
القطعان في السودان
محمد المنتصر حديد السراج
لا شك أن السودان بلد غنى بالثروة الحيوانية، ففيه من الماشية، الإبل والبقر والضأن والماعز. وأهل هذه القطعان من هذه الثروات منتشرون فى كل بقاع السودان من الأبالة والبقارة والغنامة وهم قبائل ذات أصول عريقة فى العروبة والنوبة والزنوجة وهم أعراق متداخلة وثقافات متنوعة. عايشناهم فى دارفور وكردفان، وفي شرق السودان والنيل الابيض والازرق، وفي الشمال، ومن قبل في الجنوب المنفصل برغمنا بعوامل الداخل والخارج. وأهل القطعان أهل كرم وإباء، وللقطعان رعاة حريصون عليها يحوطونها بالحفظ والتنمية، وبعضهم قد يضيع ما يرعى. ولحكمة بالغة كان كل الانبياء رعاة للأغنام يرفقون بها، وعلماء السلوك يجدون أن أرفق الرعاة أهل الاغنام وأشدهم أهل الابقار(البقارة) واشد منهم وأقسى أهل الإبل(الأبالة)، ولا نريد أن نخوض فى تفاصيل نتركها لمقامات أخرى. ولنا من الأواصر الواشجة علاقات ممتدة فى دارفور وجنوبها وغربها خاصة، وفى كردفان وجنوبها خاصة حيث جبال النوبة الجميلة المعطاءة، وفى غرب كردفان حيث أهل مودتي من المسيرية الحمر والزرق وفى اولاد عمران خاصة ولهم التحية.
كان ما كتبت آنفا تقدمة لخطوط عريضة في الرد على د. النور حمد وآخرين. وقد كثرت هذه الأيام استعمالات كلمة (قطيع)فى التناول الفكري والسياسي ولها مدلولاتها السالبة، ولكن ربما تصدق فى حق نخبتنا السودانية التى مازالت تدمن الفشل بكل أطيافها مع بعض الإشراقات هنا وهناك.
وهذا ربما يصدق فيه رأى الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد فى تركيب وبناء الشعب السوداني. ونحاول هنا عمل تخطيط أولى للقطعان فى السودان مستصحبين ذاكرتنا الرعوية. وبحسب من يتحدثون بكل ترفع عن ظاهرة(القطيع) نقسم التركيب السياسي والفكري، والديني والقبلي لعدد من القطعان وبلا شك أن لها رعاة نتفق معهم ونختلف.
ونبدأ بالقطيع الديني الطائفي: والذي يتمثل في حزب الامة والانصار وما تولد منهم، وكذلك الاتحادي الديمقراطي والختمية وما تولد منهم…وهناك القطيع الديني الحركي: ممثلا فى الحركة الاسلامية الحديثة والاخوان المسلمين وما تولد منهم.
والقطيع الديني السلفي: وما تولد منهم.
والقطيع الديني الصوفي: وما فيه من الطرق والجماعات.
والقطيع الديني الصوفي السياسي الفكري: المتمثل في الجمهوريين أتباع محمود محمد طه. والقطيع القبلي السوداني: بقبائله العربية وغير العربية النوبية والزنجية وما تولد منها.
والقطيع اليساري السوداني: وفيه الشيوعيون والبعثيون والناصريون بمدارسهم المختلفة.
والقطيع المهني المتخصص: متمثلا في الأطباء والمهندسين والإعلاميين والصحفيين، ومن أهل التخصص المهنى، القطيع العسكري النظامي: من الجيش والامن والشرطة والقوات المساندة تحت إمرة الجيش، وهناك القطيع العسكري غير المنتظم وهو ميليشيات القبائل المختلفة وما يتولد منها أحيانا كثيرة من القوات المتمردة لأسباب موضوعية وأخرى غير موضوعية وربما تكون تآمرية بدعم داخلي أو خارجي او الاثنين معا.
وهذه عموما حالة قطعانية شديدة الأسر (على حد قول المتحدثين دوما عن ثقافة القطيع)، وهي حالة تدعو الى الأسى لحال هذا البلد المعطاء الذي نسأل الله تعالى أن يجنبنا شر قطعانه المتكاثرة ورعاتها!؟
وهذه دعوة الى النخبة السودانية ان تكف عن إدمان الفشل وتنتبه لمواطئ أقدامها وهي تتطلع لبناء سودان حر قوى غنى موحد معافى من كل أمراض وأعراض التخلف الحضاري… (ومن هنا تحية للأديب السياسي منصور خالد في برزخه) …وتحية خالصة لكل أهل القطعان في السودان! ولننتبه: ألا نبيع بلادنا في سوق الخميس بالثمن البخس!




