ثقافة وفن

الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو

(الشرقيات: Les Orientales  1802- 1885)

معجب بن سعيد الزهراني

يقول الشاعر موجهًا خطابه إلى ذلك القائد اليوناني الذي مات في ساحة المعركة البطولية:

“لكَ الآن أن تغتبط

فبين الجلادين وضحاياهم

ها هي أوروبا تعيد للعدالة موازينها

لكَ أن ترتاح، لا طاغية هنا بعد اليوم

حين تحارب فرنسا، يتغير الوضع في الحال

فيدها تأخذ بالثأر لك

ويكفيها عوضًا عن ذلك

ورقة من شجر بلادك

يونان بايرون وهو ميروس!

أنت يا أختنا.. أنت يا أمنا

لكِ الآن أن تغني إن لم يكن صوتك

قد بح لكثرة ما صرخت من قبل”(39)

وفي مقطع آخر تتحدد المقابلة بين طرفي الحرب:

“هنا أوروبا.. أخيرًا أوروبا تنطلق

بسفنها الضخمة تعبر البحار كالقلاع

وهناك مصر والأتراك.. آسيا الإفريقية هذه

وقراصنتها الأنذال الذين لم يجهز عليهم من قبل

لقد وقعت قدمها الشقية في وكور الجوارح” (40)

إننا هنا، وفي قصائد أخرى، أمام نصوص شعرية تنظم في مناسبة محددة ولذا لابد أن تعيد إنتاج الخطاب الاديولوجي السائد حيث يقتصر دور الشاعر على نظمه وفق القوانين الشكلية للخطاب الشعري ليظل النص في مجمله مباشرًا وسطحيًا، وهنا تكمن المفارقة التي تقوضه من داخله بمجرد انفصاله عن مقامه العابر.

فمثل هذه القصائد، ومهما كان نجاحها التداولي في زمنها، تصلح وثائق مباشرة لمشاعر وأهواء الجمهور العام في لحظة توتر ما، إذ لا تكمن أهميتها في “شعريتها” بل في دلالاتها على مدى انتشار الرؤى والمواقف العدائية في الوسط الثقافي والشعبي الأوربي الذي ينتمي إليه الشاعر ويحاول التعبير عنه بهذه الصيغ الانفعالية الحادة والمسطحة في الوقت نفسه.

هذا ما ينطبق أيضًا على نص عنوانه “صرخة المفتى للحرب” حيث يغير الشاعر منظور التمثيل الشكلي دون منطقه العميق. فالخطاب يعلن هنا بلسان “المفتي المسلم”، الذي هو شخصية رسمية تمثل السلطة الدينية المتصلة بالسلطة السياسية أوثق الاتصال، وبالتالي لا غرابة أن نكون أمام نموذج آخر لذلك الشرقي المتعصب الذي يدفعه دينه ذاته إلى تحويل كل حرب إلى “جهاد مقدس”، هاهو المفتي يصرخ:

“إلى الحرب أيها الفرسان.. محمد! محمد!

فالكلاب تنهش أقدام الأسد النائم

وترفع رؤوسها الوضعية على هامته

أيها المؤمنون يا أتباع نبي الله

اسحقوا هؤلاء الجنود المترنحين لطول ما عاقروا الخمر هؤلاء الرجال الذين لا يتزوجون بأكثر من امرأة الموت لجنس الفرنجة ولملوكهم البغيضين” (41)

فالحماسة الدينية تمتزج هنا بمشاعر العظمة والتعالي على الآخر “الكافر” الذي يبدو أقل مرتبة من المنظورات الدينية والاجتماعية والأخلاقية وبالتالي فإن الحرب ضده مبررة ومشروعة في كل حال. أما إعلان الخطاب بلسان هذه الشخصية الرسمية فيحقق هدفًا مزدوجًا حيث يبرر مواقف الشاعر العدائية تجاه الخصم المتعصب بقدر ما يستثير مشاعر العداء لدى المتلقين إذ يصور الصراع بين الشرق والغرب وكأنه مفروض فرضًا من طرف ذلك الآخر الشرقي البربري والمتعصب بطبعه وثقافته!

وفي كل الأحوال لابد أن نعود فنذكر بأن نصوصًا كهذه تظل محدودة بمقامات الصراع الذي أراد الشاعر أن يشارك فيه منحازًا إلى اليونانيين والبلقانيين، وهذا موقف منطقي متوقع منه ومن أمثاله لأن هؤلاء الثوار أوروبيون ومسيحيون مثله. نعم، لا شك أن هذه النصوص كانت ستبدو أكثر انسجامًا ومعقولية لو أن الشاعر “الرومانسي الليبرالي” صاغها من منظور قيم طليعية جديدة كالدفاع عن الحرية وحقوق الأفراد والشعوب في كرامتها واستقلالها. لكنه اختار كما نلاحظ تلك المنظورات الدينية والأيديولوجية المتخلفة عن زمنها وعن رؤيته الإنسانية التي يعلنها ويبشر بها هو نفسه في مقدمة ديوانه هذا، ومن هنا تتعمق تلك المفارقة التي تفقد هذه النصوص مجمل قيمها الجمالية والفكرية لدى القارئ اليوم سواء أكان غربيًا أو شرقيًا (42)

تتغير استراتيجية التمثيل شكلاً ودلالة حينما يكتب هوجو عن شخوص شرقية أخرى قد تكون نمطية في مستويات معينة لكنها تظل نماذج رمزية إيجابية يعجب بها الشاعر ويحاورها بما يلغي المسافة بينه وبينها إلى حد التداخل مع أصواتها وأفكارها ورؤاها لذاتها وللعالم من حولها.

هذا ما نلاحظه في قصيدة “الدرويش” حيث نجد شخصية دينية “شعبية” تمثل النقيض المباشر لشخصية “المفتي الرسمي”، لأنها تجسد حياة الزهد والبساطة والتسامي الروحي والعملي فوق عاديات الحياة وإغواءاتها، ومن هنا تتجلّى قوة حضورها وجاذبيتها. فهذا الدرويش، الذي لا يسمى بل يترك رمزًا عامًا مفتوح الدلالة، ما إن يمر به أحد القادة الأتراك من ذوي السلطة والنفوذ حتى يخاطبه بلغة غريبة تليق بهذه الشخصية الغريبة هي أيضًا. فالقائد هو “نور الأنوار عظيم الاسم واللقب، تحت إمرته جنود كثر، وهو ظل من الله على الأرض”، وبعد هذا التمجيد الذي أعجب القائد وداعب غروره ينحرف الخطاب إلى المسار النقيض إذ أن الدرويش يبشره بعذاب أليم نتيجة ما اقترفه من ذنوب ومفاسد تجعله يبدو أمام هذا الشخص الزاهد الجريء في مقام “كلب معلون”. ويتطور المشهد المتوتر إلى انحراف آخر يوصله ذروته ونهايته غير المتوقعة هي كذلك. فالقائد يتقدم إلى غريمه متسلحًا بسيفه وثلاثة مسدسات وغدّارة وتوقع الجميع أن يفتك به دفاعًا عن هيبته وكرامته لكنه ما إن يقترب منه حتى يخلع عليه بردته ويمضي في طريقه!.

هكذا يبدو المشهد المتوتر ظريفًا وهزليًا في عمومه لكنه يظل مليئًا بالدلالات الإنسانية العالية إلى درجة المثالية، سواء فيما يخص هذا الدرويش الذي لا يتهيب من قول ما يراه حقًا ولو على حساب حياته، أو فيما يخص هذا القائد الذي يتفهم خطابه ويتقبله باعتباره خطاب تزهيد في الدنيا وحث على الفضيلة لا خطاب عداء وتحقير. من هذا المنظور تحديدًا يبدو الشاعر هو أيضًا وكأنه جزء من هذا المشهد الشرقي الغريب والمثير للإعجاب والتأمل لأنه أعاد صياغته من منطلق الكشف عن منظومة جديدة من القيم الدينية والاجتماعية والفكرية التي يمثلها الدرويش ويعترف المجتمع كله بمنطلقاتها وغاياتها السامية.

تتكرر نفس عملية التمثيل في نص آخر بعنوان “شاعر الخليفة” وإن كان البعد الغرائبي يتراجع هنا لصالح موقف تأملي أكثر عمقًا وغنى دلاليًا لأن الشاعر الشرقي يتحول إلى قرين داخلي للشاعر الغربي كما سنلاحظ. فالنص يبدأ بعبارة من سفر دانيال تتحدث عن عظمة الخالق الذي يفعل ما يشاء ولا أحد يستطيع رد قضائه أو سؤاله لِمَ أنفذه. ثم تكشف القراءة أن الحدث الشعري كله يحيل إلى الماضي البعيد مما يعني أن هوجو يعترف بأن المرجعية الدينية واحدةٌ في الأصل وبالتالي يمكن أن توظف عبارة من التوراة في سياق ثقافي إسلامي” وهذا ما يعبر عنه الشاعر الفرنسي بلسان شاعر شرقي مثله. هكذا يتوجه الشاعر البليغ الحكيم إلى السلطان “نور الدين” فيصفه بأن “الله أحبه فاختاره خليفة يحكم إمبراطورية عظيمة تمتد من البحر الأحمر غربًا إلى الصين شرقًا، وملوك الأرض كلهم يهابونه ويرجون مودته فيما هو يعيش هانئًا في قصور فخمة ذات حدائق غناء يحيط به خدمه وجنده وثلاثمائة من أبنائه، فضلاً عن نسائه وجواريه”. وفي نهاية النص يتحول الخطاب من مقام المديح وطلب العطايا والهدايا، كما في التقاليد الشعرية العربية، إلى مقام التأمل والحكمة والوعظ غير المباشر، وذلك حينما يذكر الشاعر الخليفة بالموت من خلال مشهد استعاري كناني جميل وغني بالدلالات، وهو مشهد “القمر، كوكب الموتى، الذي يظهر نصفه الفضي في عمق سماء زرقاء صافية”. هنا ينتهي النص دونما ذكر لرد فعل الخليفة تجاه هذا التحول المأساوي في الموقف وكأن الشاعر يريد لهذه الصورة أن تختم المشهد وتتركه منفتحًا على القراءات والتأويلات وهنا يكمن جماله الفني وثراؤه الدلالي (43)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا استاذ الزهراني
    على هذا التنوير بديوان الشرقيات ولو انه كان من الأفضل عدم الاهتمام بابراز نخوة الشاعر القومية في الوقوف مع بني جلدته في الحرب ضد الاتراك الذين كانوا يمثلون الخلافة الاسلامية لانها كما تفضلت مفهومة في سياقها التاريخي.
    قيمة الديوان الباقية الخالدة في نزعته الانسانوية التي نوهت انت إليها في بقية المقال.
    لدي نسخة من ترجمتكم لكتاب دريدا: مواقع.
    هل لي أن أطلب منكم ارسال نسخة الكترونية من ترجمة ديوان الشرقيات عربية كانت ام انجليزية . بحثت في النت ولم أجد أي منهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق