نكتشف أن هذا “الفضاء الشرقي” يبدو جذابًا وفتانًا عند هوجو، مثله مثل فضاء الصحراء من بعده حيث “الرمال بعدها رمال في مكان خال ومقدس لا يعرف أسراره غير الرب الذي أنشأه” كما يقول الشاعر معبرًا عن مشاعره من جهة ومبررًا عدم استحقاق مكان آسر كهذا للعذاب من جهة أخرى.
في المقطع السادس تظهر “بابل” مدينة أطلال تسكنها الأشباح والتماسيح والسحالي وقطعان الفيلة والنسور الجارحة”، وعليه فلا معنى لتعذيب مدينة خربة كهذه. في المقطع التالي والأطول في النص تظهر المدينتان المغضوب عليهما وهما تتصفان بمجموعة صفات تبين سبب الغضب والتدمير. فهما، أولاً، مدينتان غريبتان غير معروفتين، مما يعني أن الشاعر لا يريد تحديد انتماءهما وهويّتهما رغم أنهما في فضاء التمثيل وحكاية العذاب الأصلية ينتميان إلى “الشرق” العتيق. وهاتان المدينتان تبدوان مليئتين بالأصنام والناس والعربات والحدائق والقصور والبروج والجسور والقنوات.. مما يدل على أنهما بلغتا درجة متقدمة جدًا من العمران. من جهة ثالثة يعيش أهل المدينتين حياة ترف ولهو وملذات محرمة ولذا فهما “تلوثان العالم”، وتدميرهما بتلك السحابة النارية الهائجة هو خلاص للعالم من الشر والإثم، وهذا ما يستعيده الشاعر من المرجعية التوراتية ومن ثم فلا جديد هنا (25) ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بهذا الصدد يتعلق بالدلالة الجديدة لهذه المدن القديمة، أي بالدلالات الرمزية التي أراد الشاعر الإيحاء بها وهو يحول الخبر التوراتي إلى نص شعري مطول كهذا!.
في المقاطع الأخيرة من النص، وهي قصيرة جدًا، تظهر بداية الخيط الدلالي الأهم في اعتقادنا؛ فالشاعر لا يريد حصر دلالة الخبر والنص في سياق “شرقي” أو “غربي” محدد، بل يعمل على إطلاقه ليشمل أي مدينة تسير سيرة تلك المدن “المترفة الكافرة”، ولهذا يحرص على القول بأن أحدًا لم يسمع ولم يتعظ بأصوات الفزع والألم التي يفترض أنها عمت الأرض كلها. إننا هنا أمام رؤية إنسانية ممتزجة بالمشاعر والأفكار الدينية هي التي تجعل الشاعر يعاين التاريخ والواقع من هذا المنظور التراجيدي الذي لا أمل في الخلاص منه إلا بنسيانه، هذا النسيان الذي يعطي للتذكير بتلك الحكاية دلالة العبرة ووظيفتها عند الشاعر وأمثاله. بعد هذا لعل المحصلة الدلالية الأهم لهذا النص المطول تتصل بتلك الجاذبية التي يعبر عنها الشاعر تجاه الحضارة المصرية العريقة من جهة وتجاه الصحراء العربية وما تنطوي عليه من قيم وأسرار قدسية من جهة أخرى وهذا ما سنعود إليه لتعميقه لاحقًا.
5 – 2 – مدن الشرق الواقعية:
لا يخصص هوجو لمدن شرقية عريقة كأسطنبول أو دمشق أو القاهرة أو بغداد.. نصوصًا بعينها لكنها حاضرة في مقاطع متفرقة من قصائده بطرق غير مباشرة وذلك ربما يعود إلى أن الشاعر سمع وقرأ عنها دون أن تكون له أية صلة مباشرة بها كما لاحظنا.
من هذا المنظور لاشك أن عاصمة الإمبراطورية العثمانية هي المدينة الأكثر حضورًا ودلالة إذ أن الشاعر يتحدث عنها في كل نص من منظور مختلف؛ ولذا فمن المنطقي ألا تكون تمثيلاتها المتعددة ذات بعد دلالي واحد وإن كان الإطار العام واحدًا. أول ما تحضر هذه المدينة المركزية عبر قصور السراي الفخمة الدالة على عظمة الإمبراطورية من جهة وعلى حياة الترف التي يعيشها السلطان والطبقة الأرستقراطية المحيطة به. ففي مقاطع من قصيدة “رؤوس السراي” (26) تبدو أسطنبول مدينة بهيجة ذات جبين تزينه ظلال الأشجار مستلقية على شاطئ خليج تجعلها مياهه تبدو كما لو كانت كوكبًا فاتنًا تضيئه أنوار السماء إذ تلتمع انعكاساتها الراقصة على الأمواج الهادئة. وتتعزز فتنة هذه المدينة الجميلة ببعد دلالي آخر يتصل فيه الجمال بالقوة إذ تبدو المدينة وكأن قوى علوية خفية هي التي رفعت عاليًا قصورها وقبابها الزرقاء التي تضاهي قبة السماء وعليها ألف هلال وهلال يكاد جمالها ينسي الرائي الهلال الحقيقي. أما هويتها الشرقية – الإسلامية فتتجلى عبر تفاصيل أخرى كأسطح المنازل المستوية ومنابر المساجد البيضاء والشرفات الواسعة ذات المشربيات التي تسمح برؤية الخارج دون أن يهتك سرها أحد من العابرين، وتلك الأسواق المترعة دكاكينها وبضائعها بالألوان الجميلة، هذا فضلاً عن الحدائق وبساتين النخيل التي تحيط بالمدينة المبنية في واحة شرقية تطل على البحر مما يجعلها مدينة حلم رومانسي لا مدينة واقع فحسب (27)
هذه الصورة الجميلة إلى حد الفتنة سريعًا ما تدخل في علاقة تقابل وتعارض مع مشهد الحياة داخل قصر السلطان العثماني الذي يبدو في الليل كأنما هو في عرس، إذ تتعالى منه أصوات الموسيقى والرقص على السجاجيد الحريرية الشرقية لأن كل من فيه يحتفلون بالنصر في معركة من معارك البلقان، ولذا فإن جزءًا من المشهد يتمثل في رؤوس الأعداء الثلاثة المقطوعة التي أرسلت للسلطان وحاشيته! وعلاقة التضاد هذه هي التي تكشف عن موقف الشاعر الذي يبدو مفتونًا بهذه المدينة الجميلة لكنه يحرص على الإيحاء بأن نعيم الحياة “هنا” يقابله جحيم الحياة في مدن أخرى هي تلك المدن اليونانية والبلقانية التي تهيمن عليها أسطنبول وينبغي أن تتخلص وتتحرر من هيمنتها حسب رأي الشاعر.
يتبع




