ثقافة وفن

أرسطو والعــــدالة

خديجة منصور

إن الإبحار في فلسفة أرسطو يجعلنا نتوق للوصول إلى شطآنه وأنه رغم وجود الشراع ممكن أن تغير الرياح وجهتنا، وهذا ما وصلنا إليه من خلال الغوص في أعماق الفكر اليوناني القديم، توقفت بنا الرحلة عند حدود الحضارة الإغريقية العريقة، وقفنا خلالها على ما حققه مؤسسو هته الحضارة في مجالات مختلفة، فكانت أفكارهم ونظرياتهم موجهة للمواطن اليوناني بصفة خاصة وللإنسانية جمعاء.

وتأثرنا بالفكر اليوناني القديم الذي استلهمت منه العصور اللاحقة (عصر الوسيط عصر النهضة وعصر الأنوار…) باعتباره موروثا لا ماديا، تفرعت جذوره بين الشرق والغرب..، لما أنتجه فلاسفته في مجالات عدة كالسياسة والطب، الشعر، الموسيقى ….، ومن أهم رواد هذا الفكر “الفيلسوف أرسطو” أو المعلم، هذا الفيلسوف المخضرم، الذي أتحف الفكر الفلسفي بمجموعة من المؤلفات المهمة التي مازالت تداعياتها حاضرة إلى يومنا هذا، فهو فيلسوف الماضي والحاضر.

كانت الرحلة ممتعة مع “مفهوم الدستور عند أرسطو”، هذا المولود الذي أنجبته الفلسفة والسياسة، وتبنته الحضارة اليونانية، استعرض فيلسوفنا أهم التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاصرها وأنظمة الحكم من خلال  مؤلفه “السياسة”، مرسخا أفكارا مختلفة وجديدة كفكرة المجتمع الطبيعي وتقسيم السلطات و الاختلاف الطبقي، فإن اهتمامه بالسياسة كان له وقع جيد في علم السياسة حيث أقحمها في أحد العلوم العملية، وما يؤكد هذا دراسته لأكثر من مئة دستور، فغايته من السياسة هو تأسيس مدينة فضلى، وضع لها دستورا مناسبا يتوافق مع جميع الطبقات الاجتماعية، وبعد تطرقنا سابقا لمفهوم “المواطنة” كأحد الأسس التي تقوم عليها المدينة الفضلى عند أرسطو، سنحاول من خلال هذا المقال التطرق ” لمفهوم العدالة “.

          اشتقت كلمة العدالة من الفعل عدل، يعدل، عدولا وعدالة أي مال ورجع إلى الاتجاه الصحيح، ومنه نقول عدل عن الأمر أي تركه ورغب عنه أما في الاصطلاح، فتعني كلمة عدالة الاستقامة والاستواء وضدها الظلم والجور.

إن هذه التحديدات اللغوية والاصطلاحية للفظ العدالة سواء في التداول العام “احترام حقوق الغير والدفاع عنها ” أو في بعض المعاجم المختصة justice   المشتقة من judex اللاتينية أي قول الحق، والعادل le juste هو قائل الحق، تحيلنا كلمة عدالة على مستويين في الدلالة:

• مستوى يرتبط بالمؤسسات القانونية والقضائية، التي تضمن السير العادي للعلاقات التي تربط بين الناس بعضهم ببعض.

• مستوى يرتبط بالعدالة كدلالة أخلاقية تتضمن اختيارات الأشخاص أنفسهم، وهذا المدلول الأخلاقي للعدالة يسمح لنا (بأن نميز في مفهومها بين الخصائص)، بأن نبرز أهم خاصية تميزها عن غيرها من المفاهيم، وهي العلاقة الوثيقة التي تربط بين العدالة وبين مفاهيم عديدة مثل المساواة والحق والحرية.

إن العدالة من حيث هي تمايز الإنسان عن غيره من الناحية المبدئية، لا تعير أي اهتمام لأوضاع الفرد الاجتماعية ولا للفوارق الفردية بين الناس، فكل إنسان يمكنه الاستفادة منها، وهذا هو المعنى الذي نكونه عنها.

يفرض علينا غياب العدالة أو حضورها البحث عما ينبغي أن يكون، وذلك بغية الوصول إلى الغاية أو الكمال المتصور ذهنيا، أو ليس العدل في النهاية عدولا عن نقص السلوك والبحث عما هو أمثل وأسمى؟ هل العدالة فكرة مطلقة أم نسبية؟ فهذا السعي الدؤوب نحو العدالة كمثال أعلى لم يجعل مفهوم العدالة ضروريا بالنسبة للفلسفة والفلاسفة فقط بل جعله ضروريا بالنسبة للإنسانية جمعاء، فما هو الأساس أو الأسس التي تقوم عليها العدالة كقيمة أخلاقية عند أرسطو؟ كيف تمارس فعلها وعملها على مستوى الفرد والمجتمع؟ وما حدود هذه العدالة؟

يقول أرسطو: “وأما العدل فهو فضيلة اجتماعية لأن العدالة نظام المجتمع المدني، وما العدالة إلا القضاء بالحق.”         “م. السياسة ص10” تبدو لنا فكرة العدالة كقيمة أخلاقية عليا، فضيلة اجتماعية تقتضي من الفرد أن يطبق في حياته قواعد أخلاقية ثابتة.

إن هذه الفكرة الأخلاقية لمفهوم العدالة تتجاوز كل التشريعات القانونية والاجتماعية مادامت متجسدة في أفعالنا وأفكارنا وأقوالنا، فمن أين يستمد الشخص هذه العدالة؟ ما هو أساسها؟ ولم هي فضيلة؟

“والحق ضد الظلم و الظالم هو غير القانوني  والمضاد لقواعد العدالة أي الجائر، وعلى هذا يكون العادل هو القانوني و المنصف “، “أرسطو أخلاق نيقوماخوس ص95″، يتفق أرسطو مع أفلاطون حول اعتبار العدالة فضيلة مكتملة وسامية، انطلاقا من تحليله لفكرة العدالة التي لا يمكن إدراك معناها إلا عند ربطها بتصوره للفضيلة الأخلاقية، فالفضيلة الأخلاقية لها علاقة بالعادة هذه العادة التي تنمو وتتطور بفضل وجود استعداد طبيعي لدى الإنسان يمنحه القدرة على قبول الفضيلة، والفضيلة لها علاقة مع الآخرين، فتبادل الخيرات ووجود تفاوت بين الناس في التبادل وفي الملكية، يفرض علينا طرح السؤال التالي :هل من السهل أن يكون الفرد عادلا في مثل هذا الوضع ؟وكيف يمكن تحقيق المساواة بين الأفراد؟ يجيب أرسطو عن هذه التساؤلات من خلال التمييز بين مفهومين للعدالة :الأول عام، و الثاني خاص ، فالعدالة بالمعنى الأول تعني الالتزام بالقوانين و للضمير الأخلاقي حفظا للمصالح العامة، بذلك تكون العدالة مرادفة للفضيلة، أما العدالة بالمعنى الثاني فتعني المساواة وفي هذه الحالة تسمى العدالة إنصافا، وحينما تصبح العدالة إنصافا نكون أمام نوعين من العدالة: عدالة توزيعية justice distributive  وتعني توزيع الخيرات وثروات المجتمع على أفراده حسب طاقاتهم وأعمالهم، وعدالة تعويضية justice corrective  وتتمثل في تنظيم المعاملات بين أفراد المجتمع على أساس القوانين والأعراف، وهدفها هو تصحيح السلوك الخارج عما تحدده القوانين .

إن العدالة كإنصاف تمثل حدا أوسط بين الإفراط والتفريط، وصاحبها صديق الفضيلة بفطرته، ويمتلك حكمة نظرية، وهو قادر على تسيير شؤون المدينة على أسس عقلية متينة وتلك هي قيمة الفضيلة، لهذا يمكن أن نقول مع أرسطو: “ليس هناك أشخاص عادلون غير أولئك الذين يستنيرون بفكرة العدالة كإنصاف، أي أولئك الذين يمثلون روح القوانين والعدالة لا توجد في المجتمع كممارسة إلا بقدر ما يوجد أفراد عادلون أو أولئك الذين يطبقون العدالة كفضيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق