سلايدرسياسة

قوميات الجوار الشرقي للسودان

بين الأطماع التاريخية والانفجار السكاني

محمد عثمان الفاضلابي

خلفية تاريخية

الحبشة (Abyssinia) ويعود الاسم لقبيلة يمنية تسمى حبشت عبرت البحر الأحمر من اليمن وعرفت الدولة الجارة الجنوبية الشرقية لبلادنا بهذا الاسم حتى تم تغيير الاسم إلى أثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلاسلاسسي في العام 1940، وهي تتكون من عدة قوميات، أهمها

أورومو 34.5% وهم كانوا على هامش الحياة السياسية والاقتصادية حتى عهد رئيس الوزراء السابق ديسالين

أمهرة 26.9% وهم المجموعة التي سيطرت سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لقرون. ومنهم مليك الثاني الذي ضم ممالك عديدة لسلطة الأمهرا وأعلن نفسه ملك ملوك الحبشة 6.2%، تيغري 6.1%، وتاريخ هذه القومية يعود لمملكة إكسوم الحبشية التي تأسست في العام 325 ق.م، وتقول اساطيرهم بواسطة السلالة السليمانية، واعتنق ملكهم عيزانا المسيحية في القرن الرابع وكانت لهذه المملكة تواصل مع عدد من الحضارات الاخري المجاورة لها وكانت تتنافس مع حضارة مروي السودانية ويقال أن عيزانا عندما علم أن مملكة مروي أحرزت تقدماً، تقدم بجيوشه وكانت نهاية مروي علي يديه واستمرت الحروب  حتي تمكن  ملوك سنار من رد العدوان واستعادة الأراضي حتي دار البحر( بحر دار)  ، ومنهم أيضا النجاشي الذي هاجر إليه المسلمون، رغم أن بعض الروايات التاريخية تقول أن الهجرة كانت لشمال السودان، كذلك منهم يوحنا الذي أجبر مسلمو  إكسوم علي التنصر  ودخل السودان محتلا وحارب الخليفة التعايشي وقتل في منطقة المتمة( وحمل رأسه للخليفة في أمدرمان)  التي كانت تتبع لإقليم بني شنقول السوداني المحتل، وواصل الأنصار بعد مقتله ودخلوا حتي قندر .   

ومن بين القوميات سيداما 4. %كوراج 2.5%ولايتي 2.3%هدية 1.7%عفار 1.7%الإعراس 1.5%جيدو 1.3% آخر 11%، ومنهم السودانين على طول الحدود المحتلة من قمبيلا في الجنوب وبني شنقول حتى المتمة في الشمال، تجدر الإشارة أن ملكهم مليك الثاني قام بضم مملكة التقراي الصومال الغربي وقمبيلا التي يسكنها الأنواك في جنوب السودان واحتلال إقليم بني شنقول من السودان

قام الامبراطور هيلاسلاسي بتغيير الاسم من الحبشة إلى إثيوبيا وهو اسم يوناني لدولة كوش السودانية التاريخية الذي أطلقته عليها الشعوب القديمة، وأعجبه الاسم لأنه وجده مذكور في الكتاب المقدس.

الجدير  بالذكر  انه بعد سقوط أم درمان (1898) علي يد قوات اللورد كتشنر ، تدخل مليك ملك الحبشة وشارك في الحرب  واحتل بني شنقول وفازوغلي والروصيرص ولكن الانجليز   تفاوضوا مع الملك منليك  الثاني وخرجوا باتفاق (معاهدة أديس أبابا 1902) بموجبه يحتفظ الملك منليك الثاني بإقليم بني شنقول ذو الاغلبية المسلمة الذين يتحدثون اللغة العربية ، وأن يسحب قواته الي منطقة جنوب فازوغلي والروصيرص عند منطقة (باردا – بمبدي) والتي هي المدخل الشرقي للنيل الازرق في الشريط الحدودي وان يسحب قواته (الأحباش) الذين هاجموا منطقة القلابات وتسلم الي السلطات الحاكمة في السودان آنذاك علي اعتبار إنها أراضي تابعة للحكم الثنائي الذي حكم السودان َنذاك. 

بالنظر للخلفية التاريخية أعلاه نجد أنه  لم تمضي أيام قليلة على لاتفاق الموقع بين وفد الإدارة الانتقالية في السودان والحكومة الإثيوبية وإلا وعاد التوتر من جديد على الحدود  الشرقية وتحديدا في محلية الفشقة المحتلة، وقامت عصابات الشفتة المدعومة من الجيش الإثيوبي بالهجوم علي المزارعين السودانيين وراح ضحية الهجوم بعض المدنيين إضافة إلي ضابط سوداني برتبة نقيب بالقوات المسلحة وجرح آخر برتبة ملازم، فلماذا هذا الهجوم في الوقت الذي تقف فيه حكومة حمدوك إلي جانب الحكومة الإثيوبية التي عاش وعمل بها سنوات عديدة ولعل هذا هو السبب الأساسي الذي يدفعه للوقوف إلى جانب ما يسمى بسد النهضة رغم خطره الذي يهدد السودان  النيلي بالدمار الشامل ؟

لو نظرنا للوضع الراهن في أثيوبيا  نجد ان جارتنا الشرقية تشهد انفجار سكاني بلغ أكثر من 100 مليون  نسمه، وتوقع بأن يصل الرقم الي 140 مليون خلال عقد من الزمان، بينما  يعيش هذا الكم الهائل في رقعة زراعية محدودة، لذلك إن التمدد في الأراضي المنخفضة سلماً أو حربا هو  الفعل الطبيعي لحقائق الجغرافيا والاحتياج الاقتصادي و نجد إصرار الأثيوبيين علي مواصلة التمدد علي الحدود وعدم قبولهم للاتفاقات التي توقعها حكومتهم هو امتداد لسلوك مستمر عبر التاريخ، تجدر الإشارة  أن القوميات الأثيوبية  والتي يحكمها  دستور فدرالي ولديها نفوذ داخل أقاليمها، خاصة الأمهراء والتقراي والأرومو الذين يتصارعون علي النفوذ الداخلي فيما بينهم يحاولون تعزيز مواردهم والتمدد خارج الحدود، وفي حالة الفشقة يصر القوميون الأمهراء على احتلال هذه الأراض والتوسع المستمر بها، الجدير بالذكر أن ملك ملوكهم  السابق مليك الثاني والذي يعتقد أن حدود بلاده هي إهرامات البجرواية شمال الخرطوم  كان قد استقل حرب الخليفة عبد الله التعايشي مع بريطانيا واجتاح السودان واحتلاله  لمساحات شاسعة من الأراضي السودانية  التي انسحب من بعضها بموجب  تفاهمه مع السير جون لين كارلنقتون  ممثل بريطانيا الذي وقع معه معاهدة أديس أببا في العام 1902 وترك له إقليم بني شنقول لإداراته مقابل إيجار رمزي 99 كيلو دهب كل عام رمزاً لجبال بني شنقول .بالنظر لذلك  فإن النزاع الحدودي المستمر ليس أمراً عابرا يمكن ان تطفي ناره صداقة حمدوك مع الإثيوبيين  الذين عاش وسطهم لعقود وتعود علي الإنجيرا والزغني وجلسات البنة، أو طرب بعض السودانيين للمطربات الأمهريات اللائي يرددن  وصية إسماعيل حسن وألحان وردي، أو أغاني عبد العزيز المبارك ، بل هو  صراع تاريخي لإحساس الأمهراء والتقراي أن مملكة إكسوم الحبشية حدودها  حتى شمال الخرطوم، وليس مصادفة إن زار ملس زناوي أهرامات البجراوية والتي يعتقد أنها كانت تقع داخل مملكة أجداده تاريخياً.

وبغض النظر من صحة هذا الاعتقاد الحبشي القديم أو عدمه فإنهم يعملون علي التوسع في الأراضي السودانية المنخفضة بسبب احتياجاتهم الاقتصادية واعتقاداهم بالحقوق التاريخية التي يظنوا أنهم فقدوها.

بعد استعراض هذا القليل من تاريخ  التوسع والأطماع التاريخية من قبل قوميات الهضبة من المهم جدا فهم أسباب فشل التسويات ورفضهم المستمر لترسيم الحدود بيننا وبينهم، بل قيامهم ببناء ما يسمي بسد   النهضة  وهو سد لا يوجد له مثيل داخل عمق أراضي أثيوبيا نفسها ، إذ نجد جميع سدودها  التي يقع خطرها علي شعوبها  صغيرة جدا وأخطارها غير مدمرة لشعبهم، بينما هذا السد الضخم والذي يقع  علي الحدود السودانية وداخل إقليم بني شنقول السوداني المحتل، يسع 74 مليار متر مكعب( 90 مليار متر مكعب سعةغير معلنة) وهي كافية لدمار السودان النيلي ومسحة من الوجود في حالة إنهيار السد أو استخدامه من قبلهم كسلاح مائي لتحقيق أطماعهم التاريخية.

مما تقدم فإن ملف العلاقات السودانية الأثيوبية يجب أن يحتوي لأحداث التاريخ وحقائق الجغرافية وعلوم الاجتماع، لمساعدة الأثيوبيين لتقديم حلول لمشاكلهم سواء بإعادة التوطين والدمج داخل المجتمع السوداني تدريجيا، او بتقديم أراضي

لحكومتهم لاستثمارها مثل ما فعلنا للعرب، وعرض مشروع تعاون اقتصادي، مقابل وقف العدوان علي الفشقة واسترداد إقليم بني شنقول السوداني المحتل وتخفيض سعة ما يسمى بسد النهضة إلى حدود الدراسة الأمريكية في الستينات 11 مليار متر مكعب مع ضرورة المشاركة في تشغيل السد، وحمايته عسكرياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق