ثقافة وفن

النحت من القلب … الطريق إلى الهلاك

المهدي نقري

استوحيت عنوان المقالة من قولة للفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي 185) ه/805 ـ  256ه/873( قالها لجلسائه حينما أنشد أبو تمام شعرا في حضرته حيث قال “هذا الفتى قليل العمر لأنه ينحت من قلبه” وبالفعل تحققت نبوءة الكندي وتوفي أبو تمام عن عمر يناهز 42 سنة.

موضوع المقالة لا ينصب حول شخصية أبي تمام ولا عن شعره ولا عن أحد من شعراء عصره، بل تدور -المقالة- حول شخصيتين نحتا من قلبهما فكان طريقهما إلى الهلاك معبدا، مثلهما مثل أبي تمام، الأول توفي وسنه 40 سنة والثاني 36 سنة، سبب الموت مختلف بطبيعة الحال ولكن همهم واحد، ماتوا وهم يحملون الحب في قولبهم.

الأول غادرنا بسبب مرض السل الذي أنهك جسده والثاني دفع ثمن صموده وجرأته، وتم اغتياله على يد الموساد الإسرائيلي، ولعلك يا صديقي بدأت الآن بالتساؤل، من هذان؟

الأول: فرانز كافكا  كاتب تشيكي يهودي من أصول ألمانية، من بين أبرز كتابته نجد التحول والمحاكمة والقلعة، وبسبب فرادة أسلوبه نحت في الأدب مصطلحا مشتقا من اسمه وهو الكافكاوية مشيرا إلى الكتابة الحداثية الممتلئة بالسوداوية والعبثية.

كان الجوع هو سبب وفاة كافكا كما يقال، حيث إن المرض أصاب حنجرته مما جعل الأكل مؤلماً جداً، وبسبب أن حقن التغذية لم تكن موجودة آنذاك فلم تكن هناك طريقة ليغذي بها كافكا جسده.

هل كان يحتاج كافكا فعلا إلى الطعام؟ وهل الأكل هو الذي كان يؤلم كافكا؟

الإجابة في نظري لا، ما كان يؤلم كافكا حقا هو قلبه وما كان يحتاج إليه كافكا بالفعل هو جرعة من الحب، الحب الذي سعى وراءه طويلا لكنه لم يلحق به.

ميلينا الملاك الأسود

عام 1919، وفي مقهى في براغ، التقى فرانز كافكا لأول مرة بالشابة ميلينا يزينسكا، حيث اقترحت عليه ترجمة أعماله من الألمانيا إلى التشيكية،لقاء واحد كان كافيا لئن تتمكن ميلينا من إيقاع كافكا في دهاليزي حبها، ومنذ ذلك الحين والألم يعتصر قلبه، كتب لها مرة قائلا:

إنني أرتعش فحسب تحت وطأة الهجوم، أعذب نفسي إلى درجة الجنون. في الحقيقة، حياتي، وجودي، إنما يتألف من هذا التهديد السفلي، فلو توقف هذا التهديد لتوقف أيضًا وجودي. إنه طريقتي في المشاركة في الحياة. فلو توقف هذا التهديد، سأهجر الحياة بمثل سهولة وطبيعية إغلاق المرء لعينيه.

ميلينا، أنت بالنسبة لي، لست امرأة، أنت فتاة، فتاة لم أر مثلها أبدًا من قبل، لست أظن لهذا أنني سأجرؤ على أن أقدم لك يدي أيتها الفتاة، تلك اليد الملوثة، والمعروقة، المهتزة، المترددة، التي تتناوبها السخونة والبرودة. أتعلمين يا ميلينا، إنك عندما تذهبين إليه (يقصد زوجها) فإنك بذلك تخطين خطوة واسعة إلى أسفل بالنسبة لمستواك، لكنك إذا خطوت نحوي فسوف تتردين في الهاوية، هل تدركين ذلك؟

عندما حذر كافكا ميلينا من الخطو نحوه هل كان خائفا عليها أم على نفسه؟

لا تبحث عن الجواب عندي يا عزيزي القارئ، فليس عندي شيء، أبحث عنه في مكان آخر، ربما لو ذهبت إلى قبر كافكا وسألته بنفسك لكن أفضل، لكن كن متأكدا أنه سينظر إليك بعينين ذابلتين وسيتحدث بصوت شاحب، قائلا لك :

“لا تنحت من قلبك يا عزيزي، هذه نصيحة رجل نحت من قلبه فكان مصيره الهلاك”

الثاني: هو غسان كنفاني كاتب فلسطيني من مواليد مدينة عكا عام 1936، ولكم كان كريما ذلك العام، حيث أهدانا قلما عربيا قل نظيره، وشهد ثورة من أعظم الثورات في تاريخ فلسطين في القرن العشرين عبر خلالها الفلسطينيون عن بسالتهم وروح تضحيتهم من أجل وطنهم.

عزيزتي غادة، أراكِ دائما أمامي، أشتاقكِ، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك، فأغرسك أكثر في تربة صارت كالحقول، التي يزرعون فيها الحشيش، مأساتي ومأساتك أنني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها، وأعمق من أن تطمريها

لماذا اختار غسان غرس غادة في تربة كالحقول التي يزرعون فيها الحشيش؟ لماذا لم يقل مثلا تربة كالحقول التي يزرعون فيها ورود البقلة أو ورود إغلانتيريا؟

غسان يعي ما يقول، اختار الحشيش لأنه يسافر بمدمنه إلى عوالم عدة وهو في مكانه، وكذلك كانت تفعل به غادة، حيث كان يدمنها.

حب إلى الأبد

العنوان مستوحى من مسرحية غسان “جسر إلى الأبد” ولعل الحب الذي رواده إلى الأبد هو حبه لوطنه ولغادة، حيث لكل إنسان قضيته أو كما قال غسان “الإنسان في نهاية الأمر قضية” وقضية غسان كانت هي الوطن وإلى جانبه هناك غادة، فكرس كل ما في وسعه للدفاع عن وطنه بكل نزاهة وشجاعة ونحت من قلبه وهو يكتب عن فلسطين الجريحة، كان يؤلمه أن يرى وطنه ينزف وقلبه سليم، لهذا كتب بقلبه وأوجعه، ما قلناه عن الوطن ينطبق عن محبوبته غادة رغم أنه كان متزوجا من الدنماركية “آني هوفا” وله منها فايز وليلى.

كنت في بداية الأمر أريد أن أتحدث عن غسان كنفاني من زاوية العلاقة التي جمعته ب “غادة السمان” والحب الكبير الذي كان يكنه لها فقط، لكن تذكرت موقفا جمعني ب غسان سنة 1972م،عندما كنت أحضر في الجامعة اللبنانية أطروحة دكتوراه بعنوان”العرب من الضياع إلى الضياع-مقاربة إبكولوجيا-” ولا تسألني عن معنى كلمة “إبكولوجيا” فلست أدري هي مجرد عناوين وحسب، حيث أوصاني أن أبلغ العرب وصية، ترددت كل هذه السنين من قولها، متيقنا مع نفسي أن لا فائدة من ترديد كلام أن أعرف مسبقا أنهم لن يطبقوه

لكن يجب أن أضع هذا الحمل الثقيل الذي أحمله، لأنني دائما أعاتب نفسي، المهدي ما بالك تحمل هذا الهم لوحدك !

لكن قبل أن تعرف ماهية الوصية أدعوك عزيزي القارئ لرحلة لن تأخذ من وقتك الكثير وأعتذر وإن أطلت الكلام –لكن ما عليك إلا الصبر إذ كنت تريد معرفة الوصية- رحلة سنرحل فيها إلى فلسطين وأن أعلم أنك سوف ترفض الذهاب معي معللا رفضك بأنك لا تريد أن تلوث جواز سفرك بختم إسرائيلي، لكن لا عليك أن أتوفر على طاقيتين للإخفاء واحدة لي وواحدة لك.

الوطن ليس شرطاً أن يكون أرضاً كبيرةً، فقد يكون مساحةً صغيرةً جداً حدودها كتفين.

قد يذهب تأويلك-كما ذهب تأويلي- إلى أن غسان يلمح من خلال قولته هذه للإشارة إلى المرأة، المرأة في نظر غسان وطن وكذلك كان يعتبر غادة، بل بلغ به الأمر إلى وضع غادة وفلسطين على صعيد واحد.

أنت في جلدي وأحسك مثلما أحس فلسطين، ضياعهما كارثة بلا أي بديل لا تكتبي لي جوابا

لا تكترثي، لا تقولي شيئا، إنني أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجئه الوحيد، وسأظل أعود: أعطيك رأسي المبلل لتجففيه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب.

هكذا ظل غسان كنفاني معلقا بلا أجوبة، لا من وطنه ولا من محبوبته إلى أن أسلم الروح إلى بارئها يوم8 تموز/يوليو من سنة 1972 ببيروت، على يد الموساد الإسرائيلي هذا الكيان الوسخ الذي شعر بخطورة قلم غسان وجرأته، وهنا استحضر قولة للشاعر بابلو نيرودا الذي لم يسلم هو كذلك من مضايقات  نظام بينوشيه، ففي أحد الأيام داهم جنود بيته لتفتيشه، فقال لهم “ابحثوا في كل مكان، لن تجدوا عندي أخطر من القصائد”

لا شك عزيزي القارئ أنك تتساءل مع نفسك أين هي الوصية التي خبرتك عنها، وتقول في نفسك هذا مجنون، بالفعل أنا مجنون ولا وصية عندي، بل أبحث عن شفائي بواسطة الكتابة، ولكن أنا متأكد أنه لو أتيحت الفرصة لغسان لكتب وصية كالتالي: “لا تصالح ولو منحوك دواء كورونا )لم يعد للذهب قيمة(“

(المهدي نقري: أستاذ اللغة العربية، طالب باحث بسلك الدكتوراه جامعة محمد الخامس بالرباط، المغرب)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق