
الحركة الإسلاميّة السودانيّة … كش ملك!
بدر الدين العتاق
سنة: ١٩٩٥ م؛ رشحت معلومات تفيد بوجوب تجييش الشعب السوداني خلال العشرة أعوام القادمة أي حتى سنة: ٢٠٠٥ م ؛ ولنا أن نعرف أن بين كل ثلاثة مواطنين اثنان منهم حركة إسلامية والواحد سمه ما شئت ؛ وما هي سوى ثواني معدودة حتى رسخت هذه المعلومات في عقولنا رسوخا إلى أن جاءت سنة: ١٩٩٩ م وحدث ما حدث.
كنا آنذاك في السنة الأولى من الجامعة وكان نشاط الحركة الإسلامية يعج عجيجا بالنشاط والحيوية في كل المجالات الحياتية وتحديدا الجامعات وكانت مشكلة جنوب السودان تأخذ طريقها نحو الحسم إما النصر وإما الشهادة وكان تدافع الطلبة الذراع الطويل للجيش ليس همه سوى رفع راية الإسلام خفاقة في كل أرجاء المعمورة وبالتحديد جنوب السودان لأنه آنذاك حدثونا بأن قضية جنوب السودان قضية دينية بحتة ولا علاقة للسياسة بها ؛ ثم اتضح فيما بعد أنها خدعة كبيرة جداً والعكس هو الصحيح فالقضية سياسية بحتة صبغت عليها الواجهة الدينية لاستنفار الشباب للجهاد والقتال من أجل فكرة غير صائبة بعد سنة الانفصال بين الدكتور المرحوم / حسن الترابي ؛ وبين الفريق أول آنذاك / عمر البشير ؛ رئيس الجمهورية الأسبق ؛ فما كان من صاحب الراية والفكرة الدكتور المرحوم / حسن الترابي (١٩٣٦ م – ٢٠١٦ م) ؛ إلا أن نقض العهد القديم مع الشعب والشهداء الذين قامت نجاح قيادته بدمائهم واستقرارهم السياسي كذلك تم بدراماتيكية عالية؛ وتقبل الله الشهداء.
قدمت بتلك المقدمة لأضع القارئ اليوم والذي لم يشهد حقبة التسعينيات من القرن الماضي والحركة الدؤوبة للإسلاميين في كل الميادين للعمل العام أن يكون حاضراً بذهنه وأنا أوثق بقدر الإمكان لتلك الفترة الماضية حينما كنت جندياً فى الحركة الإسلامية السودانية (١٩٩١ م – ٢٠٠٥ م) ولست نادماً عليها.
فتحت المكاتب للتجنيد الإجباري والاستقطاب الايدلوجي “الخم” وأعلنت الشريعة الإسلامية منهجاً ودستورا للبلاد سنة: ١٩٩١ م ؛ وفتحت ومولت معسكرات التدريب العسكري وجيء بالأسلحة الثقيلة والخفيفة و ربط بين الدخول للجامعة بأداء الخدمة العسكرية الإلزامية لمن امتحن الشهادة الثانوية (قرار جمهوري رقم: „١٦٥ “ لسنة: ١٩٩٦ م) وجهزت البرامج التوعوية والكوادر الخطابية وما إلى ذلك ؛ وأكثر الناس الذين تقدموا الصفوف الأولى من خيرة أبناء هذا الشعب العملاق للدفاع عن السودان الحديث بكل ما فيه من اختلافات يجمعهم حبه وبذل النفس رخيصة له لا يخافون في الله لومة لائم ؛ وما أن تم الانفصال في قواعد وقيادات تنظيم الإخوان الإسلاميين ومنع رئيس المجلس الوطني الشيخ / حسن الترابي ؛ من دخوله – أي: البرلمان – حتى قامت الحرب الباردة بين هذا القطيع المتحد والساخنة أيضاً بافتعال مشكلة دارفور سنة: ٢٠٠٣ م وقضايا المناطق الثلاث: جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وولايات دارفور الكبرى ؛ والقنبلة المؤقتة ببروتوكول أبيي ؛ ليصبح بذلك كبقيعة يحسبه الظمآن ماء وتبددت الرؤى العظام لبناء الدولة الإسلامية السودانية العالمية في القرن الواحد والعشرين ؛ وأصبح الذين يبيتون لربهم ركعا وسجدا في المساجد يتلون كتاب الله ويحفظونه بالقراءات السبع وإن شئت العشر ويصومون يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع وهم هم حمامات المساجد الذين راهنت عليهم الحركة الإسلامية ؛ ما أن تم تفتيت وتفكيك تلك اللحمة الوطنية الدينية حتى طارت حمامات المساجد وحلقت غربانا في السماء وصقورا جارحة تموج فيها موجا عاتيا وتخلت عن تلك المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية الرفيعة وبدلاً من الاستكانة لصوت العقل والمراجعات المقضية لرأب الصدع باتت تتلهف على القصعة وملذات الدنيا وإشباع الهوى ورغائب النفس الدنيئة بكل ما يتاح ويسهل هضمه وكل ما يصعب تناوله سيان ولا معنى لأن أدلل على ما قلت ؛ فهي معروفة ومعلومة للعوام والخواص ؛ قال أبو الطيب المتنبي:
وليس يصح في الأفهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل
فشل التنظيم الإخواني في قيادة السودان بصورة علمية حديثة وعملية طويلة الأمد بسبب الاختلافات بين المكون الايدلوجي والمكون التنفيذي إذ بدأ التخطيط الإستراتيجي للاستيلاء على السلطة واستلام مقاليدها سنة: (١٩٦٤ م – ١٩٨٩ م) بدأ بالاجتماع الذي تم بمدينة الجريف غرب والذي حضره كل من الدكتور / الحبر يوسف نور الدائم ؛ والشيخ / صادق عبد الله عبد الماجد ؛ والدكتور حديث العهد بالتخرج في جامعة السوربون الفرنسية قانون / حسن عبد الله الترابي ؛ فرأس الاجتماع عندما لم يكن هناك من يرأسه ؛ وأعتبر من تلكم اللحظة هو العقل المدبر والمخطط والرأس الكبيرة لجماعة الإخوان المسلمين قطاع السودان ؛ حتى انتقاله للرفيق الأعلى سنة: ٢٠١٦ م ؛ فحكم السودان واستلم السلطة فيه سنة: ١٩٨٩ م بانقلاب عسكري أطاح بالديمقراطية المنتخبة من الشعب (١٩٨٦ م – ١٩٨٩ م) ليمكث في سدة الرئاسة عشر سنوات أي:(١٩٨٩ م – ١٩٩٩ م) ليطاح به هو أيضاً من تلاميذه فيذهب للمعارضة السياسية حتى وفاته .
عمر الحركة الإسلامية السودانية من سنة: (١٩٦٤ م – ١٩٨٩ م) تخطيط وتنظيم؛ حوالي (٢٥ سنة) ثم مرحلة الحكم منذ سنة: (١٩٨٩ م – ٢٠١٩) حوالي (٣٠ سنة) ليكون العمر الكلي للتنظيم: (١٩٦٤ م – ٢٠١٩) حوالي (٥٥ سنة) وفعليا عشر سنوات فقط (١٩٨٩ م – ١٩٩٩ م) ولا تحدثني عن توقعات جامعة هارفارد الأميركية ولا عن تكهنات الإسلاميين خصوصاً .
فشل فشلا ذريعاً من ناحيتي التنظير والتطبيق وإليك البيان:
من أكبر المصائب والغوائل التي أوهت وأوهنت عضد نظام الحركة الإسلامية السودانية هي تلك الخطة العشرية لإحكام القبضة الحديدية على مفاصل الدولة بتجييش الشعب السوداني والتي أفضت في النهاية لخلق جسم عسكري – قوات الدعم السريع نموذجاً – موازياً للقوات المسلحة الرسمية للبلاد ناهيك عن بقية الأذرع العسكرية من دفاع شعبى وشرطة عسكرية إلى جانب مليشيات الحركة الإسلامية ذاتها وامتلاكها كل أنواع الأسلحة مما ينذر بحرب أهلية كاسحة ماسحة للحياة السودانية حالما حاول أحدهم أو حاولت جهات بعينها لتقود البلاد دون حكمة وفهم للقضايا المصيرية ؛ إذ يتوقع أن يبلغ الدم الركب.
قال أبو تمام:
الحق أبلج والسيوف عوارى * فحذاري من أسد العرين حذاري
خاطبنا الشيخ الجليل / حسن الترابي؛ بجامعة القرآن الكريم في أمدرمان في نفس سنة الانفصال (١٩٩٩ م / الرابع من رمضان) وقال بالحرف الواحد: (لم تكن قضية جنوب السودان قضية دينية بل كانت سياسية بحتة؛ ولا يوجد ما يسمى بالشهيد في تلك الحرب ولا يوجد في الجنة ما يسمى بالحور العين إنه وصف وليس جنس ومن غير المعقول أن نقيم لمن مات في الحرب احتفالا نسميه عرس الشهيد !!) وقال بالدارجي السوداني متهكما ساخراً باسما ضاحكاً: (هو مات نعمل ليه عرس كيف؟)؛ مما خلق نزاعا بين الأيدولوجيتين قبل الانفصال وبعده وأنا كنت شاهدا على ذلك.
من نتائج الإنفصال السالبة على الإسلاميين خصوصاً وعلى السودان عموماً هو إنفصال الجنوب عن الشمال سنة: ٢٠٠٥ م ؛ وفق إتفاقية السلام الشامل الموقعة بنيفاشا مما قطع معه إنقطاعا تاما القصبة الهوائية للشمال والغرب والشرق المسماة بأنابيب النفط وإيقاف الصادر بعد أن جفت مآقي شركات النفط والغاز العاملة في قطاع الطاقة وجففت العملة المحلية والأجنبية وأدخلت البلاد في مستنقع الإنهيار الإقتصادي والذي ما زال يعاني منه أيما معاناة مما أقعد العباد والبلاد عن لقمة العيش ناهيك عن جماعة الإخوان المسلمين بثورة شعبية واسعة إقتلعت جذور جذوة الحركة الإسلامية السودانية إجتثاثا إلى يوم القيامة ولن تقوم لها قائمة إن شاء الله بنفس تلكم التفاصيل .
سألت أحد مشائخ الحركة الإسلامية وقياداتها الرفيعة وهو الشيخ / عطيه محمد سعيد ؛ عن أسباب فصل الجنوب عن الشمال من يتحمل المسؤولية التاريخية ؟ فقال بسرعة كبيرة و بالحرف الواحد: (على عثمان محمد طه ؛ وجماعتو) فقلت له: وماذا كان دوركم أنتم القيادات الإسلامية القابضة على هيئة علماء المسلمين ومجمع الفقه الإسلامي ؟ قال: (لم يكن لدينا أي دور „قالوا لينا أركبو الطيارة وباركوا لشيخ علي عثمان محمد طه ؛ شالونا زي طبق البيض “) فقلت له: حتى الدكتور / أحمد علي الإمام ؛ مستشار رئيس الجمهورية لشئون التأصيل ؟ قال: أي والله ! .
كتبت هذا الموضوع وقدمته للصحافة السودانية ورفض من إدارة النشر لأنه يتعارض مع الخط العام لتوجهات الدولة.
الإسلاميون لن يحكموا السودان مجدداً لأسباب عديدة منها عمليا وعلمياً رفض المجتمع الدولي لكل ما هو مصبوغ باسم الدين لربطهم الدين الإسلامي الحنيف تحديداً بقضايا الإرهاب العالمي ومهما تخفت الحركة الإسلامية السودانية بأي ثوب كان يتم اكتشافها والتعامل معها بعنف وليس أدل من ذلك إيداع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب بواشنطن ومطالبة المحكمة الجنائية الدولية للقيادات آنذاك وحتى اليوم ورفض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قرض السودان أو إعفاءه من الديون التي بلغت نحو خمسة وستين مليار دولار (٦٥ مليار دولار $) إلى جانب قضايا أخرى ملحة كقضية المناطق الثلاث وعدم إحلال السلام بالبلاد وتقويض العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية من بقايا النظام السابق والحالي مما يصعب مهمة المجتمع الدولي بمساعدة السودان.
على الإسلاميين خصوصاً أن يعو الدرس جيداً وعليهم إبتكار فهم جديد للدين وطرحه للمجتمع الدولي كمسلمات حياتية ونظام ديمقراطي حقيقي للتنظيم والإدارة بطرق شريفة وعلمية وعملية تحقق أغراض الإنسان السوداني وتحقق طموحاته بالتنمية المستدامة وتعمل على إحلال السلام الأخلاقي أولاً ثم السلام على أرض الواقع؛ هذا أو الطوفان.




