
الأديب الطيب السراجي 2
مفتاح المعرفة
أبوبكر عابدين
وكلما حاول “كامل كيلاني” أن يلفت نظره إلى الباشا وبقية الأدباء، كان يقول له أين العلماء هؤلاء “قش”.
وكم شكوته لأصدقائنا وحاولت وحاولوا معي أن يفهموه أن العلماء في مصر يتبادلون الثناء والتقريظ وأنت دائما تبدأهم بالنقد والنقد الذي يكشف حقيقتهم ويقلل من قيمتهم فكان يقول رحمه الله هكذا خلقت جلفا لا أستطيع أن أغير إهابي.
وكانت صرامته هذه وحرصه على ذكر الحقيقة هي التي أوصدت أمامه الأبواب فلجأ إلى دار الكتب وكان قد تعرف به أستاذ فاضل يدعى “عبد الله أمين” عرف الشيخ الطيب على حقيقته وحاول أن يصقله نوعا ما حتى يجد له بابا وبدأ الأستاذ يأخذ بعض المخطوطات ويقرأ منها ويصحح ما فيها من خطأ علمي أو تحريف أو تصحيف.
وعاد إلى السودان فما طابت له الإقامة في مصر وعدنا سيرتنا الأولى نقرأ كل ما هو عربي صميم ونجد في “السراجي” المعين الذي لا ينضب.
ومات الشيخ الطيب ولكن كيف مات فذلك سر ما زلنا نعجز عن كشف النقاب عنه، لقد مات الأستاذ مقتولا وما كان الأستاذ يوما ما منذ أن عرفناه يحمل الحقد أو يذكر الناس بسوء أو يتتبع الهفوات بل كان قليل الاتصال بالناس، قليل الحديث وإذا تحدث فكأنما يهمس همسا.
عرفناه عفا نظيفا مؤمنا ما مرت بلسانه كلمة أحس بأنها خارجة عن الحدود إلا كان لسانه يسبق بالاستغفار.
كان معي قبل موته أو قتله بليلتين فقد كان يفكر في أن يتزوج لأنه كان فارغا كما يقول.
إنها حكمة الله أرادت لهذا الأستاذ الذي كان يسبح وحده والذي كان يفخر أمامنا دائما بأنه ليس هناك ابن أنثى أعلم منه بهذه الحروف الثلاثة وما حوت (ع .ر.ب) أراد الله له أن يموت هكذا موتا شاذا غريبا كما كان هو في علمه ومعرفته وحبه للعرب والعروبة شاذا وغريبا ونادر المثال.
رحم الله أستاذنا بقدر حبه للغة القرآن وحرصه عليها وإخلاصه لها وحث الناس عليها ورحمه الله بقدر ما كره الاستعمار والنفاق والخداع
٤) رثاه الشاعر “محمد المهدي المجذوب”
في ديوانه “نار المجاذيب” بقصيدة من اثنين وخمسين بيتا عند مصرعه، ومنها هذه الأبيات:
الشطُّ لا تدنُ منه اليومَ شطُّ دَمِ
فإن ظمئتَ فعاقِر دمعَ منتَقِمِ
أَتبع جفونَكَ إن أبصرتَ راحلةً
بين المناكبِ تُلقيها إلى الظُّلَمِ
وأَقبل الفجر هل أبدى بنظرته
قصراً هنالكَ فوق الشطّ لم يَرِمِ
ما روعةُ القمم الطولى مُجردةً
من صيحةِ النسرِ تَدعُو الصبح للقممِ
في شاطئ النيلِ صلبانٌ مُضرَّجةٌ
من حولها الصمتُ بُركانٌ بلا حِممُ
أودى السِّراجيُّ لا الأقلامُ مانعةٌ
ولا السيوفُ ولا البُقْيا من الذِّممِ
نَديُمكَ السيفُ كم ناجيتَ شفرتَه
وكان عندكَ خِلاًّ غيرَ مُتَّهمِ
قضى عَلِيَّا وكَم ْقاضَى به نَفَرا
لا يَسْمعُونَ بِغيرِ السَّيْفِ مِنْ حَكَم
رفعتَ وجهَك إذ أَبصرتَ بارِقه
وقد علمتَ فلَمْ تَجْزَعْ ولم تخِمِ
لقَيتَهُ بجبينٍ كَمْ شَمَخَتْ بِه
وَقَدْ لقيتَ ذِئابَ الأِنْسِ في الأَجَم
جالستُ عندَك أوطارا ظفِرتُ بها
كأساً وشِعرا وأَزْلاَما على صنمِ
بِتنَا المَجَازَ وفي أَرحالِنَا رَجَزٌ
يثورُ كالبحْرِ في الأَوزانِ والكَلِمِ
تُصغي وجبْهَتُكَ الشمَّاءُ لاذ بِها
ضفيرتانِ لياذَ العُصم بالقِمَمِ
نقيمُ هَيكَلَ عِشتارٍ وندْخُلُه
مقرَّبينَ مع الأَسرارِ في حَرَمِ
٥) غيابه الأبدي:
كتب الشاعر “محمد المهدي المجذوب” في مقدمة قصيدة رثائه:
“دخل عليه قاتله ففلق رأس الشيخ بسيفه المعلق بجانبه”.
لم يُعرف عن “الطيب” إلا سيرته الطيبة ووده وعميق ثقافته ومحبته للعلم.
ليس بينه وبين الآخرين إلا كثير محبة.
لم تَعرف “أم درمان الستينات” جرائم اغتيال، إلا ما كانوا يسمونها “قتيلة الشنطة” ومصرع الأستاذ “الطيب السراجي”.
كتب الكاتب الأم درماني المخضرم الأستاذ “شوقي بدري” الكثير عنه.
وتدور الأحاجي والأساطير حول مصرعه وكيف حاك الغموض قميص رحيله.
منها أن لصوصا قتلوه، ولكن سطوة الأسطورة التي تلتف حول عنق “الطائفية”، سوداوية البطش، هي صاحبة القدح المعلى في غيبة شيخنا الراحل.
ألف رحمة ونور عليه، ونهيرٌ عذبٌ من سلسبيل الجنان، يسري بإذن مولاه من تحت مرقده، وأن ينال صُحبة الذين أحب في دنياه وأن يكون بينهم في مآلهم بإذن صاحب الوقت ومالك الأرواح.
قال الأمام الشافعي:(المرء يعرف في الأنام بفعله، وخصائل المرء الكريم كأصله، أصبر على حلو الزمان ومره واعلم بأن الله بالغ أمره، لا تستغب فتستغاب وربما من قال شيئا قيل فيه بمثله، وتجنب الفحشاء لا تنطق بها ما دمت في جد الكلام وهزله، وإذا الصديق أساء عليك بجهله فاصفح لأجل الله ليس لأجله، وكم من عالم متفضل قد سبه من لا يساوي غرزة في نعله.
* أسرة السراج أصلها من مكة المكرمة وكانت تسرج الحرم المكي بالإضاءة وتلك هي مهنة الاسرة الكريمة، وبعدها هاجرت منها اسر واستقرت بعدد من الاقطار العربية مثل (العراق وسوريا وفلسطين وليبيا والمغرب ومصر والسودان) وأسرة السراج السودانية وفدت من مصر وتحديدا من مدينة المنصورة.
* عرفت اسرة السراج منذ عهد بعيد بالعلم والادب والشعر واللغة العربية.
* ولد الطيب السراج بمدينة ام درمان وفيها ترعرع ونشأ في اسرة عرفت بالورع والتقوى والعلم وسط اخوة أشقاء عرفوا بتلكم الصفات ومنهم العلماء عبد الوهاب واسماعيل وحسن ومحمد صالح وتوفيق. وتشهد عليهم حلقات العلم والمعرفة والمدارس وغيرها.
* نشأ الطيب السراج ومنذ شبابه وكهولته كما ورد في مجموعة كتب الفها ابنه الدكتور حديد السراج يهوى حباة العرب الاوائل من ركوب الخيل وعيشة البداوة وكانت له في بادية الجموعية بأم درمان حياة ثرة عبر عنها بشعر فصيح كما عبر عنها بشعر عامي رصين، وكان في حياته البدوية تلك قد اغتنى خيلا وجمالا وسيوفا وسهاما وخناجر بل وتزوج من البدو والحضر.
* قال عنه الاستاذ سعد ميخائيل في كتابه (شعراء السودان) الصادر عام ١٩٢٠م ان الشيخ الطيب السراج من الشعراء المعدودين في السودان سريع الخاطر يسرد عليك المسائل اللغوية الدقيقة النظم والنثر تأخذ على جميع كتاباته بمجامع القلوب، وعدا ذلك فهو ورع تقي تفخر به التقوى وتتيه به الفضيلة وان قعد فيذكر اسم الله وان مشى فبالاتكال على مولاه.
* علاقتي بالشيخ الطيب السراج هو جدي لوالدتي وبالتالي اصبحت ملما بالكثير من حياته ولذا وجب على أن اكتب ما اعرفه للراي العام وفاء له وحفظا لتأريخ رجل اديب جليل قدم لوطنه ولامته الكثير.
* كان الشيخ الطيب السراج ملما بكل خبايا اللغة العربية وكذا الانجليزية، وتبحره في لغة العرب جعل الاستاذ السياسي المعروف خضر حمد يرشحه لدخول مجمع اللغة العربية بالقاهرة فبهر العلماء بواسع علمه وغزير معلوماته حتى هزمهم ولم يصدقوا وجود مثل هذه الجوهرة النادرة بالسودان.
* أعجب به السيد عبد الرحمن المهدي ولم تكن للطيب السراج علاقة بال المهدي ولم يكن انصاريا كما اخويه اسماعيل وحسن واللذين قدماه للسيد عبد الرحمن وكان ذلك في الخمسينيات وتوطدت العلاقات بين الشيخ الطيب السراج وال المهدي وكان الاحترام والتقدير هو ديدن تلكم العلاقة الاسرية الكريمة.
* تعهد الشيخ الطيب السراج بتدريس ابناء ال المهدي وخاصة ابناء السيد الصديق وعلى رأسهم السيد الصادق المهدي المولود في العام ١٩٣٦م وكانت والدتي تحكي كيف بدأت علاقتهم بال المهدي والصادق شاب قوي وكيف كان التقدير متبادلا وكذا الاحترام.
* اغتيل الشيخ الطيب السراج في مارس ١٩٦٣م ولم تتوصل الشرطة للقتلة واغلق الملف وثارت الشائعات والاتهامات دون سند او دليل واغتالته ايدي اثمة ودافع عن نفسه بقوة حتى قطعت يده واماتته ضربة بالراس وليس صحيحا بتقطيعه ودفن بمقابر احمد شرفي (عليه رحمة الله) وأصبح هو ومن قتلوه عند مليك مقتدر.
سأواصل الحديث عن الشيخ الطيب السراج حتى يعرفه الجيل الجديد كعالم تقي ورع شهم كريم شجاع لا يداهن ولا يخاف قول الحق.
نواصل سرد محطات في حياة أسرة سودانية عريقة عرفت بالعلم والادب والشعر وفضائل الأعمال وساهمت مع الاخرين في بناء الانسان السوداني.
* أسرة السراج كما قلنا انفا انها من مكة المكرمة بأرض الحجاز وكانت اسرة تتعهد بإنارة الحرم الشريف أثناء موسم الحج ومن هنا جاءت تسمية (السراج).
* أول من جاء منهم الى السودان هو محمد مصطفى حسن السراج وكان ذلك ابان الحكم التركي المصري للسودان وكانت زوجه من أسرة السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا المصرية ورزق منها بولد اسماه عبد المجيد وبنت اسمها فاطمة.
* عمل عبد المجيد السراج ببيت المال ابان حكم الخليفة عبد الله في الدولة المهدية.
* تزوج عبدالمجيد السراج من فاطمة ابراهيم الحكيم الاسرة المعروفة ورزق منها بسبعة من البنين واثنتين من البنات والاولاد هم (حسن ومحمد صالح والتوأم الطيب والطاهر ثم اسماعيل وعبدالوهاب وتوفيق) .
* ولد الطيب السراج في ١٨٩٣م بأمدرمان فدخل الخلوة ثم المدرسة الأولية ثم الوسطى الاميرية وكان طالبا نجيبا ذكيا يحفظ الشعر العربي ويهتم باللغة الانجليزية وسجل فيها نبوغا لفت انتباه اساتذته وزملائه.
* بدأ حياته العملية موظفا بمصلحة الاشغال ثم مترجما وسرعان ما تحول الى ادارة السكة الحديد بمصلحة الوابورات محاسبا ثم اسنقال بعد خلاف مع الاداريين البريطانيين الذين كان يبغضهم.
*في العام ١٩٤٨م سافر الى الحجاز حاجا ولكنه بقي هناك بعد الحج وعمل بالتدريس بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة ثم تركها وعاد للسودان.
* في ذات العام ١٩٤٨م سافر الى مصر وتم ترشيحه ليمثل السودان في مجمع فؤاد الأول للغة العربية وهو أعلى هيئة علمية في العالم وعمل بالمجمع اللغوي في لجنة احياء الكتب القديمة وله معهم قصص وروايات سنقوم بسردها لاحقا.
* عاد للسودان في ١٩٥٠م وغادر الى مدينة القضارف ليعمل بالزراعة بيد انه فشل فيها فعاد لأم درمان وبدأت علاقته بال المهدي وعمل فترة في الدائرة ثم اخذ بتعليم ابناء الاسرة وعلى رأسهم السيد الصادق الصديق المهدي واخرين وتوطدت العلاقات الاسرية أكثر فأكثر وكان الاحترام والتقدير هما الرابط بينهما حتى الان.
* وفي حلقات اخرى سنتحدث عن محطات الشيخ الطيب السراج في مجالات الادب والشعر ثم نعرج على اخوته والذين ولجوا ميادين العلم الشرعي والدنيوي فكانوا علامات سامقات في تأريخ السودان.
* قال هشام عبد الملك للأعمش اكتب لي عن مساوئ عثمان بن عفان ومناقب علي بن أبي طالب..
فكتب اليه الأعمش مايلي:( بسم الله الرحمن الرحيم
اما بعد … فلو كان لعثمان مساوئ أهل الأرض كلهم ما نفعتك بشئ ، وعليك بخويصة نفسك فإياك ان يكون شغلك الشاغل عيوب فلان وسقطاته وزلاته فانك لا تحاسب عليها ؛ وحسنات الناس لأنفسهم لا لك ، فاشغل نفسك بإصلاح عيوبك وسقطاتك والتوبة من سيئاتك وزيادة حسناتك لأنها الباقية في كتابك ، فعلامة خسران العبد انشغاله بعيوب الناس.
* من يتجاوز الاساءة ليس عاجزا عن ردها ولكنه عرف قدر نفسه فرفعها وترفع.





ويورد قصص للتدليل على صدق زعمه …لكن اذا اعدت الكرة وقمت بتحليلها ستجدها عكس ذلك…:( جن جنون الانصار وكانت الشتائم والتهديد المباشر بالتصفية ، الاستخفاف … ومن هو هذا الشوقي ؟ وكان من المفروض ان اخاف كما اخافوا الجميع منهم الشاعر العظيم وفخر السودان … الفيتوري الذي اهملناه ولم نعطه الاحترام الذي يستحقه . قصيدة كتبها الفيتوري لم تعجب الانصار فاباحوا دمه . اختفى الفيتوري . اتصل به صديقه وزميله في الصحيفة السر قدور والذي ذكر لى هذه القصة اكثر من مرة والسر موجود اليوم ويمكن سؤاله . انتهى الامر بأن يكتب الفيتوري قصيدة بقلمه على توصية صديقه السر قدور يشيد بها بحزب الامة والانصار . نشرت القصيدة العصماء تحت عنوان شاعر الانصار يرد على الفيتوري . سمعنا بسرقة بالاكراه . هذا ابداع بالاكراه . كره الفيتوري السودان . قال الفيتوري في برنامج تلفزيوني ان الصادق قد قال له …. لانه رجل ديمقراطي فلهذا لم يرسل له من يقتلوه . وهذا تهديد مبطن .(1)المقال كتب قبل رحيل الاستاذ السر قدور رحمه الله والمعروف عنه ان حزب امة مريخابى.
ويسرد قصة الانصار مع البروفسير شبيكة: (اول بروفسر في السودان هو مكي شبيكة كتب البروفسر اول كتاب في التاريخ على مستوى اكاديمي من الوثائق والمصادر العلمية . لم يعجب الامر الانصار اعتدوا عليه بالضرب وتركوه بين الحياة والموت . اتى والده التاجرمن الكاملين غاضبا وذهب الى السيد عبد الرحمن مبديا المه لان من ارسلوا الى ابنه الذي من المفرض ان يكون مصدر فخر عشيرته, تركوه حيا . ورجع بدون ان يزور فلذة كبده في المستشفى .)(1)
ويمضى فى السرد فيورد الحدث الثالث:( اتبع الصحفي الكبير عبد الله رجب صاحب جريدة الصراحة اسم الصديق المهدي بلقب افندي . وكل الخريجين قديما يضاف الى اسمهم لقب افندي مثل دكتور اليوم . اعتبر الانصار ان هذا جريمة يستحق الاستاذ عليها القتل . عندما خرج الاخ ياء الدين ود فاطمة البناء من ود نوباوي من السجن كان فخورا بأنه كان مع من شاركوا في محاولة قتل الاستاذ . وقال انهم حسبوه ميتا والا لما تركوه .)(1)
ويود اسمين غير مشهورين تعرضوا للتهديد العنيف :( في سنة 1956 اعترض المحامي شمس الدين عبد الله على قرار الهادي المهدي ، استباح والده في الجزيرة ابا دمه . عاش المحامي في العاصمة بقية حياته . مواطن يحمل اسم كلول في الغرب استباح والده دمه .)(1)
اذا اضفنا الي الاحداث السابقة احداث مارس 1954 نلاحظ ان اسلوب الانصار فى القتل والتهديد واحد يتميز بالوضوح ليس فيه غدر وتخفى انما علانية …وهو لا شك يجد الاستنكار والشجب والادانة …لماذا اختاروا التخفى والغيلة والغدرفى حالة مقتل السراج؟!!!
الكثير من الكتّاب عند كتابتهم عن الشيخ الطيِّب السرَّاج – إِمام اللُّغة العربية في العصر الحديث يتناقلون ما نسب إِلى تلميذه الدكتور. خضر حمد في مذكراته، والتي جاء فيها أن السرّاج قد رفض ترشحه للمجمع اللُّغوي بحجة أن ليس له مؤلفات منشورة، وأن المرشح للمجمع تقدمه مؤلفاته، وهذا غير صحيح.
وإِنَّ من المغالطات التاريخية المتداولة على نطاق واسع في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإِلكترونية عموماً، ما يُروّج له من أن البروفيسور عبد الله الطيب كان أول ممثل للسُّودان في المجمع اللُّغوي في مصر عام 1957، وينسبون له خطبة لم أجد لها أثراً أو توثيقاً في محاضر جلسات المجمع في العام المذكور. ولا حتى إِشارات لها في مذكرات البروفيسور ولا مؤلفاته المنشورة، ولا حتى لقاءاته الإِعلامية التوثيقية.
ومما تجدر الإِشارة إِليه هنا أن البروفيسور عبد الله الطيِّب، لم يكن تلميذاً نهل من علم السرَّاجي فحسب، بل جليساً للسرَّاج ومجالِساً له في حلقات الفكر واللُّغة بصالون السرَّاج الأدبي “منتدى الأصالة” والذي يُعدُّ أول صالون أدبي في السُّودان تأسس في عشرينيات القرن الماضي، وثاني صالون أدبي في الوطن العربي بعد صالون “مي زيادة” في مصر.
ومن هذا المنطلق أجد نفسي مضطراً لتصحيح هذه الروايات المغلوطة، وتجسيد الحقيقة في محاور رئيسة تتوخى الدقة والوضوح وإِليك:-
الشيخ الطيِّب السرَّاج هو أول من حمل راية السُّودان في المجامع اللُّغوية، وأول سوداني ينال عضوية المجمع اللُّغوي في القاهرة، الذي كان يُعرف آنذاك باسم “مجمع فؤاد الأوَّل للغة العربية”، وذلك في العام 1933 بعد صدور المرسوم الملكي بتأسيسه في العام 1932.
ولقد بدأ السرَّاج مشواره كعضو في هذا الصرح العلمي، ثم ترقى في المناصب حتى اختير رئيساً للجنة التحقيق وإِحياء الكتب القديمة، قبل تقلد مرتبة العضو المراسل في خمسينيات القرن العشرين.
ويروي البروفيسور عبد الله الطيب في تحقيق صحفي نشرته صحيفة الرأي العام السُّودانية عن قصة ترشيح الشيخ الطيِّب السرَّاج للمجمع اللُّغوي، والتي نقلها الكاتب الصحفي المخضرم الأستاذ إِبراهيم دقش، حيث يقول البروفيسور عبد الله الطيِّب:
“كنتُ ضمن الوفد الذي ذهب إِلى القاهرة لتقديم الشيخ الطيِّب السرَّاج مرشحاً عن السُّودان في المجمع اللُّغوي، وأقمنا في بيت السُّودان، وعشية جلسة الترشيح اتصلت بعميد الأدب العربي الأستاذ طه حسين، وقرأت عليه أبياتاً من قصيدة للسرَّاجي يمدح فيها ملك اليمن وإِمامها، يقول فيها:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَرْجُوُّ نَائِلُهُ
وَالْمُسْتَغَاثُ بِهِ فِي مُخْلَفِ الْمَزْنِ
إِلَيْكَ جِئْتُ مِنَ السُّودَانِ تَرْفَعُنِي
إِلَى لِقَائِكَ أَشْوَاقِي وَتَخْفِضُنِي
مُهَاجِراً مِنْ بِلادِ الشِّرْكِ، لَيْسَ لَنَا
عَنْهَا مُرَاغَمَةٌ إِلَّا إِلَى الْيَمَنِ
أَهْلَ الْمَصَانِعِ مِنْ غَمْدَانَ تَحْسَبُهُ
إِذَا دَجَا اللَّيْلُ سَحَّ الْعَارِضِ الْهَتَنِ
فقال لي: “إِنَّ الذي يكتب مثل هذا الشعر قد مات واندثر منذ آلاف السنين”، فأجبته: “بل هو حي يرزق، وهو معي في بيت السُّودان، وهو مرشح السُّودان للمجمع اللُّغوي.”
وقد شهدت جلسة الترشيح تحدياً نبيهاً من السرَّاج لأعضاء المجمع، حين طلب منهم أن يأتوا بما يعرفونه من أسماء الأسد، فلم يستطع الحاضرون حصر أكثر من سبعة عشر اسماً، فيما أتم السرَّاج العد حتى وصل إِلى ثلاثة مائة اسماً.
وقد استهلّ السرَّاجي خطبته في المجمع اللُّغوي بأبيات من قصيدته الباذخة “التجديد”، التي عُرفت بين النقّاد برائعة القريض العربي؛ وقد تناقلت الروايات نسختين من هذه القصيدة: إِحداهما مكتوبة، والأخرى مرتجلة ألقاها في حضرة المجمع ارتجالاً، فأسرت القلوب بجزالة لفظها وعراقة أسلوبها. وهنا أورد الصيغة المرتجلة لأوائل أبياتها السبعة، إِذ تجلّى فيها ألق البيان، وتوهّجت فيها روح الشعر الأصيل، فانبثقت منها حرارة الخطاب، ووهج الرسالة.
قالوا اسْتَعِيدُوا مَجْدَكُمْ تَجْدِيدا
لَاقَى الْمُرَادُ مِنَ النَّصِيحِ مَرِيدا
قَرَعَ الظَّنَابِيبَ الْيَعَاسِيبَ الأُلَى
يُحْيُونَ فِينَا كُلَّ يَوْمٍ عِيدا
شَدَّ الْحَيَازِيمَ الْكِرَامَ لِيَبْعَثُوا
بَعْدَ الْبِلَى لُغَةَ الْجُدُودِ جَدِيدا
لُغَةَ الْجَحَاجِيحِ، الْوَحَاوِيحِ،
الْمَصَابِيحِ، السَّمَاةِ جُدُودا
أَعْنِي الْمَرَازِبَةَ، الْمَلَاوِثَةَ، الْخَلَاجِمَةَ،
الْخَضَارِمَةَ، الْأَبَاةَ الصِّيْدَا
مِنْ كُلِّ سَرْدَاحٍ كَهَاةٍ جَسْرَةٍ
جَلْسٍ عَشُوزَنَةٍ تُؤَوِّدُ الْجُودَا
كَوْمَاءَ بَادِيَةِ الدُّخَيْسِ دَرْفَسَةً
كَبْدَاءَ تَنْزِعُ مَشْيَهَا تَهْوِيدَا