
د. محمد بدوي مصطفى
“أتنقل وأسافر لأبحث”؛ عندما تنطق سيّدة ولدت في منتصف القرن التاسع عشر في عام ١٨٥٣ بجملة كهذه، فلا بد لنا أن نقف إلى معنى الجملة ومن ثمّة إلى الشخصية التي حملت إلينا هذه الرسالة، وطلب العلم والمعرفة في الأسفار أمر معروف في الفكر العربيّ منذ قديم الأزل، لكن شادية هذه الجملة. شخصية نادرة ومتميزة إلى أبعد الحدود.
حديثنا في هذه العجالة عن الأميرة نازلي فاضل، التي رأى مولدها بالقسنطينة حاضرة الرقيّ والنماء وعاشت بينها وبين القاهرة وأوروبا، لا سيما في باريس، مدينة النور، التي احتوت في تلك الفترة وما تلاها رجال ونساء أسسوا لنهضة عربية معاصرة تبحث عن مثيل. فإذا سألنا أنفسنا ماذا تعني هذه السيّدة للأمّة العربيّة فأنا أقول إنها كانت حجر الدومينو الأول الذي استطاع أن يحرك كل الأحجار الأخرى بعده لتندفع في طريق الاستنارة والمعرفة. نازلي فاضل أميرة من الأسرة العلويّة كان مصدر شهرتها في المجتمعات الفكريّة هو صالونها الشهير: صالون نازلي الذي جمع الرجال والنساء على حد سواء في زمن كان الاختلاط فيه محرّم وممقوت من قبل المجتمع إلى أبعد الحدود لذا شُبهت في تصرفاتها بالأجانب من الإنجليز والفرنسيين لأنها كانت لا ترى أي حرج في محادثة الجنس الآخر من الرجال على غير العادة وكانت تنفرد عن نساء عصرها بأنها لا ترتدي الحجاب أو العباية السوداء التي كانت عرف وعادة لا مناص منها.
كان أبوها مصطفى فاضل الابن الأكبر لإبراهيم باشا وكان سيخلفه لولا اتفاق الخديوي اسماعيل مع السلطات العليا بتركيا لتنصيبه بدلا عن أخيه. فهجرت أسرتها القاهرة ممتعضة صاغرة لتقيم في الإستانة مما مكنها على الاحتفاظ بالعادات الشرقيّة التي تربّت عليها بمصر وامتزجت هذه الثقافة الشرقيّة بعدئذ بالغربيّة التي نهلت منها في تلك المرحلة وتبلورت شخصيّة “هانميّة” يشار إليها بالبنان.
عندما توفي والدها مصطفى فاضل عادت الأسرة إلى مصر وهيأ لها الخديوي اسماعيل شقيق الأب إقامة حسنة في “قصر الزعفران” المعروف باسم “قصر العباسيّة” وقد بُنِيَ على أنقاض “قصر الحصوة” الذي بناه محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة. أوكل الخديوي اسماعيل إلى أحد المهندسين أن يعيد بناء القصر على شرط أن يكون على غرار قصر فرساي الفرنسي الذي سكنه الملك لويس الرابع عشر.
لم تبق الأميرة نازلي طويلا بمصر بسبب تعيين زوجها خليل باشا سفيراً بباريس ذلك في عام ١٨٧٧. حينئذ بدأت بمدينة الجن والملائكة مشروعا فكريا جبّارًا صار الانطلاقة الأولى لعصر النهضة الحديثة.
(يتبع)





في انتظار البقية ..موضوع سيق ورصين
في انتظار البقية ..موضوع شيق ورصين