ثقافة وفن

الارتداد العكسي في الزمن أوقف تنامي عجلة البناء

النهضة الفكرية …  معالجة إشكالية صيرورة السؤال!

مصطفى يوسف

تمأسست حركة النهضة الفكرية في العالم العربي في القرن التاسع عشر، كصدى لمثيلتها في الغرب، أو فلنقل متأثرة بها، ناقلة عنها، نتيجة تضافر عدد من العوامل وكجهد تراكمي بذل بتخطيط ممنهج مقصود، امتص وسرب بعملية انتخاب نوعي، محتوى انتظم هناك اوجه ومظاهر الحياة، اضطلع به رواد بواكير عصر النهضة، سواء أكان ذلك عبر الترجمة او البعثات، وهذا رأي قد لا ينال استحسان وقبول بعض المهتمين والباحثين، الذين يرون ان البنى الدقية للنهضة الشاملة في الغرب هي في الصل عربية الجذور والمضمون، لكنها تقوضت واندثرت او تخلفت في منشأها، بسبب عوامل- يضيق المجال بذكرها- أهمها وقوع العالم العربي رهيناً لأحداث بعينها، اسهمت في انهيار صرح النهضة الذي كان يتصاعد ويشهق في البنيان.

ليس الهدف من هذا الطرح المقارنة بين ما يدور هنا وما يعتمل هناك، بأي حال من الأحوال وفي اي سياق من السياقات، وأيّاً كانت درجة الاتفاق والاختلاف حول ما ذهبت إليه بشكل مقتضب، إلا أن المعطى الراهن لحركية الفكر في العالم العربي، يشي بتحقيقها ارتادت عكسية في الزمن، صبغتها بعدم تنامي وديمومة خط التصاعد والعودة إلى الوراء دائما، هذا في ازاء مكونها المحمول تاريخياً، وما أنجزته من قبل، وفي ذات الوقت تخلفها عن مثيلتها في الغرب، ولتوصيف الاشكالية بدقة ، فنحن هنا بصدد الحديث عن عملية بعث جديدة للحركة الفكرية، وليس تأسيساً لها، والبحث عن أسس سليمة لها، تنبني على تفادي المثبطات السابقة وتعمل على إمكانية رسم خارطة طريق، بإعمال المنهج العلمي، للوصول إلى رؤية يتعالق بها نتاج المستقبل، استجابة لوجدان الأمة الجمعي.

تكتنف هذه المسألة جملة معوقات وصعوبات وتحديات، هذا إن اتفقنا أننا نتوخى ليس تحقيق الحد الأدنى من النهضة، إنما الوصول لمستوى يضاهي ما هو في أفق العالم عامة، ما يمنح الوطن العربي القدرة على المساهمة الفاعلة في تنقيط ملامح مفردات الحركة الفكرية، والرضا عن محمولات تجربته الخاصة، لإنهاء حالة الفصام بين الواقع المعيش والمثال المنشود المأمول.

تتأرجح التحديات التي اقصدها هنا، بين التأثير السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي على حركة الفكر ومرحلة التراث بآليات لم تنحاز بالدرجة القصوى لإثراء هذه الحركة بما يؤهلها ويحقنها بعوامل الحياة والاستمرارية، بقدر ارتهانها لسياقات راعت في أحايين كثيرة النظرة الضيقة لا الشمولية، بالإضافة لتغول قوى تحاول باستمرار شد رسن الدفع إلى الوراء والتقوقع في أحضان الماضي احتماء بفرضية محددة، تزعم حماية الموروث وصيانته من حالة تشويه متعمدة، تعتقد انها بتخطيط مقصود، وهذا خطاب لا يصب بكل تأكيد في خانة أنسنة الفكر، كأوكسجين للحياة، بل يتعمد قولبته في أطر ومواعين جاهزة، ويخرق مبدأ سيادة عمومية الكل وخصوصية الجزء.

وأسارع إلى القول ان نتاج الحركة الفكرية في العالم العربي، ليس متسقاً ومنسجماً في انبعاثاته وتشكيلاته، ويبدو متبايناً مناطقيا وجهويا، ففي الوقت الذي يقترب في بعض المناطق والدوائر من المثال المنشود، يظل في أخرى بعيداً كل البعد عن ذلك.

وصلت حركة النهضة الفكرية في الدول العربية الواقعة شمال غرب افريقيا، المغرب- الجزائر، كمثال، شأواً بعيداً، متقدمة عن وصيفاتها في دول أخرى، مع ان بدايات النهضة لم تكن في هذا الجزء تحديداً، وأنا هنا لا أُجزيء بقدر ما أحاول الإمساك والإشارة إلى ملمح عام يسم هذه المنطقة، ويمنحها الفرادة، لتمكنها من إرساء معادلة، ابقتها في حالة أخذ وعطاء مستمرين، مع مراكز الإشعاع الفكري، ومن ثم ملاحقة التطورات الآخذة في التشكل والنمو آنياً.

هناك مناطق أخرى – دون تحديد- ظلت واقعة تاريخياً تحت أسر حالة من الاستهلاك، دون تملك خاصية الرفد والمتابعة، بل بدت حتى في اللحظات التي حاولت فيها الملاحقة، غير قادرة عن الانعتاق عن الرؤية التي تنتخب بؤرة التعاطي وزاويتها، وذلك لسيطرة موجهات، يهمها إعادة عقارب الزمن إلى الوراء باستمرار.

خلق هذا التباين بقعاً لا تمتلك خاصية التحرك، ما اعاق انسيابية الفكر، التي تُسهِل الاندماج في مشروع واحد متسق السمات والقسمات، كحد أدنى متطلب له، يهيئ الظروف ويرسي الأرضية الصلبة لانطلاق المشروع. يتمظهر العلمي كمتغير منفصل في العالم العربي، عن الفكري، الذي يبدو متغيراً تابعا لا مستقلاً، مع أن الافتراض القائم هو التشابك التام والتداخل بينهما، ولعل هذا الوضع الشائه هو الذي تسبب في تعثر خطى المشروع النهضوي الفكري، وإعادة هذه المعادلة إلى صيغة التوازن، يعني وبالضرورة التأسيس مجدداً لمتغيرات تحفز التوجه صوب عملية النهوض بثقة.

برزت العديد من الصيغ الحاضنة للنهضة الفكرية، والتي حاولت التصدي للسؤال من منطلقاته الفلسفية والتاريخية، جمعت لفيفاً من المفكرين والباحثين، لكن ضعف التنسيق والوقوع في شراك الأدلجة ورغبة التسارع نحو السياسي، اضعف العملية وأعاد المشروع إلى النقطة الصفرية والفردية التي لن تجدي نفعاً، لأن المشروع وجداني جمعي، ينبغي أن تلتف حوله الأمة، بإنهاء حالة التباين القائمة هذه ، والافتكاك عن محيط السياسي والابتعاد عن القولبة، والتخلص من نظرة الشك تجاه نتاج حركة الآخر، والانعتاق عن دائرة الخصوصية التي يصف بها البعض ذاته، ووزن معادلة العلمي- الفكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق