سياسة

كوفيد – 19 في القرن الأفريقي (١)

بناء الثقة أثناء الأزمة

د. انيتا فيبر DR.Annette Weber

ترجمة د. حامد فضل الله

يصيب فيروس كورونا في القرن الأفريقي، تلك الدول التي تواجه بالفعل العديد من المشاكل: النزاعات المسلحة المستمرة، والجفاف وانعدام الأمن، والتي جعلت أكثر من ثمانية ملايين شخص نازحاً في بلدانهم، و3.5 مليون آخرين فروا لاجئين إلى البلدان المجاورة، حيث يعيشون في مخيمات مكتظة بهم. تعيش جميع دول المنطقة في حالة هشة من التحول السياسي أو تم إضعافها بشكل كبير نتيجة الحروب وفشل الحكومات. لا تكفي طاقاتهم الذاتية على احتواء جائحة كوفيد – 19 ولا للتخفيف من عواقبها، مثل البطالة والفقر والجوع. من أجل عدم تعريض الديمقراطية للخطر في السودان وإثيوبيا، ولتأمين أنظمة للضمان الاجتماعي وكسب ثقة السكان، يتطلب الأمر اتخاذ حزمة مساعدات عاجلة من الخارج، تضمن بقاء عمل اقتصاد هذه الدول. ويجب مع ذلك، أن يكون الدعم على المدى الطويل مرتبطاً بشرط، أن يذهب جزء كبير من الاستثمار في بناء قدرات الدولة.

تعد شرعية الحكومة ودرجة مصداقيتها لدى السكان مسألة مهمة، أخيرا وليس آخرا في مكافحة فيروس كورونا بشكل فعال والتعامل مع الأضرار المترتبة على ذلك، وقدرتها على فرض تطبيق الأوامر، أو انفجار الاضطرابات الاجتماعية.

وسوف يتحدد كيفية حكمها منذ الآن، صيغة العلاقة بين الدولة والجماهير في أعقاب الوباء. وعلى الرغم من وجود قدر كبير من الدعم الشعبي الآن، للحكومات الحالية، إلا أن هذا الدعم قد ينخفض في حالة ارتفاع عدد الإصابات أو عدد الوفيات بسبب المجاعة أو حدوث أعمال شغب.

وسوف يزداد هذا الخطر، كلما امتلكت السلطة التنفيذية فترة أطول في مواجهة الوباء، مما يؤدي الى ترسيخ، الأنظمة الاستبدادية. إذ تمنع الحكومة في الصومال الصحفيين من تقديم تقارير انتقادية. كما تحظر الحكومة في إثيوبيا الاتصال بالإنترنت في أجزاء معينة من البلاد. بالإضافة إلى ذلك، تنتشر المخاوف من أن يؤجل رئيس الوزراء أبي أحمد الانتخابات مستغلاً الظروف الاستثنائية، ويقوم بحل البرلمان وتشكيل حكومة تصريف أعمال وهذا من شأنه أن يضر بشرعية الحكومة ويجعل المصالحة صعبة في الدولة المنقسمة سياسياً وعرقيا.

لقد تم اتخاذ تدابير صارمة في جميع البلدان، لمنع انتشار الفيروس. هناك خطر كبير من أن يؤدي نقص الغذاء والجوع والنهب والاضطرابات الاجتماعية إلى فشل الحكومة واندلاع الصراعات المسلحة. وكلما طالت القيود، كلما أصبحت الحكومات أقل قدرة على توفير المواد الغذائية لشعوبها، كلما أصبحت المنطقة غير مستقرة.

الوضع في القرن

لا تزال بلدان كثيرة في القرن الأفريقي في المراحل الأولى من الوباء. عدد الحالات منخفضا، ولكن العدد القليل من اختبارات الكشف الصحي يجعل النظرة العامة صعبة. لقد كان الرد سريعاً في السودان. أغلقت الحكومة الحدود قبل أن تعلن حالة كوفيد واحدة في داخل البلد. يسري حظر التجول الليلي في السودان، وقد فُرض حظر تجول شامل في العاصمة الخرطوم. لا يزال رئيس الوزراء السوداني يتمتع بثقة الشعب. تجمع تجربة الإطاحة بالنظام القديم والتجديد للبلاد التي تم تحقيقها، الى تلاحم العديد من السكان في السودان. ومع ذلك، فإن الحكومة لا تقف على أرض ثابتة، لأنها لا تستطيع الاعتماد بالكامل على المؤسسات التي لا تزال مملوكة لأغلبية أعضاء النظام القديم.

يتزايد التخريب والإجراءات التخريبية من قبل ممثلي النظام القديم. لقد رفض الفريق الركن أحمد عابدون حماد، محافظ العاصمة، على سبيل المثال، فرض حظر التجمع في مساجد الخرطوم. ينظم إسلامويون من صفوف نظام البشير السابق مظاهرات ضد حكومة رئيس الوزراء ويدعون الجيش إلى تولي السلطة. تم الإبلاغ عن الهجمات على مرافق الدولة احتجاجًا على قيود التنقل وحظر الخروج الحكومي من الإقليم الشمالي ويمكن أن تتوسع الى جميع أنحاء البلاد. لا يزال ميزان القوة بين الجيش والمدنيين متساوياً ومتماسكاً في الحكومة الانتقالية. كما استجابت الحركات المسلحة بشكل إيجابي لنداء الأمين العام للأمم المتحدة لإعلان وقف مؤقت لإطلاق النار لمواجهة الأزمة.

يختلف الوضع في إثيوبيا المجاورة إلى حد ما، فقد استمرت الخطوط الجوية الإثيوبية في السفر يوميًا إلى الصين حتى مارس. جاءت الدعوات للسكان للبقاء في المنازل متأخرة. أصبحت حكومة إثيوبيا في 8 أبريل، أول دولة في إفريقيا تعلن حالة الطوارئ. من ناحية أخرى، تفاعلت الصناعة في إثيوبيا بسرعة، وحولت مصانع النسيج إنتاجها إلى انتاج كمامات وقائية. يلعب رئيس الوزراء أبي أحمد دور منسق الأزمات الإقليمية. وتقوم الخطوط الجوية الإثيوبية بتوزيع المساعدات إلى القارة عبر أديس أبابا. كما نجح أبي أحمد في إظهار نفسه في وسائل الإعلام كممثل للقارة، الذي يقوم بتعبئة استثمارات المساعدة الضرورية من خلال مقالات افتتاحية ورسائل. في بلده نفسها، تتضاءل، من ناحية أخرى الثقة في الحكومة داخليا، على الأقل في بعض أجزاء البلاد، وتدور شائعات خاصة عبر الاِنترنت عن ميول ديكتاتورية واحتجاز وشيك للمعارضين السياسيين.

أقل ما يبعث على الأمل هو الوضع في الصومال وجنوب السودان، وهما دولتان في القرن الأفريقي حيث تتسبب الصراعات الحادة في نزوح جماعي وحيث لا يمكن تصور حصول تقارب سياسي أو وقف إطلاق النار، كما هو الحال حاليًا في السودان. على الرغم من معاهدة السلام، فإن ثقة السكان بالمعارضين السابقين في جنوب السودان منخفضة؛ ولا تزال الاشتباكات العنيفة بين الجماعات المتصارعة مستمرة. يعتمد أكثر من نصف السكان على المساعدات الغذائية ولم يتم حتى الآن إنشاء نظام صحي فعال. يعيش أكثر من 2.2 من 12 مليون نسمة بشكل رئيسي في البلدان المجاورة كلاجئين، ويُشرد حوالي 1.5 مليون داخل بلادهم. وقد قامت منظمات المساعدات الإنسانية بتقديم امدادات جزئية تحت حماية بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في السودان. وبما أن الحكومة قد قامت سابقا بالاستعانة بمصادر خارجية وعهدت إلى منظمات المساعدات الدولية بتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان، فإنه لا يمكن الافتراض بأن تتولى هذه المنظمات ادارة هذه الأزمة من جديد. كما من غير المرجح ان تستخدم الحكومة في جوبا الأزمة في بناء الثقة، وانما المرجح أن تستمر شرعيتها في التآكل.

تواجه الصومال أكبر التحديات من جميع دول المنطقة. من بين 15 مليون صومالي، يعتمد ثلثهم على المعونة الغذائية، وأصبح 2.6 مليون نازح داخليًا بسبب الحرب أو الجفاف، ويعيش ما يقرب من مليون لاجئ في البلدان المجاورة. الحكومة المركزية في مقديشو في صراع سياسي مع بعض الولايات الفدرالية. وتتفاقم هذه الصراعات بسبب وجود معسكرات معادية في دول مجلس التعاون الخليجي. تدعم قطر وتركيا الحكومة المركزية في مقديشو، بينما تدعم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الولايات الفدرالية بالمال. وهذا يوسع الفجوة بين الحكومة والولايات الفدرالية.. ونتيجة لذلك، لا يمكن بناء القدرات ولا تنفيذ الاجراءات. في غضون ذلك، تستعد حركة الشباب الجهادي (الاِسلامي) وتنفذ هجمات ضد أجهزة الأمن الصومالية وبعثة الاتحاد الأفريقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق