
التّنمُّر الوظيفيّ
سنام الفساد الإداريّ
مؤيد محمد الباقر محمد السراج
زارني قبل أيام قلائل أحد رفقاء الدرب الأوفياء من زملاء الدراسة، والذي كان أحسنهم عندي موقعاً، وأقربهم مكاناً، وألطفهم منزلة، لما يتمتع به من خُلق كريم طغى عليه التهذيب والاخلاص.. كانت قد انقطعت أخباره عني ردحاً من الزمن، وفي غمرة الحياة ومساراتها المضنية فقدت كل وسيط يمكنني من خلاله التواصل به معه، للسؤال عنه، وتفقد حاله.. إذاً كانت زيارته بمثابة المنحة (بالنظر لما يحيط بنا من ظروف حياتيه طوقتنا قيداً)، التي سنحت لنا بتصفح أوراق الماضي بحلوه ومره، واجترار ذكراه، ونحن نلتقط خيط ذكرى، يخلع القلب ويذيب الفؤاد.. فقد كانت جِلسة جد مميزة تناولنا فها أطراف الحديث ساعة بيد أنني تمنيتها أن تطول ولا تنقطع، ولكن كان لا بد من إنهائها اعتباراً لما يقتضيه المقام، ولم يكن لي في مقام ذاك إلا الدعاء بالتوفيق والسداد، لمن له في مكنون الفؤاد كل ودٍ وتقدير.
لم تمر هذه الجلسة مرور عابراً، فقد ألقت بظلالها عليّ، ولفت انتباهي حديثه المشبَّع باليأس، وعدم الرضا بواقع الحال خاصته، وهو يحكي لي عن مؤرقات اقضت مضجعه، بيد أن جلها كان يحيط به في مكان العمل، مما دفعه لتقديم استقالته من مهنة تعهدها وفاءً وتفانياً واخلاصاً أكثر من خمسة عشرة عاماً، فاختمر في فكري كتابة هذا المقال لما للموضوع من تأثيرات تَمسُ الفرد والمجتمع، وتؤثرُ في مقتضيات التطور، ومتغيرات الانساق الاجتماعية، والتربوية، والاكاديمية، والاقتصادية، والسياسية، والإنمائية.
وما تعرض له صديقي الزائر من مضايقات قادته لتقديم استقالته، لم يكن إلا مثالاً لما اصطلح عليه بعض علماء الإدارة بــ التنمر الوظيفي في مكان العمل – Workplace Bullying))، وقد عرف بأنه (نمط سلوكي عدواني يظهر على هيئة سوء معاملة للآخرين في مقر العمل، ويتسبب إما بضرر بدني أو نفسي ، ويأخذ أشكالاً عدة) ، وفيما نعلم جميعاً أن الإدارة أحد العلوم الإنسانية الحديثة، التي تمثل مجموعة من القواعد، والمبادئ العلمية التي تسعى المؤسسة المعنية لإشغالها من أجل إمضاء أهدافها تحت الاعتبار، ولتحقيق تلك الشّاء لابد بالضرورة اعتماد كل الإجراءات التي تنطوي على الأمن الوظيفي في أحط درجاته كأقل تقدير، وغورها هو (الأمن الوظيفي الحافز)، الذي بتجسده يمنح حفزاً معنوياً للعنصر البشري المكون لتلك الهياكل الإدارية في المؤسسة المعنية من أجل اتقان العمل، والتفاني فيه بغض النظر عن درجاتهم الوظيفية، واختلاف مهامهم التنفيذية .. وكما هو معلوم بالضرورة أن من صميم العمل المؤسسي السعي لزيادة الفعالية الإيجابية لرفع كفاءة الأداء الوظيفي، وذلك بتهيئة بيئة عمل سليمة ومعافاة يسودها العدل الإجرائي الوظيفي، القاضي بتوزيع المهام والأدوار بناءً على مبدأ الفصل بين السلطات ابتداءً، والذي بدوره يخلق توازناً أساسه الكفاءة العلمية، والخبرات التراكمية، والأقدمية الوظيفية.
وأن مما يؤسف له حقاً ، أن كثيراً من المديرين يقدمون مصالحهم الشخصية الضيقة ، على مصلحة المؤسسة التي يخدمون فيها ، وذلك بممارستهم لــ(التنمّر الوظيفي) تجاه مرؤوسيهم ، والذي يعد من أفشى أنواع الفساد الإداري ، بل هو سنامه الذي يهدم العمل المؤسسي، ويقوض أركانه ، ويلوث الممارسة المهنية الأخلاقية ، فــ( السلوك العدواني ، والجور ، والتعدي ، والتجني سعياً لإسقاط الحقوق الوظيفية) ، من أظهر الأشكال التي يأخذها التنمر الوظيفي بصورة مباشرة ، بيد أننا نجد له صور غير مباشرة تتعدد وتتباين وفقاً لمقتضى الحال … فــ (المتنمّر) يسعى لخلق دائرة مغلقة تساعده على تحقيق أهدافه ، وذلك لا يتأتّى له إلا بشراء الذمم ، والافتراء كذباً على الممانعين ، سعياً لإسقاطهم (أخلاقياً ووظيفياً) لتحييدهم وإزاحتهم وإحلال محلهم أشخاص يدينون له بالولاء لتيسير مهامه ، ليفضي ذلك كله لخلق جبهة تكتلات داخل الهيكل الإداري تتبنى رؤاه وأهدافه عوضاً عن رؤية وأهداف المؤسسة التي يخدمون فيها .
وعطفا على ما ذكرته آنفاً فإن (التنمّر الوظيفي) بما يمثله كأحد الصور النمطية المستبدة التي ترتسم في غياب الرقابة الإدارية من الجهات ذات الاختصاص، لا يعد إلا نتاجاً للتشوه النفسي الذي يترجمه تضخم (الأنا) ومركزيتها بما يعرف بــ (عبادة الذات أو النرجسية)، وهذا يقودني للاعتقاد إلى أن السبب الرئيس للتنمّر هو (نفسي بحت) ، وعليه فمن الممكن ادراج التنمّر الوظيفي كأحد الأمراض النفسية ، وهذا إذا تم يسقط مفهومه كظاهرة طارئة ، و يؤكد فرضية أنه لازم معنوي من لوازم الذات يتعاظم عند توافر المعطيات التي تنمّيه، ومن أظهرها تولي مهام قيادية تجعل المرء على رأس هرم وظيفي يحكمه يحوي عدداً من المرؤوسين.
فالتماسك الاجتماعي أساس للسلم الاهلي الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي لأي بلد، فالسلم الاجتماعي تكامل بين مؤسسات الدولة والشعب ممثلا في (مراكز التنوير المعرفي، والنخب الوطنية، والمثقفين، والإدارات الأهلية، ومنابر الإعلام، والإداريين في الهياكل الخادمة)، والحفاظ عليه لا يتأتّى إلا بمحاربة الجريمة، وتقويض أركانها والتي يمثل التنمّر الوظيفي ركن فيها لما يخلفه من آثار سالبة مباشرة على ضحاياها، وبصورة غير مباشرة على التنمية المستدامة، وبناء دولة المؤسسات.
إن محاربة التنمّر الوظيفي ومحاصرة المتنمّرين لا يتأتّى إلا بالعمل على انفاذ اللوائح والقوانين المنصوص عليها في الأنظمة الأساسية للهياكل المعنية مع استصحاب الموجهات العامة التي تؤطراها ، دون محاباة، أو تحيز، أو استثناء، او تمييز على أساس جهوي أو اسني أو غير ذلك ، كما لا بد لضحايا التنمر الوظيفي الحفاظ على حقوقهم الوظيفية بصورة إيجابية ، والبعد عن الحلول السلبية الانهزامية كــ(تقديم الاستقالة ، أو طلب النقل ، أو الخضوع والاستسلام ) فذلك من شأنه ان يساعد على تنامي التنمر واستمراره ومنحه حصانة تمنع تعرّيه أمام القانون .
إن المساواة هي الضمان الأوحد لبناء دولة المؤسسات التي يعمل فيها القانون ويتمتع فيها الفرد بحقوقه المدنية.. وبكل ما تقدم ذكره كانت هذه مواساتي ناصحاً لصديقي الزائر، ولكل ضحايا التنمّر الوظيفي في كافة الهياكل الإدارية بمختلف مستوياتها اينما وجدت.




