ثقافة وفن

نحو استراتيجية مدروسة لتطوير الإعلام السوداني (١)

يُعد القطاع الإعلامي من أهم القطاعات الخدمية والثقافية على الإطلاق في السودان، ولذا كان هدفا مباشرا لنظام الجبهة الإسلامية، والتي اعتمدت منذ منتصف السبعينيات من القرن المنصرم استراتيجية استهدفت، على المدى الطويل، الهيمنة على قطاعات المال والأعمال، والإعلام، والجيش، ولاحقا السلطة.

لذا فإن إعادة النظر في هذا القطاع الذي تعرّض للتدمير الهيكلي من أهم متطلبات المرحلة الحالية، خاصة باعتبار الدور الحيوي الذي يضطلع به للقضاء على مسببات الفرقة بين مكونات الشعب السوداني، وفي صياغة وتجذير الوحدة الوطنية، والتأسيس لمجتمع صحيح يتجاوز عوامل التخلف، وينطلق نحو التنمية الشاملة المنشودة، ورأس سنامها تطوير الإنسان والارتقاء بإدراكه وتوسيع أفقه.

لقد سبق لكاتب هذه السطور طرح فكرة مفادها أن انعتاق السودان مما يُكبله يتأسس على ثلاث أعمدة، أسماها “ثالوث الانعتاق”، وهي التعليم والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وأن عليها الإنجاز بصورة متزامنة ومتكاملة لتحقق الإنجاز المطلوب.

إن العامل الأول في تطوير استراتيجية إعلامية مدروسة بعناية لتحقيق متطلبات المرحلة الحالية والمقبلة من عمر الوطن يتطلب العمل على تعريف المشكلات القائمة بشكل دقيق، فلا غنى عن معرفة أبعاد المشكلة وتحليل عناصرها ومكوناتها بشكل عقلاني تمهيدا لإيجاد الحلول المستدامة.

لعل أهم المشكلات الحالية في الجانب الإداري هي التالية: الهياكل الإدارية المهترئة غير المواكبة لروح العصر من الناحيتين الإدارية والإعلامية، ومعايير التعيين غير المنطقية في المناصب التنفيذية، وسياسات التوظيف البالية التي لم تتطور، واستشراء المحسوبية والاختلاس والفساد، والترهل الوظيفي على حساب الجودة والكفاءة، وضعف النظام الإداري للرقابة والمتابعة.

على الصعيد الفني: ضعف قطاع الإنتاج وضعف منتوجه مع قلة جودته، وعدم مواكبة التطورات الفنية والتحريرية في العالم، وقلة الفرص التدريبية والتطويرية وتخصيص ما يتوفر منها بمعايير المحسوبية وليس الحاجة أو الكفاءة أو التحفيز، وتخلف المعدات والتجهيزات الفنية، وغياب التعاون مع المؤسسات الإعلامية الكبرى بما يُكسب العاملين الخبرات المتطورة ويصقل معارفهم التقنية، وطغيان الآراء الشخصية التي لا تستند إلى معرفة أو علم أو خبرة وتطبيقها في الواقع بسبب المناصب التي يحوزها أصحابها. على الصعيد السياسي: طغيان الانتماءات الإيديولوجية وتأثيرها بالغ السوء على صناعة القرار لدى المسؤولين ورؤساء التحرير.. إلخ، وخضوع وسائل الإعلام للأجندة السياسية للنظام القائم أيا كان مما يضرب عرض الحائط باستقلالية الخطاب الإعلامي وتجرده ونزاهته، وتدخلات المسؤولين وكبار المتنفذين في البرامج السياسية التي تجذب الكثير من المشاهدين وتساهم بشكل كبير في صياغة الرأي العام، وضعف الاستقرار السياسي مما يكبح جماح الإعلام بأن يُحلق في أداء دوره النبيل، وضرورة تحديد الأهداف الاستراتيجية وأولويات الخطاب والرسالة الإعلامية في المرحلة المقبلة؛ في التوعية والتنوير والتثقيف بالقضايا الوطنية.

أما على الصعيد المالي، فضعف الموازنات المخصصة للتشغيل والتطوير والإنتاج والتدريب، والحاجة الماسة لوضع هياكل مدروسة بعناية للأجور والعلاوات والحقوق التقاعدية، وتحديد الحد الأدنى للأجور بما يحفظ كرامة العاملين في القطاع الإعلامي، ويحقق الكرامة الإنسانية.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق