بدويات

بشائر النهضة بالمملكة العربية السعوديّة

رسالة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان

محنة الثقافة العربيّة وبلوغ عصر النهضة !

بشائر النهضة بالسعوديّة وحقوق المرأة في المساواة:

قبل أن تلمّ جائحة كورونا بالعالم بدأت تُبشر بوادر النهضة الفكريّة الجديدة بالسعودية، والتي ينبغي أن نثني عليها ونشد من أزر القائمين عليها، بالخير على الأمّة وبانفتاحها على العالم والأمم والثقافات بمختلف تبايناتها ومعتقداتها وهذا شيء جميل. فلقد طال المطال لانفتاح هذا البلد المحرّك للدول الإسلاميّة والذي يؤثر تأثيرا بالغا في حيوات الدين والدنيا في كل أرجاء المعمورة. تعتبر المملكة لأهل الدين والمريدين قدوة وعروة وثقى، فهي دون أدنى شك موطن الرسالة الذي رأت به النور وبقيع رسوله الكريم (ص) وصاحبته الأجلاء الذين غيّروا معالم الدنيا ببزوغ شمس الإسلام في كل أرجائه. حقيقة إنها لخطوة سامية، جريئة وتاريخيّة وسوف يكون لها أعظم الأثر في دولنا العربية القابعة على أنفسها تلهث لنشوء نهضة لتلحق بركب الأمم لكن للأسف دون ملامح عالقة في الأفق البعيد. نهضة المملكة نقطة الانطلاق وصافرة البدء لتحريك الأجواء المعرفيّة في الوطن العربي،  ورغم التسرع في بعض المجالات، مثلا الفنون والتي تنعدم فيها البنى التحتيّة – على حد قول أحد الأصدقاء السعوديين المختصين في هذا المجال – فهي جديرة بأن نقف إليها ونحتذي بها، وأنا سعيد كل السعادة بالنشاطات الفكريّة والثقافية والرياضية الكثيرة التي نشأت الآن في هذا البلد لا سيما احتواء المرأة كلبنة أساسيّة في كل  هذه الأُطر وهذه الانطلاقة الحقيقيّة للبداية؛ فمسيرة المرأة في كل الدول الإسلاميّة لا تزال طويلة ووعرة وتحتاج منّا إلى تصحيح المسار ورفع الحجاب عنها (مجازا) وترك النظرة الدونية إليها، فالأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق. وقضية المرأة تغييبها وحجبها عن المشاركة ليست وليدة اليوم ولا تنفرد بها المملكة بوحدها، فحتى في بلاد الغرب مثال ألمانيا وسويسرا فهي في جهد ونضال لا ينضب من أجل حق الانصاف في العمل وجلّ الحقوق والمناصب، تجاهد لا تلوي على شيء من أجل الحريّة المطلقة في كل الأمكنة وهي تسير بالتأكيد بخطى ثابتة والمساواة ترفل نحوها على قدم وساق تحث خطاها خطّا.

نظريات المؤامرة ومحاربة خطاب الكراهية

(المغرب كأنموذج):

من جهة أخرى نجد إن ازدياد نظريات المؤامرة المعادية للغرب لا تفتأ تزداد يوما تلو الآخر، سيما بازدياد جماعات الفكر الإسلامويّ (سلفيّ أو تكفيريّ) الذي سقته “عيون وآبار” أهل السلف بالمملكة وسافر منها ليتوطن في العديد من البلدان العربية كالسودان، مصر، العراق، الخ. هذه الأفكار القروسطية لا زالت تقتحم السِّلم المجتمعيّ كما يقتحمها الفطر الطفيليّ وقد أفلحت السلطات السعودية أن تخرص كل صوت ينادي بالبغضاء ويرفع رايته لقتل الأبرياء ونشر خطاب الحقد والكراهيّة بين النّاس. كل هذه الحركات المتطرفة تنادي – دون استثناء – رافضة لكل ما أتى من الغرب من حضارة، جملة وتفصيلا فتبقى “معالم الحضارة والتكنلوجيا بين قوسين”؛ فهل يجوز هذا دون ترجيح العقل وإعماله ومن ثمّة فرز الصالح من الطالح؟

أجد تجربة المملكة المغربية في التصدي لخطاب الكراهية السلفيّ البغيض هي الأولى في الوطن العربي والرائدة – بلا منازع – ومن يلمّ بأمور هذا البلد يعلم تماما أن التعددية الإثنية والدينية هي الشعار الأول لها وألا مكان في منابر المساجد لمن يتفوه بالكراهية ولا مجلس له بها إن كان من أهل خطاب الحرب على الآخرين. فالسلم والسلام والمحبّة هي الطريق الوحيد لبناء الأمّة والمشاركة الفعالة في المنظومة العالمية. فهل لنا في ذلك من عبر؟

رسالة لوليّ العهد السعوديّ: أسقطوا نظام الكفالة الظالم وافتحوا أبواب التجنس!:

الرسالة الأولى:

ظلت المملكة العربيّة السعودية تدعم البلدان العربيّة والإسلاميّة من خلال إنشاء المشاريع التنموية من جهة ومن خلال توظيفها للكم الهائل من الأيدي العاملة من تلك البلدان من جهة أخرى. بنفس القدر فنحن نجد بصمات هذه الأيدي العاملة من كل البلدان العربية والإسلاميّة من صناع، مهندسين، موظفين، مهنيين، وحتى في حراك ودأب وعمل العمالة المنزليّة تظل بيّنة واضحة في كل ركن من أركان المملكة. وإذا تدبرنا معاينة أحوال هؤلاء فنحن نجدها – لا سيما في الفترة الأخيرة – تحتاج إلى مراجعات إنسانية كثيرة وفصح دقيق لا سيما في العلاقة بين الكفيل والمكفول، فضلا عن الضرائب الباهظة التي فرضت على إقامة أفراد الأسرة المصاحبين. على صعيد آخر ومن منطلق إنسانيّ بحت يجب إسقاط حصص التأشيرات الجالبة للعاملة الأجنبيّة والتي يتحصل عليها بعض أولي الأمر من الوجهاء والأمراء لجلب العمالة وكلنا يعرف أن أسر الأجانب الغير وطنيّة قد تبيع كل ممتلكاتها ويصل بها الفقر والفاقة درجات لا توصف لكي تتحصل على تأشيرة واحدة يتمكن معيل تلك الأسرة من دخول المملكة، أرض الميعاد، حتى يتثنى له وجود عمل يستطيع منه الإنفاق على ذويه في باكستان، الهند، مصر، السودان، بنقلادش وأندونسيا، الخ. فكل هذه أمور تتبدى فيها عدم العدالة بكل وضوح، وهناك أمثلة كثيرة لا يتسع المجال لعرضها وأهل السعوديّة أدرى بشعابها فأنا أناشد من هذا المنبر سمو الأمير محمد بن سلمان وكل حادب على مصلحة وسمعة بلاد الحرمين أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ويستذكر من حوله من العمال الأجانب ويتفقد في دخيلته أحوالهم: أين يسكنون، كيف يعملون ويعاملون، كيف يرضخون لكثير من الأمور وكل نفس منهم كريمة صابرة جليلة تحتم علينا احترامها وتبجيلها لأنها بَنَتْ ولا تزال تشارك في بناء هذا الصرح يوما تلو الآخر منذ عشرات السنين، فللصبر حدود ومجبر أخاك لا بطل!

نظام الكفالة والمساعي لإسقاطه:

والأمر الذي أود أن أرسل فيه رسالة لصاحب السمو هو أن يتفضل مشكورا بأن يسقط نظام الكفالة. وفي هذا السياق نقلت صحفية “مال” عن مصادر مطلعة قولها “إن الحكومة السعودية تتجه بخطى ثابتة لاتخاذ قرار بإلغاء نظام الكفالة في المملكة، وأشارت إلى أن هذا التوجه يأتي في ضوء سلسلة الإصلاحات الاقتصادية التي تشهدها البلاد بعد إطلاق رؤية المملكة 2030. ​وأكدت الصحيفة على أن القرار سيسمح للوافد حرية الخروج والعودة بل الخروج النهائي والاستقدام دون التقيد بموافقة صاحب العمل أو جهة العمل، كما سيكون له الحرية في الانتقال وفق ما ينص عليه عقد العمل”. وصدر نظام الكفيل في المملكة عام 1952 في الأساس بهدف تنظيم العلاقة بين العامل الوافد وصاحب العمل، من خلال وساطة مكاتب الاستقدام، حيث قرر النظام أن العامل لحظة وصوله إلى المملكة يصبح ملتزماً بالعمل لدى كفيله وفق بنود العقد، ولا يحق له الانتقال للعمل لدى غيره إلّا بإعارته لفترة محددة، أو من خلال نقل كفالته. يقول متداخل سعودي في موقع (عربي): “أنا مع الغاء نظام الكفالة، هذا النظام فيه شوية ظلم وافتراء، الكفيل يأكل حقوق العمال ويظلمهم، ويأخذ منهم فلوس، الأفضل يلغى (نهاية النقل)”.

الخبرة التراكميّة للغرب في معالجة قضية العمالة الأجنبية:

معالي صاحب السمو محمد بن سلمان يا حبذا أن تستفيدوا من الخبرات التي جناها الغرب من استقطاب العمالة الأجنبية وفتح الأبواب على مصرعيها لها، فهي – إذا أخذنا مثال ألمانيا – قوة اجتماعية، اقتصادية، ثقافية وفكريّة لا يستهان بها. لقد دعمت هذه القوى العاملة مسيرة بناء الدولة الألمانية، ذلك منذ بداية عصر النهضة الجديدة بألمانيا بعد خمود نيران الحرب العالمية الثانية وأفول نجم النازية بها ذلك في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن المنصرم فنما الاقتصاد الألماني نموا فولاذيّا لم يشهد له العالم من مثيل. وصارت ألمانيا الآن أقوى الدول في الصناعات (ماكرو وميكرو تقنية) وفي مجال الابداع العلميّ وحدث ولا حرج. لقد عمدت ألمانيا وقتئذ جلب العمالة التركية والإيطالية التي صار أبناءها في الجيل الثاني والثالث وهم من الألمان الآن، يحملون الجنسيّة الألمانية، يتمتعون بكل الحقوق ويلتزمون بكل الواجبات مثلهم مثل بني العم غوته، فمنهم لاعبيّ كرة القدم، الباحثين، العلماء، العمال، الموظفين وأساتذة الجامعات، إلخ. لقد اندمج هؤلاء بسبب عامل الانصهار والتفاني للدولة فنجد أمورا كثيرة مثل الصداقات الحميمة، التزاوج والمصاهرة والشراكات في الأعمال داخل المؤسسات والشركات، فصار كل ذلك أمرا اعتياديا فارتفع عدد المواليد الذي كان قد انخفض سنين عددا فصارت الدماء الألمانية تتجدد بتردد في كل لمحة ونفس، والأمثلة النيّرة التي أثمرتها ديموقراطية ألمانيا من جراء استقطابها لدماء جديدة وثقافات ثرّة ومن ثمّة حفظ حقوق كل فرد بأراضيها دون فرز أو استثناء أن أنجبت بكل المجالات، مثلا في المجال السياسي نائب المستشارة السابق كان من أصل فيتنامي ونجد بين سياسييّ حزب الخضر حفنة لا يستهان بها من أصول تركية وغيرها ونجد مشاركة عدد لا يستهان به من أعضاء البوندستاق (البرلمان الألماني) والبرلمانات البلديّة والمدنية من أصول أجنبية.

كيف نهيئ مناخ للعلماء والمفكرين العرب لكي يبدعوا!

معالي صاحب السمو، بالرجوع إلى صفحات التاريخ العريق نجد أن العرب قد حذقوا في تناولهم لهذه القضايا الاجتماعيّة في فترة الممالك العربيّة بالأندلس وأدركوا أيما أدراك أن نجاح الأمم يكمن في انصهار الشعوب والتبادل الثقافي، فولَّدُوا خير “حضارة أخرجت للناس” وكانت تلك هي اللبنة الأولى وحجر الأساس في انطلاق عصر النهضة الأوربي الذي امتد قرونا عددا إلى يومنا هذا فهم يقطفون ثماره، ينعمون بخيره وينهلون من معينه. لنرجع البصر إلى ما وصل إليه الغرب بفضل هذا الحراك المعرفيّ الجبار من شأن وما وصلنا نحن إليه من انتكاس وخزلان مبين بعد الخروج من جنان الأندلس!؟ لنقلوها مجاهرين بها دون تدليس: أن فكرنا الوطنيّ (بكل بلد عربيّ) والإقليميّ (ككتلة سياسيّة) يحتاج إلى روافد تزوّد بحوره التي جفّت ونضبت لتحوّل ماءه إلى سلسبيل فكريّ على شاكلة حضارة إنسانيّة دون سابق والحقيقة التي لا تغيب علينا أن لدينا من المفكرات والمفكرين والأديبات والأدباء والعالمات والعلماء الكم الكبير، لكن كيف نهيئ لهؤلاء أجواء ملائمة حتى يبدعون؟! لقد رأينا في الأيام القليلة الماضية أن الرئيس الأمريكي قد كرّم أحد علماء العرب المغاربة يحفزه أن يجد مصلا لفيروس كوڤيد ١٩ المتجدد ومثل هذه القامة العربيّة المغربية هناك الآلاف المؤلفة فكيف نستقطبهم ونخلق لهم الفرص الجيّدة ليبرعوا ويبيّنوا للعالم أن الأمّة العربية لها علماؤها ومفكريها وهي بخير إن شاء الله. والعبرة بالعمل!

المواطنة الصالحة تبني الحضارات:

لقد لعب مفكرو وعلماء الغرب بكل توجهاتهم الإنسانيّة دورا هاما في توطيد مناخ معرفيّ دَفَعَ عجلة التقدم والعصرنة في تشكيل وعيّ فكريّ أوربي مشترك يستمدون منه طاقات جبّارة للمضي قدما باتجاه البناء الموسوعيّ للمعارف، اكتشافها، فحصها وتأسيس أفرعها وتشعباتها في كل الحقول.  فكان حقّ المواطنة الصالحة هو المحرك الأساسي لهذه النهضة الفكريّة التي غيّرت معالم العالم أجمع. فحق المواطنة الصالحة يخلق ويكتشف ويربّي الإنسان الدؤوب القادر على العمل والابداع في أي مجال من مجالات المعرفة والعلم وكان للعلوم الإنسانية في هذا السياق نصيب الليث في معرفة الهويّة وفي سد “الثقوب المعرفية السوداء” بصحن الموروث الجمعيّ بصفته “العين” التي تتفجر منها موارد مختزنة منسيّة بكل ثقافة وحضارة تركت بصمتها على هذه الكتلة الجغرافيّة على مدّ العصور. لم يُستثنَ أي فرد فحتى الأقليات الإثنية والعرقيّة شاركت مشاركة فعّالة في البناء الفكريّ وتركوا فهمهم المغلوط لهويتهم على ضوء الإيديولوجية النازيّة بأنهم الشعب الآري شعب الله المختار وراء ظهورهم. وما كان من هذا النجاح الذي أتى أكله في فترة وجيزة إلا أن أوكل إليهم قيادة العالم من جديد بعد أن كانت في أيدي العرب مدّة ثمانية قرون في عصر الدولة الأندلسية وبوأهم بذلك مرتبة الشرف التي ينعمون بها حتى هذه اللحظة.

فالتاريخ وأهله من المؤرخين، وربما يجهل أهميتهم الكثيرون منّا يا سادتي، قد لعبوا ويلعبون دورا رئيسا في فحص ما كتب وتحقيق ما دوّن في صفاحته لمعرفة الذات ودراسة هذه الأخيرة في أبحاث الفلسفة وتحليل النفوس عند سيغموند فرويد وكارل غوستاف يونغ، ذلك مهم للغاية في إطار هضم مرارات الماضي الدفين ومعالجتها، وينتج من هذه المعالجة تفجير طاقات جبّارة كامنة في الإنسان وبالتالي في الفكر الجمعيّ – وعلى حد قول المثل: من نسي قديمه تاه – وربما ينبغي علينا أن نكتب تاريخنا نحن بأنفسنا كما عشناه وعاشه أباءنا وأجدانا، إذ أن أهم المراجع التي نعتمد عليها في جامعتنا، أغلب الظن، مراجع أوروبيّة.

معالي صاحب السمو محمد بن سلمان إن هذا الطريق التنويريّ الإصلاحي للبناء الذي تسيرون عليه يجد منّا كل الدعم والتأييد. نحن على علم تام أن بالمملكة السعودية أصوات لا يستهان بها تنادي بالنهضة والانفتاح وأن نَلحَق بركب الأمم في كل دولنا العربية والإسلاميّة كما تنادي أيضا بالديموقراطية والمساواة للعمالة الأجنبية في سياق إسقاط نظام الكفالة وفتح أبواب المساواة على مصراعيها بين الأجانب والوطنيين على شاكلة مبدأ تساوي أسنان المشط، كما دعا إليها نبينا المصطفى – فلا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى والتقوى هنا العمل الخالص والأمانة والصدق في سياق الدين المعاملة. فالسير في طريق النهضة على شاكلة صالون الأميرة نازلي الذي انتقلت فيه روح عصر النهضة والتنوير والحداثة إلى جمهور صالونها مثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وقاسم أمين والأديب السوري عبد الرحمن الكواكبي وسعد زغلول وسار سناه وغمر جلّ الوطن العربي. وفقكم الله في عمل الخير.

محنة الثقافة العربيّة الجمعيّة:

أن موضوع تعامل الغرب مع الحضارة الإسلامية قديما ربما يكون معروفا لبعضنا في شذرات أو تماما. لكن هل وقف أحد منَا مع نفسه يحدثها عن هذا الرفض الزائف؟ فكل ما لنا من مظاهر الحضارة أتى من الغرب وكل ما نحتاج إليه لخير الأمة أتى من أبناء المسيح. وعندما نسأل أنفسنا ماذا اخترعنا نحن للحضارة الانسانية تكون الإجابة أغلب الظن لا شيء. هل تعلمون أن العالم العربي من المحيط إلى الخليج لا ينتج من المؤلفات الفكرية المتضمنة في شكل كتب أو أبحاث ولا حتى ٥٪ مما تنتجه دولة اسبانيا. فيا ليت الأمة تفيق من سباتها وسنتها العميقة وتنادي من مآذن المساجد للحب والعمل والرأفة والتراحم والوئام وأن يتركوا فتاوى العداء والرفض الزائف لكل ما جاء من ابناء المسيح. فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام عاش في سلام مع الأقليات اللاهوتية الأخرى كما عاش أهل الأندلس وأخرج هؤلاء خير ما رأت الدنيا من حضارة وازدهار. فهل لنا فيهم من عبر؟

الغرب والشرق بين الهجوم والهجوم المعاكس

إن موضوع تقبل حضارة ليس حضارتنا سيما من ديانة تعتنقها الأغلبية الكاسحة، للأكثرية معادية، تبعث فيه أبعاد خطيرة يجب علينا أن نقف إليها وقفة حكيمة، إذ أن الغرب قديما، وفي فترة اشتد فيها العداء للمحمديين، نهل من منابع حضارة الإسلام إلى أن بلغ عصر التنوير الذي كان الانطلاقة الجبارة لعلمه ورقيه وسموه الإنساني في العصور السابقة وإلى الآن. الملاحظ أنه رغم عداء الجماعات الإسلاموية للغرب بيد أنها في كل الحالات والنكسات تلجأ إليه. فهي ترى فيه النجدة والسلوى عندما تشتد الحاجة بها وحينما تفتقد إلى الحيلة لا تولِّي وجهها إلى قبلة الغرب المسيحيّ. وهانحنذا نرى بأم أعيننا كيف خلص الغرب العرب في ثوراته العديدة (بتونس وليبيا) من طغاتهم الذين بلغوا من عمر السلطان ارذله.

يا سادتي إن أهمية موضوع تلاقح الحضارات واستعارتها من بعضها البعض ليس فقط هام من وجهة نظر علمية أو أكاديمية ولكن من وجهة نظر انسانية أخرى، تخصنا، سيما في وضعنا الحالي الذي لا يفتأ أن يتأزم سنة تلو الأخرى. نرى بأم أعيننا تداعيات الاصطدامات الثقافية والدينية بيننا وها هي مصر قد انقسمت إلى فرق وليبيا وتونس كذلك وهلم جرّ. لا تزال نيران الفتنة تأجج القلوب وتحضّ الأفئدة إلى الانشقاق القبليّ والبغضاء الثوريّة والعنصرية الحزبيّة والدينية الدامية، فماذا جنينا من كل هذا بربكم – غير وجع الدماغ!؟ إذا فشأن هذه المسألة يُعنى بقضايا تسامح الحضارات والثقافات والأشخاص الذين يعيشون فيها ومما في ذلك من أهمية في تطور الإرث الثقافي والحضاري لنا ولغيرنا دون النظر إلى المنتميات، عرقية كانت أم لاهوتية. فطنت دولة قطر والإمارات في استجلاب الفكر الغربي في جامعاتها ومؤسساتها العلمية والحكومية ونحن نرى الآن ما وصلت إليه هذه الدولة من تقدم وازدهار لأنها فطنت – في الوقت المناسب – لأهمية هذا التواصل بينها وبين الدول التي تنتج العلم والفكر في كل المجالات: الطب الهندسة والزراعة والسياسة والتعمير وحتى في المجالات الرياضية. لقد صارت قطر مثال يتحذى به في العالم. وهكذا فعل أهل الأندلس إذ انتقلت علومهم إلى باقي أنحاء أوروبا فنشأت حركة الترجمة والتواصل بين العلماء والخبراء في كل المجالات فأسسوا حصيلة وذخيرة علمية كانت الانطلاقة الجبارة لحضارتهم التي صرنا نحن عالة عليها، لأنا نستورد منهم كل كبيرة وصغيرة من الإبرة والجوال والتلفاز إلى الطائرات الخ.

المساهمة العربية الإسلامية في حضارة الغرب:

لقد أهتم حفنة من الباحثين بدراسة الأوجه المتباينة لتأثير التراث الإسلامي العربي في الحضارة الغربية في القرون الوسطى وضمنت محاولاتهم نتائجا طيبة، بيد أن الكثير من الحقائق المتعلقة بهذا التراث لا تزال غامضة وغير مدروسة فضلا عن اكتشافها من قبل الباحثين. فالمكتبة العربية الإسلامية تفتقد وإلى الآن لأبحاث ودراسات شاملة في هذا الحقل الهام لتتمكن من تقييم مدى المساهمة الإسلامية في الحضارة الغربية وأهم آلياتها التي استوعبها الغرب وهضمها إلى أن بلغ من الشأن أزهره. وهل لنا في ذلك من عبر، لنخرج بلادنا وأهلينا من الظلمات إلى النور بإشراقة عهد تنوير يشع سناه في بلادنا ويكون لنا نقطة انطلاق جديدة لعهد مزهر وحضارة ترفع من شأونا بين الأمم لكي يساهم العربي والإفريقي في المنظومة العالمية مساهمة رئيسة ولكي نبتعد عن الاستكانة وسهولة الاستيراد (ونأكلها باردة ونحن راقدون على جنوبنا). فلينظر كل منّا في منزله ليعد ما أتى إلينا من الغرب أو قل من اختراع الغرب: الموبايل، السيارة، الدواء، اللبن المجفف، الحلوى بأنواعها، التلفاز، الفيديو، الفيس بوك، الواتس أب، الغوغل، الكتب العلمية في الجامعات، الخ والقائمة تحتاج لأيام حتى تكتمل. من جهة أخرى نفتقد بصورة جليّة لأبحاث أساسيّة وتحليلات علميّة جادّة لمعرفة ماهيّة الأسباب التي أدت إلى الركوض الحضاري للشعوب العربية الإسلامية بعد أن كان لها الصدارة في تلك الحقبة.

يعطي بعض المفكرين الحروب الصليبية نصيب الليث في لون أو قل تسمم العلاقات بين الشرق والغرب. لكن في الحقيقة إن تلك الفترة لا تمثل سوى حلقة صغيرة، بالمقارنة، من حلقات الصراع ومراحل التأرجح العديدة بين الهجوم والهجوم المعاكس بين الكتلتين النصرانية والإسلامية. والجدير بالذكر أنّ على مدى ألف سنة ومنذ أول حملة إنزال من المغرب باتجاه جبل طارق وحتى الحصار العثماني الثاني حول فيينا، ظلت أوربا تحت سيطرة الإسلام. لذا هم يدينون لحضارتنا وثقافتنا الكثير.

(للحديث تتمة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق