
أزهار العود لبيت العود
الصانع المصريّ عمرو مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى
تهادى إلى مسمعي من الجانب الآخر للجوال صوت هادئ، رزين ينمّ عن أدب رفيع وخبرة معتقة. قائلا: أهلا وسهلا حضرتك، أنا سعيد بهذه المكالمة. وانطلقنا في حديث سلس وراقي عن العود والأخشاب وعلم الفيزياء وطريق البحث عن الصوت الأمثل. لم ألتقِ هذا الرجل البتّة ولكن حديث المعلم جوزيف رومان (الذي كتبت عنه في العدد السابق ١٤) كان مشوقا جدًّا أن ألتقيه، أكلمه وأستشف من علمه المديد بعض المعارف. مدهش حقّا الأستاذ عمرو، فليس من السهل أن يفتح أحدنا قلبه لنتعلم منه، فضلا عن باب صنعته وحرفته لأي من الناس، ففي هذا الزمن اختلفت الأمور وصار الكل يحجب علمه عن الآخرين، لكن لم يفعل الأستاذ عمرو ذلك تجاه الباحث، الذي صار صديقا حميما له، المعلم جوزيف رومان.
لا أعرف من أين أبدأ كلماتي عنه، فلقد قذف بي هذا الرجل إلى متاهات عدّة: بيت العود وعلاقته بالأستاذ نصير شمّة وطريقهما الطويل والمشترك في تطوير العود والبحث عن الآلة المثلى للعازف المحترف، ومن ثمّة حديثه عن والده الذي كان يهيم في سماء النغم الشرقيّ الأصيل مع برنامج الموسيقى العربيّة للدكتورة رتيبة الحفني. يقول لي كانت هذه الساعة في الأسبوع مقدسة بالنسبة لوالدي، فانتقلت العدوى لنا نحن الصغار دون أن ندري فتشبعنا بموسيقانا الأصيلة وحملنا منها بدخيلتنا موروثا عميقا تفتق في الكبر في عدة مجالات: عزف آلة الرق مثلا التي احترفتها منذ بداية تسعينيات القرن المنصرم، صناعة العود، المشاركة مع الفرق الكبيرة مصاحبا بالرق: فرقة محمد عبد الوهاب، فرقة أم كلثوم.
بعدها عرجنا لاحترافه صناعة شيخ الآلات. لقد بدأ الأستاذ عمرو مصطفى صناعة العود منذ إشراقة عام ٢٠٠٩ وهو أيضا صانع ماهر لآلة الرّق. لقد مضى هذا الرجل عقدا من الزمان وهو يبحث ويطور وينوّر الناس في سياق هذه الآلة الساحرة. ظل في الفترة الأخيرة الصانع الشخصيّ لنصير شمّة واتسمت آلاته له بالبساطة على شاكلة السهل الممتنع. يقول لي عندما أحضرت أول عود للأستاذ نصير شمة انبهرت بتعليقاته الكثيرة الثّرّة والتي شرحها لي في قعدتنا تلك خلال ساعة كاملة. يقول: ساعة بأكملها والرجل يدقق ويشرح ويشير! كنت أحسب أنه يأخذ الآلة، ينظر إليها ويقول لي كبقيّة الناس: جميل! ويكون الأمر قد انتهى. لكن لم يحدث ذلك وهذا التبصر والنظرة الفاحصة – على حد قوله – علمتني أن أكون دقيقا في عملي وأن آلة العود لم تعد وراثة كما كانت الحال بل مجالا واسعا ينطوي على علوم شتّى: الحرفيّة، الميكانيكا، الفيزياء، الكيمياء، التاريخ، الفنّ، الخ.
لابد لرجل ولد بحدائق القبّة بالقاهرة في عام ١٩٧١ ومجاورا للعم الجميل والموسيقار الكبير عبدو داغر أن يكون مبدعا. لم يدرس عمرو مصطفى صناعة الآلات ولا الموسيقى بالأصل، لكنه خريج جامعة عين شمس المرموقة وحصل منها على الإجازة في القانون (ليسانس) وعمل بعد ذلك بالمحاماة. لم ينس حبّه للموسيقى حتى وبعد دراسة القوانين ومتاهاتها الكثيرة فعرج إلى دراسة الموسيقى بعد التخرج بمعهد الموسيقى في مجال الدراسات الحرّة الذي هو الآن متحف محمد عبد الوهاب بشارع رمسيس. شارك بالعزف مع العديد من المطربين الكبار: وردة، سميرة سعيد، محمد رشدي، محمد العزبي، على الحجار، مدحت صالح والفنان القدير وديع الصافي والموسيقار نصير شمه، ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
جذبته في الآونة الأخيرة غيرته وحبّه لآلة العود وعشقه للأخشاب وجمالها وتبايناتها ولم يأخذ وقتا كثيرا حتى وجد نفسه يترك كل شيء حتى آلة الرّق وعزفها والتفرغ التام منذ ثلاث سنوات لصناعة العود. صار الأستاذ الصانع عمرو مصطفى معلما بارزا من معالم صناعة الآلة في الوطن العربي وسوف نسمع عنه الوافر والكثير ونتمنى أن يطيل الله في عمره ليتحفنا بالمزيد المدهش في صناعة شيخ الآلات. نتمنى له كل التوفيق والنجاح.




