
بروفسير عبد الله التوم
في هذا الحوار، أدعو القارئ للتعمق معي في جدوى الحفاظ على جيش قومي في السودان. ما هي الفائدة التي يجنيها السودان بالصرف على جيش قوامه أكثر من مئة ألف، بالإضافة إلى عشرات الآلاف تحت مسميات أخري مثل الدعم السريع وجهاز الأمن الذي تحول بقدرة قادر إلي جيش يضاهي قوات الشعب المسلحة. ماذا يحدث إن قمنا بتسريح كل هذه الجيوش وأعلنا السودان دولة خالية منها؟ هل هناك مبررات مقنعة للحفاظ على هذه الجيوش؟
مبررات ضرورة الجيش القومي
لقد بٌنيت فكرة الجيش القومي كجزء لا يتجزأ عن الدولة الحديثة على نظريات علمية بالية وخرافات لا يمكن الدفاع عنها. هذه النظريات تفترض أن الانسان هو مخلوق حربي، فطرياً، وجُبه علي العداء. قد تحولت هذه النظرة إلى مذبلة التاريخ، فقد وضح جلياً أن الإنسان يميل إلى المهادنة في حياته اليومية وأن السلم هو ديدنه اليومي. أناشد القارئ أن يفكر عما فعل طوال هذا اليوم: إلقاء التحية على الآخرين والتحية قد تشمل الدعوي بالسلام وفد تحتوي القبل، أو الابتسامة، أو معانقة اليدين، أو الحضن، أو ضم اليدين على بعضهما أو الانحناءة وجميعها تعبر عن السلم وليس العداء في الثقافات المختلفة. كم مرة فسح القارئ الطريق للآخر أو قدم له المجلس أو أقدم لمساعدة المسن أو الصغير أو السائق الذي ظهر وهو في عجالة. معظم هؤلاء غرباء في حياتنا ولا نطمع في رد جميلهم ولا نتوقع لقاءهم في المستقبل، ولكننا نحسن معاملتهم لأننا فُطرنا وجُبرنا على السلام وليس العداء.
إن تاريخ البشرية المعروفة لدي العلماء المختصين لا يتعدى ال ٥٠،٠٠٠ سنة ولم يكن الحرب أو الجيوش سمة ذات أهمية تذكر. قد يكون غريبا أن يعلم القارئ أن أول جيش ظهر على وجه البسيطة كان في نهر النيل حوالي ١٢٠٠٠-٩٠٠٠ قبل الميلاد وتبعته جيوش أخرى، ولكنها قليلة العدد. العلم الحديث يؤكد أن الجيوش دخيلة على الإنسانية والتي قضت ٩٩٪ من تاريخها المعروف بدون جيوش. ثمرة الحديث إن الجيوش النظامية غريبة علينا ولا تساهم في دعم إنسانيتنا، إن لم تقوضها. يحضرنا هنا ما قرأته عن العالم الألماني كانت حينما قال إن مهنة الجيش تنزع الإنسانية من الفرد، فمهمة الجندي هو قتل الإنسان، أجنبياً كان أم وطنياً، فكلاهما بشر، وإزهاق أرواحهم ينافي الإنسانية.
تذهب ثقافتنا الشعبية والرسمية أن الجيش يؤدي مهاماً مفصلية في حياة الفرد والمجتمع، أو دولة السودان الحديث، إن شئت. فالجيش يحمي السودان من التغول الأجنبي ويدرأ خطر الثورات الاثنية الإقليمية التي تهدد وحدة البلاد، ويحفظ الدستور. وفوق ذلك، فأن الجيش بتكوينه القومي، يعمق الروح القومية في البلاد. أقول حسناً، ودعني أختلس تعبير الشاعر محجوب شريف “لجرد حساب” الجيش القومي السوداني.
حماية الحدود
قلنا ان مهمة الجيش الأساسية هي حماية حدوده ضد التغول الأجنبي. أعني هنا أراضي السودان التي احتلتها دول الجوار وإن كان العرف الدولي يفضل الإشارة إليها “بالمناطق المتنازع عليها وليس المحتلة”. أهم هذه المناطق هي حلايب وشلاتين (مصر)؛ مثلث الشمال الغربي (ليبيا)؛ الفشقة (إثيوبيا)، ومثلث إليميا (إثيوبيا وكينيا). وبعد انفصال الجنوب، أصبح السودان الشمالي ينازع دولة الجنوب في أكثر من أثني عشر منطقة. ماذا فعل جيشنا الجرار حيال هذا التعدي على ترابنا السوداني العزيز؟ الإجابة بكل أسف لا شيء فمنذ الاستقلال، لم يتمكن جيشنا العظيم من استعادة شبر واحد من أراضينا المحتلة، والكل يعلم أن هذا هو الدور المفصلي والذي يبرر وجود الجيش والصرف عليه. الغريب في الأمر أن الجيش فشل في حماية العاصمة أيضاً فكيف له أن يحمي حدوداً شاسعة وبعيدة. أعني هنا عملية الزراع الطويل، فعندما دخلت قوات خليل مدينة أم درمان، اختفي الجيش تماماً وترك مهمة الدفاع عن المدينة لجهاز الأمن القومي.
قد نقول ان الجيش السوداني فشل في مهمته الأساسية نسبة لانشغاله بواجب آخر وهو محاربة الحركات المسلحة في جنوب السودان وجبال النوبة ثم ودارفور. هذه الحركات نبعت من تظلمات تنموية وتحتاج لحل سياسي بحت ولكن قادتنا آثروا أن يجنحوا الى فوهة البندقية. دعونا نبدأ بحرب الجنوب وقد كان للجيش القومي دور فعال في اندلاعها فقد تبني الجيش عنصرية الدولة وزرع الكراهية باستهدافهه للكل في جنوب السودان، مسلحا ومدنياً على حد سواء. وكما فشل الجيش في الدفاع عن السودان ضد الغزو الأجنبي، كانت تجربته في الجنوب تجربة خاسرة، أقرب إلى الاستسلام المهين. قد اضطرت حكومة المهدي في الثمانيات للاستعانة بمليشيات قبلية (المراحيل) لتوقف زحف قوات الحركة الشعبية وبذلك أصبح المهدي بمثابة الأب الروحي لما سمي لاحقاً بالجنجويد في دارفور. وحينما عجزت قوات “المراحيل” في هزيمة الحركة الشعبية لجنوب السودان، لجأت الحكومة الى اختلاق جسم جديد، مستبدلة الإثنية بالدين. ظهرت قوات المجاهدين وتحولت المجابهة لحرب دينية تُوعد الشهداء بموقع في الجنة، وتخدعهم بسخف ان القرود والملائكة تحارب معهم جنبا الى جنب. كيف لا فالمجاهد يستشهد والجنوبي يهلك وإن كان مسلماً، حسب إعلام الخرطوم. الغريب أن عرابهم الترابي نزع منهم الاستشهاد ولا أدري ما مصير شوارع مدننا والتي منحناها أسماء هؤلاء “الفطائس”. حارب جيشنا الباسل لأكثر من خمسة عقود وليته استسلم بوقار وكفانا شر فصل الجنوب الحبيب.
لم يتعلم الجيش السوداني ولا حكومته الدرس القاسي الذي تلقاه من هزيمته بالجنوب فقد ظل الحل العسكري خيار استراتيجيتهم لمجابهة الانتفاضة المسلحة في دارفور. جاءت مشكلة دارفور والجيش القومي يبحث يائساً عن فرصة يثبت فيها مِهنيته ومقدرته على القيام بواجبه، وولم يجني إلا الخسران المبين. ذكر الكاتبان دوال وفلنت، والمتعطفان مع حكومة البشير أن الجيش السواني خسر٣٤ معركة من جملة ٣٨ معركة خاضتها ضد حركات دارفور في عام ٢٠٠٣، إي السنة الأولي في حرب الإقليم. أدي هذا الانكسار الي العودة إلى إعادة تجربة جبال النوبة، والقائمة على الاعتماد على المليشيات الأثنية والذي قسم إقليم دارفور إلى عرب وزرقة. للأسف فقد قوض هذا التقسيم النسيج الاجتماعي في دارفور والذي تكون وتعمق عبر مئات السنين. وكما أخفق الجيش في حربه ضد حركة جنوب السودان، أخفق أيضاً في إخماد ثورة دارفور وفسح المجال للتفاوض لحل المشكلة.
دعنا نسأل أنفسنا! إن كان الجيش السوداني قد فشل في حماية حدود البلاد ضد الأجانب ولم يستطع إخماد الثورات الداخلية، هل نجح في أي مجال آخر؟ الإجابة على هذا السؤال محرج للغاية فقد تفنن الجيش السوداني في انتهاك حرمة شعبه من قتل وسحل وتقويض لمساره الديموقراطي. إن تجاوزات الجيش السوداني لم تبدأ بحكومة الإنقاذ فتاريخ جنوب السودان تشير أنها بدأت منذ فجر استقلال السودان عندما حصد الجيش أرواح ٣٠٠ مواطنا لا لذنب إلا أنهم تظاهروا للمطالبة برفع أجورهم. ذكر الكاتب المخضرم شوقي بدري، صاحب الذاكرة الخارقة، أن بعض التجار الشماليين شاركوا في المجزرة، مستخدمين أسلحة الصيد التي كانت بحوزتهم ولا أذكر أسم وزير دفاعنا الذي هدد بحرق جنوب السودان بعد ذلك. إن مآسي عمليات الجيش السوداني في جنوب السودان لا تحصي وقد لعبت دوراً كبيراً في انفصاله من السودان. ليس أدل على ذلك أكثر من الإحصائيات التي تشير أن ضحايا حرب الجنوب قد تعدت ٢ مليون نسمة. غني عن القول إن جل الضحايا هم من غير حاملي السلاح. أما جبال النوبة فقد عانت القتل والتشريد كما الحال في الجنوب وكلنا نتذكر وعد حكومة البشير بمطاردتهم كهفاَ، كهفاً (كركور، كركور)، علماً بان الكهوف هي ملجأ العزل وليس المحاربين.
لقد حظي استهداف دارفور باهتمام العالم لأسباب كثيرة، قد يكون أهمها هو التطور المذهل في الأعلام العالمي. ومثلما حدث في الجنوب، فقد تصدر استهداف المدنيين استراتيجية حرب دارفور والتي شملت بين ٥٠٠٠٠٠ إلى ٧٠٠٠٠٠ قتيلاً بالإضافة إلى حرق ٥٠٠٠٠ قرية واغتصاب ١٠٠٠٠ امرأة وطفلة. لا جدال أن لقوات الجنجويد دور في القتل والحرق والاغتصابات الجنسية ولكن الجيش أيضاً قد شارك بفعالية في هذه الانتهاكات ولعب الدور الأكبر في حدوثها. يحضرني هنا حديث “الغرباوية” والذي أورده الترابي والذي يؤكد مباركة البشير لهذه الاغتصابات الشنيعة ويمنعني الحياء وأخلاقيات هذا المنبر من أيراد تفاصيل الحديث بحذافيره. في عام ٢٠٠٥ أصدرت منظمة حقوق الإنسان تحقيقاً عن قتل المدنيين وتشرديهم في دارفور وطالب بمساءلة الجناة بواسطة المحكمة الجنائية الدولية. شملت القائمة التي تقدمات بها المنظمة ٢٢ متهماً، ١١ منهم ينتمون ألي جيشنا الباسل. لقد وصلت وحشية الجيش السوداني منتهاه عندما تفاخر أحد الجنرالات أمام ضحاياه: “أنا ربكم الأعلى، أُحيي وأُميت كما شئت” وقد اكتسب هذا القاتل لقب “رب الفور” بعد ذلك. لقد أورد السناتور الأمريكي جون ماكين تسجيلاً من طائرة الأنتنوف وهي في طريقها لضرب محاربي دارفور. قال الضابط في الطائرة لرئيسه في الأرض: “لا أري أي متمرد تحتي، لا شيء تحتي غير القطاطي وبعض الرعاة”. رد قائده غاضبا: “قلت ليك أضربهم وطلع دينهم”.
انتهاك جيشنا لحقوق المواطن لا يقتصر على زمن الحرب فجيش السودان فوق القانون الذي يُحاسب به المدنيين ولا يستطيع جهاز الشرطة مساءلتهم. ظهر هذا في إحدى شطحات الدكتاتور السابق جعفر نميري، حينما تظلم أحد الموطنين أن قوانين الدولة لا تساوي بين منتسبي الجيش وبقية الشعب، فقال النميري “هل القرش وأبقرشين واحد؟” قالوا لا يا سيادة الرئيس. فرد نميري: “الشخص المدني هو مواطن وبس. إما الجياشي فهو مواطن، وفوق ذلك عسكري، ولهذا لا يتساوى الاثنان أمام القانون!” وليس لدي تعليق على رئيسنا السابق، القائد الملهم، نميري، فليرحمه الله، إن شاء.
أتعجب كثيراً لبعض الاوساط السودانية التي تدرج حماية الدستور كأحد مهام الجيش القومي. صحيح أن القسم الذي يؤديه ضباط الجيش عند تخرجهم يشير ضمنياً الى حماية دستور البلاد. ليت القسم يطالب ضباط الجيش بالابتعاد عن الدستور وليس حمايته فالافتراض الأخير أشبه بوضع قطيع الأغنام تحت رعاية الذئب. لقد شهدنا ثلاث حكومات ديموقراطية منذ الاستقلال وتم تقويض ثلاثتها بالجيش القومي الذي أدى قسم حماية الدستور. إنما يزيدني حيرة أن ثقتنا في الجيش القومي السوداني لم يتزعزع قط، رغم تاريخه، فنحن نعول عليه حماية حكومة الفترة الانتقالية الحالية وإقامة انتخابات حرة فيما بعد. أقولها وأتمني أن أكون مخطئاً، أن الحركة الإسلامية بكتائبها ومليشياتها لا تهدد ثورة ديسمبر المجيدة ولكن الخطر يكمن في الجيش القومي. حان للشعب السوداني أن يفهم أن مؤسسات الجيوش القومية في دول العلم الثالث وبالأخص إفريقيا، هي المسؤولة عن تفريخ الدكتاتوريين من أمثال بوكاسا، وعيدي أمين ومنقستو وصمويل داو. وكان لنا “شرف التعرف” على ثلاثة منهم، عبود والنميري والبشير، والذين خانوا قسمهم على كتاب الله وقوضوا دستور السودان، وهنالك كثر حاولوا ولم يصلوا إلى القصر الجمهوري. إن قوتنا تكمن في هيمنتنا على الشارع السوداني وسوف نمضي في مسارنا نحو الحرية، ليس بمساعدة الجيش، بل بالرغم منه.
نحو إلغاء وتسريح قوات الشعب المسلحة
نعم، أنا أعني تفكيك الجيش السوداني وتسريحه وأؤكد أنني أقول هذا وأنا أتمتع بكامل قواي العقلية والفكرية. إن أصبحنا دولة بلا جيش قومي فلن يزيد ذلك في رغبة الجيران في ابتلاع دولتنا كما يتخوف البعض. لو كانت الجيوش هي التي تمنع الاحتلال الأجنبي من قبل جيرانها، لانمحت دول الخليج العربي ودول كثيرة في أوروبا وآسيا من الخارطة العالمية، لأن جيوشها لا تستطيع مجابهة جيرانها.
لقد فشل الجيش القومي أيضاَ في صد الثورات الإقليمية وهناك طرق أفضل وأجدى لمكافحة هذه الثورات. أما حماية الدستور، فليس للجيش أي دور هنا ولا يحق له التدخل فيه. يقع حماية الدستور على عاتق الشعب، بمنظماته الشعبية والحزبية والنقابية والإعلامية. لا أعرف الكثير عن جميع أطراف السودان ولكن أعرف عن نضال ممالك دارفور ضد الغزو الأجنبي فقد استشهد ملك المساليت بحر الدين دفاعا عن تغول الفرنسيين على السوان واستشهد فرتي، سلطان الزغاوة لنفس الغرض ولم تتمكن الامبراطورية الفرنسية من تحقيق أهدافها. إن فكرة تغول الجيران على أراضي السودان في غياب جيش قومي ما هو إلا وهم يستوجب التخلص عنه. إلغاء الجيش القومي أيضا يوفر لنا ثروة قيمة يمكن استغلالها في التنمية بدلاً عن تبديدها في معدات عسكرية، جلها تفقد صلاحيتها إن لم تستخدم في قتل المواطن السوداني، فقد أكد التاريخ أن قواتنا عازفة عن خوض أية حرب ضد الأجانب.
أقول للذين يتخوفون من تفكيك الجيش القومي أننا لن نكون أول دولة تسير أمورها وتحتفظ بحدودها دون امتلاك جيش قومي. هناك أكثر من عشرين دولة لا تملك جيشاً قومياً ولا تصرف على وزارة تدّعي الدفاع عنها. أعترف أن معظم هذه الدول، وليس كلها، صغيرة في المساحة وعدد السكان قياساً بالسودان. دعني أبدأ بدولة موريشيوس لأنها رفيقة السودان في منظمة الاتحاد الأفريقي. هذه الدولة لا جيش لها ولا تبدد ثروتها في المعدات العسكرية التي تثقل ميزانيات الدول الإفريقية الأخرى مثل السودان. ولكن موريشيوس هي الدولة الوحيدة في إفريقيا والتي فازت بجائزة مؤسسة مو إبراهيم “للديموقراطية المكتملة” وهذه تعادل جائزة نوبل في المعيار الأدبي وتتفوق عليها في الجانب المادي.
في عام ١٩٤٨، فاجأ رئيس كوستاريكا، فيقورس، شعبه بقرار جريء شغل مجتمعه وقسمه إلى مساند ومعارض.
كان القرار هو إلغاء وتسريح الجيش القومي وتحويل ميزانيته إلى التنمية. ما زالت كوستاريكا تحتفظ بحدودها القومية ولكنها أصبحت جوهرة أمريكا اللاتينية من حيث الاستقرار السياسي والديموقراطية وحفظ حقوق الإنسان ويبلغ دخل سكانها أربعة أضعاف دخل جيرانها. أكثر من ذلك، فإن كوستاريكا فاقت كل دول أمريكيا اللاتينية وأصبحت تضافي الولايات المتحدة في عدة مجالات فقد بلغ معدل التعليم ٩٣٪، ملكية المنزل ٨٠٪ ومعدل الحياة ٧٦- مقابل ٧٧ في الولايات المتحدة. يمكن للسودان أن يحتذي بتجربة كوستاريكا فهي أكبر حجماً من وموريشيوس وليست جزيرة معزولة مثل الأخيرة.
أن أتفق السودانيون على تفكيك الجيش السوداني، فلن يكون ذلك مشروع يوم وليلة، وسوف يستمر الصرف علي الجيش لبعض الوقت. الأهم من ذلك هو أن هناك ترتيبات واستحقاقات لا بد من استيفاءها لضمان نجاح المشروع:
> الجيش مؤسسة قوية ولابد من كسب موافقة أعضاءها فهم أصحاب مصلحة في هذا المشروع. إن تفكيك الجيش لا يعني فصلهم من العمل فهم أيضا يعولون إسراً مثل كل المواطنين. يتركز المشروع على تحويلهم الي العمل المدني بدل العسكري. لحسن الحظ، فبالجيش مهارات عدة يمكن الاستفادة منها في القطاع المدني بغير تدريب. نذكر هنا سلاح المهندسين، الإشارة، السلاح الطبي، الموسيقى، الطيران، البحرية وغيرها. هنالك مصالح أخري قد تجذب الجيش المسرح مثل الشرطة، الأمن القومي، حرس الصيد والغابات ونزع السلاح وإزالة الألغام. أما أفراد الجيش الذين انضموا الي الجيش بدون تعليم أم مهارات تذكر فلا بد من تأهيلهم حسب رغبتهم وملكاتهم الفطرية فبعضاً منهم قد يفضل الرجوع الى الدراسة فيما يتطلب البعض الآخر الحصول على حرفة يدوية مثل الخراطة والحدادة والبناء والميكانيكا وغيرها.
> تحدثنا سابقا عن الأراضي المتنازع عليها وقد خلصنا الى إخفاق معالجتها بالحرب، ومن منا ينادي بان نحارب دولة جنوب السودان لانتزاع البقع التي نعتقد أنها تتبع للسودان الشمالي؟ الحل يكمن هنا في التوصل الي اتفاقيات ثنائية مرضية للطرفين ومعاهدات ثنائية تضمن عدم التعدي على الآخر. أما في حالة تعذر الوصول الى اتفاقيات ثنائية، فيمكن الرجوع الى المؤسسات العالمية وعلى رأسها محكمة التحكيم الدائمة. هذه المحكمة تختص بحل نزاعات أراضي الحدود الدولية وتقدم خدماتها دون تكلفة مادية على الدول المتنازعة. هذا ويمكن أن يلعب الاتحاد الأفريقي دوراً مهماً في هذا المضار.
> قلت سابقاً أن الجيش السوداني تصدر إخماد الانتفاضات المسلحة في عدة بقاع السودان دون نجاح. توصلنا هنا الى أن هذه الثورات نتاج خلل تنموي وتظلمات ثقافية وسياسة. ذكرنا أيضاً أن الحل العسكري أدي الي تأجيج الصراع بدلاً عن إنهاءه. من هنا نخلص الي ان الغاء الجيش القومي سوف يكون له أثر إيجابي في إزالة مسببات ثورات أقاليم السودان المختلفة.
> العنف ثقافة وكذلك الجنوح الى الحرب. من هنا لا بد أن يصاحب المشروع عمل جاد في تنظيف الثقافة السودانية من تعظيم الحرب والتفاخر بالشجاعة والروح القتالية. لا بد من بذل الجهد لأعلاء نزعة السلام وليس الحرب في الثقافة السودان ولعل هذا هو دور وزارتي الثقافة والإعلام والتربية والتعليم.
> لابد من الاستفادة القصوى من معدات وآليات ومباني الجيش بعد تصفيته. بعض هذه الممتلكات صالحة للاستخدام المدني وبعضها يمكن التخلص منها بطرق أخرى. أما مجمع الصناعات الحربية، فلا بد من تعديله لكي ينتج شيئا يفيد الأنسان ويساهم في رخاءه تنميته.




