سلايدرسياسة

صراع النيل … سد النهضة … إلى أين؟

من الرابح والخاسر؟

عماد الخالدي

منذ فترة ليست بالقصيرة تعيش السودان ومصر حالة من القلق حيال أزمة سد النهضة الأثيوبي، وحتى الان لا حلول تبدو في الأفق القريب، ويبقى السؤال إلى متى تراكم الخسارة تلو الخسارة ينهش في جسد تلك القضية، وكل ما نراه هو أُبر تخدير من هنا وهناك تُوخز في قلب القضية ولكن بلا جدوى.

لا يخفى على أحد ان الأمور تزداد حدتها والتنبيه تكبر مساحاته باستجرار تلك الأزمة إلى ما لا يُحمد عقباه إن لم يتم إيجاد حلول واعية ومُنصفة، وبعيداً عن الرؤية الضيقة للأزمة فإنها تعتبر بمثابة انقلاب استراتيجي للمنطقة ككل بما له من دور فاعل في تحديد كيفية إدارة كثير من المشاريع المرغوب تنفيذها في الإقليم من قوى عُظمى، وبالتحديد هي عقلية الاستحواذ على عروش الحُكام في الشرق الأوسط وبالذات القرن الأفريقي.

هذا التكالب المسعور من قبل اللاعبين الإقليميين على حوض النيل كما لو أنه رصاصة في خاصرة المنطقة زُرعت قبل سنوات تسعة مضت ولا زال نزفُ مكانها يوغر لهيباً يكاد يخرج من مرحلة الخمود إلى الانفجار في حال لم تصل دولتي المصب إلى معالجة فتيل هذه الأزمة قبل أن يشتد أوارها وتحرق المنطقة بتداعياتها.

وبرغم الكثير من المحاولات لمدٍ سُلم درجات التفاوض أمام تصلٌب الرأي الأثيوبي كي تنزل في متطلباتها وتوقع اتفاقية التقاسم ضمن ما يناسب الجميع وعلى مبدأ لا ضرر ولا ضرار، لكن لم تثمر أي من تلك المحاولات.

توقيع إعلان المبادئ في الخرطوم ما بين المحاور الثلاثة لم يُجدٍ نفعا حتى الآن برغم أن واقع الحال يقول إن مياه النيل تكفي للجميع وعلى وجه الخصوص إذا تكاتف أصحاب القرار وتوافقت الرؤى السياسية.

ضربت أثيوبيا بعرض الحائط مفاوضات التسعة سنوات المُضنية بعدما لاح في الآفق بوادر انفراج لحلٍ يرضي كل الأطراف بعدم حضور الاتفاق في واشنطن بعد أن تدخلت الولايات المتحدة وبمشاركة مع البنك الدولي لوضع أُسس حل الخلاف ما بين الجيران حول الآليات المناسبة لملء وتشغيل السد.

وأصدرت فيما بعد أثيوبيا قراراً بأنها عازمة على البدء في ملء السد في تموز المقبل، في وقت حثت الشقيقتان السودان ومصر برسالتيهما إلى مجلس الامن أنهما يودان من أثيوبيا توقيع الاتفاق بما يضمن السلام والأمن في المنطقة دون الاضطرار للخوض في اختيارات قد تكون كارثية في حال الاعتماد على رد الفعل على عدم التوقيع دون النظر إلى العواقب السياسية.

ما نراه من خلال الوقائع أن أثيوبيا خرقت الاتفاق وشرعت في تشييد السد دون أي تنسيق مع الدولتين ولم تلتزم بأُطر الاتفاقية الموقعة سابقاً في كيفية استخدام مجاري الأنهار للأغراض غير الملاحية والتي وُثقتها جمعية الأمم المتحدة في عام 1997.

وخصوصا فيما يتعلق بوجوب إخطار البلدين في حال عزمها على بناء مشروع ضخم كما سد النهضة، وإضافة لذلك تجاهلت الاتفاقية الموقعة مع السودان في بدايات القرن الماضي، بعد تنازل الأخير عن منطقة (بني شنقول) لصالح أثيوبيا مع التأكيد على شرط عدم إقامة أي مشاريع مائية على النيل إلا بعد استشارة مصر والسودان وموافقتهما.

حتى اليوم أنجزت أثيوبيا ما يقارب من 70% من السد تحت ظلال المفاوضات كما لو أنها تريد أن تفرض الأمر ويكون واقعاً غير مقبول المساس به.

في السودان لم يكن لحكم جبهة الإنقاذ مع المعزول عمر البشير موقفاً واضحاً تجاه سد النهضة، إنما كان ضبابياً على الدوام.

وما زاد الوضع بلة أنه بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر تحول الموقف السياسي في السودان من الضبابي إلى تأييد كامل لأثيوبيا في مشروعها متجاهلاً حجم الضرر الذي سينتج عنه هذه التأييد وما سيسببه من اختلال في توازن الامن المائي السوداني.

ما يمكن قوله في هذا السياق أن نظام المعزول البشير وحسب سياسيون ومفكرين سودانيين أن مزايا سد النهضة بالنسبة للسودان تعادل تلك المزايا التي توافرت مع بناء السد العالي في مصر مثل الري الدائم وحماية السدود من الانجراف والطمي

وعلاوة على ذلك إن أثيوبيا وعدت السودانيين بحوالي ألفي ميغاوات من أصل الستة آلاف المقدر أن يُولدها السد وبأسعار قليلة جداً، إلا ان أصواتاً في الداخل السوداني علت محذرةً من الوقوع في شر كارثة مقبلة بالسودان في حال تم إتمام بناء السد وبدأ عمله.

الدكتور وليد آدم مادبو خبير التنمية العالمية السوداني آثار قلقه الشديد حول المشروع واعتبره تهديد لحياة السودانيين واستقرارهم  وأضاف أن السودانيين مقبلين على ظروف قاسية تتمثل بانقلاب الوفرة في المياه إلى جفاف  قد يحرم السودان حتى من الزراعة لدورة موسمية واحدة  لا اثنتين كما جرت العادة, إضافةً إلى أنه لربما تتقلص الكهرباء وربما تنعدم في حال قررت أثيوبيا استخدام السد كسلاح وورقة ضغط, والجدير بذكره أن أثيوبيا امتنعت عن إدراج أي بند في إعلان المبادئ عن التزامها بعدم الإضرار بأي من مصالح الدول المطلة على المصب.

أما مستشار الأمم المتحدة ووزير الري السوداني الأسبق يحيى عبد المجيد، فقد حذر في مناسبات عديدة أن الهضبة الأثيوبية هشة جداً وأن عمر السد لن يطول في حال تم إنجاز بناءه بالكامل وتم ملؤُه.

وفي السياق نفسه أقرً الدكتور أحمد المفتي العضو المُستقيل من اللجنة الفنية لبناء سد النهضة أن مخاطر السد والسلبيات المحيطة بالمشروع تحيط بالسودان كما السوار في المعصم، وفضح بما أورده من تفاصيل الفوائد المُرتقبة والمزعومة من إنشاء السد، ومنها ضياع حقوق السودان المائية إضافة لفقدان ما يقارب نصف الأرض الزراعية المُعتمدة على النيل الفيضي في ريها، مما يهدد شريحة كبيرة من السودانيين الفقراء إلى الدخول في حالة من تردي الأوضاع أكثر مما هم عليه.

دراسات أميركية أٌجريت حول السد تقول إن عمر السد يمكن أن يصمد ما بين 20 – 25 عاماً، أما دراسة ألمانية فأكدت أن السد لن يصمد أكثر من 7 – 12 عاماً على الأكثر.

أوراق الأزمة كثيرة ويقظة الإرادة هي المفتاح لحماية الأمن المائي المصري والسوداني، وتلك البقعة من العالم ما انفكت عبر تاريخها من الضغوط والمؤامرات.

حان وقت الأخذ بزمام الأمور وإعادة الأمور إلى نصابها بعد كل هذه السنوات من المفاوضات الغير مثمرة.

إن عودة الوعي إلى القرار القيادي في السودان بعد عودة الروح للنخبة المدنية أمر يُثلج الصدر ويدعو للتفاؤل، والوقوف في وجه مشروع أقل ما يمكن أن يٌقال إن أبعاد تشييده مضرة للمنطقة بكل المقاييس، هو أول الخطوات الواجب اتخاذها لمصلحة السودانيين أنفسهم والوقوف يداً بيد بوجه أي حالة ابتزاز تمس الامن المائي والذي هو من أهم أعمدة الامن الوطني.

لعبة السكين على شريان حياة السودانيين والمصريين قد ولت أيامها وفقط هم من بوسعهم إيقاف قطع ذاك الشريان.

ولا ننسى أن السد يضٌر بمصر وآمنها المائي أيضا، فمحاولة الهيمنة على النيل الأزرق يعني أن حصة مصر سينقص منها ما يقارب ال 25% في حال امتلأ الخزان في 5 سنوات، وهذا النقص خطرُ كبير على الدلتا وبالتالي فقدان ملايين الفلاحين مصدر رزقهم وعملهم.

ما يتوجب في هذه المرحلة، هو تظافر الجهود بين الخرطوم والقاهرة لفرض حلٍ عادل على أثيوبيا وعدم الانسياق في دوامة الانتظار حتى إنهاء بناء السد بالكامل.

النيل يكفي الجميع، ومن العادل أن الحل يكون بحفظ حقوق الدول الثلاث واتخاذ قرار سياسي شجاع من القادة. وعدم الانجرار لفتنة مجهولة الهوية.

30 % المتبقي من السد ليتم إنجازه فهل يمكن لإثيوبيا الصمود وتمديد الأزمة كما فعلت لتسعة سنوات من قبل …فهل ستنجح في ذلك ……؟

أم أن حُسن التقدير لما هو قادم في منصات القيادة السودانية والمصرية…… سيكون له أكبر الأثر وتبدأ الأمور تأخذ منعطفاً آخر؟

التاريخ لا يرحم … وجزّ الأعشاب في المنطقة لم ينتهي بعد …. فهل نرى للأزمة نهاية كما تريدها الشعوب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق