ثقافة وفن

هل نحن أمام سرقة القرن؟

قراءة في كتاب: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية- التنمية حريّة - محمود محمد طه وأمارتيا كومار سن (مقاربة) تأليف دكتور عبد الله الفكي البشير

بدر موسى

أخرج الدكتور عبد الله الفكي البشير أخطر كتبه، في تقديري، بعنوان: (أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية – محمود محمد طه و أمارتيا كومار سن، (مقاربة) وقد خرج الكتاب (٢٨٤ من القطع المتوسط) من المطبعة في شهر أكتوبر هذا، (توزيع دار الأجنحة للنشر، محطة الجامعة، شارع الجمهورية، الخرطوم. كما يتوفر الكتاب بموقع أمازون (النسخة الإلكترونية Kindle eBooks)، وكما ورد في مقدمة المؤلف فإن النسخة الإنجليزية من الكتاب ستصدر قريبًا جدًا.

كتب المؤلف في تصديره أن كتابه يقدم: (… مقاربة بين المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه، صاحب الفهم الجديد للإسلام، الذي ُحكم عليه بالإعدام وتم تنفيذ الحكم في العاصمة السودانية، الخرطوم في 18 يناير 1985، وعالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي أمارتيا كومار سن Amartya Kumar Sen، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1998، وأستاذ الاقتصاد والفلسفة حاليا، بجامعة هارفارد، الولايات المتحدة. تمحورت المقاربة حول رؤية كل منهما للتنمية. جاءت رؤية أمارتيا في كتابه: Development As Freedom, 1999 والذي ُنشرت نسخته العربية بعنوان: (التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر (2004) …).

وقد أتيحت لي، بمحض الفضل الإلهي، فرصة قراءة هذا الكتاب العجيب بضع مرات، زادتني كل قراءة منها اندهاشًا وحيرة، وإعجابًا، وتقديرًا، للدقة العلمية، والموضوعية، التي تعودنا عليها واتسمت بها جميع كتب الدكتور عبد الله الفكي البشير، وتميز بها هذا الكتاب خاصة. فقد قدم فيه  الكاتب مستوى رفيعًا، وعالي السقف، بما لم أر لها شبيهًا مما كتب عن الفكرة الجمهورية، أو ما أقيم من حوار حول أفكار الأستاذ محمود، وقدم فيه مقاربة كوكبية، بكل ما تحمل هذه الكلمات من معاني، وهو مستوى الحوار الجدير الذي يليق بالفكرة الجمهورية، والذي يقدم فيه نموذجًا لتحرير الحوار حولها ليرتفع إلى سقف يتجاوز سقفه الخفيض الذي فرضه من يطيب لهم أن يسموا ويصفوا أنفسهم برجال الدين، وعلماء المسلمين، وقادة السلفيين، ومن لف لفهم، ممن قيدوا وكبلوا الحوار، وانطلاقة حركة الوعي، وسجنوا الفكر الحر، في هذا الزمان وهذا المكان، اللذان يلحان على حتمية (الثورة الفكرية) في كل سانحة، وكل لحظة.

هذا بعض ما يمكن أن يقال عن هذا الكتاب العجيب بصورة عامة، وقبل الدخول في تناول تفاصيل مواضيع الساعة الهامة جدا التي تناولها ، ومحاولة الكاتب أن يقدم معالجة علمية لآخر ما أنتجه الفكر التنموي في العالم، من خلال مقاربة ستكون لابد موضع احتفاء للمختصين والباحثين والباحثات والقراء عامة.

وماذا عن سرقة القرن؟!

على الرغم من أن الدكتور عبد الله الفكي البشير كان في غاية الورع والحرص، ولم يرد منه اتهامًا للبروفيسور أمارتيا سن بسرقة أفكار الأستاذ محمود، بل اكتفى فقط بإبراز التشابه والتوافق والتقاطع في العبارات، والأفكار، والمعاني، عشرات المرات، بين أهم ما تناوله كتاب أمارتيا سن، وما سبق أن كتبه وقرره الأستاذ محمود قبله بأكثر من نصف قرن من الزمان. وصف المؤلف هذا التشابه بأنه لقاء بين العقول الكبيرة، أو كما قال، وكما قال المثل الإنجليزي الشهير، Great minds think alike.

كشفت مقاربة الدكتور عبد الله الفكي البشير عن أن ما قدمه أمارتيا سن من مفهوم جديد للتنمية بوصفها حرية، لا يختلف، عما طرحه محمود محمد طه منذ خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، في عدد كبيرٍ من كتبه وأحاديثه. فالإنسان الحر، عند محمود محمد طه، كما بيَّن الدكتور عبد الله هو هدف التنمية وغايتها. حيث يرى محمود محمد طه أن كل حديث عن التنمية الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، لا يكون محوره حرية الإنسان، إنما هو محاولة مقضي عليها بالهزيمة والخزلان والفشل قبل البداية. وأضاف الدكتور عبد الله بأن الأستاذ محمود يشترط الحرية لنجاح عملية التنمية، وأن غرض التنمية، عنده، هو نهضة المجتمع وتحرير الإنسان من الخوف والفقر والجهل والمرض. والتحرير، عنده، بمثابة التأمين لحياة الإنسان. إن هذه المعاني والأفكار، وغيرها كثير، جاءت عند أمارتيا سن ومثلت مرتكزات أساسية لمفهوم التنمية عنده. فالكتاب في مقاربته يقدم الكثير من نماذج التشابه والتوافق والتقاطعات بين الأستاذ محمود والبروفيسور أمارتيا، كما سيرد التفصيل لاحقاً ضمن سلسلة مقالاتنا هذه.

إن هذا الكتاب يدفع بأسئلة كبرى، لا بد أن تتبادر إلى أذهان القراء وتطاردهم أثناء وبعد الاطلاع على الكتاب، وذلك حسب تقديري وفهمي، ومنها مثلًا:

هل حقًا تبنى أمارتيا آراء الأستاذ محمود؟

وهل حقًا أصبحت الأمم المتحدة اليوم تعمل بآيات الأصول من القرآن الكريم؟

وهل تم تداول لآراء الأستاذ محمود في جامعة هارفارد؟

وفوق هذا، فإن الكتاب يواجه العالم أجمع بسؤال هو في غاية الأهمية، ويقرع الناقوس، ليقول بأعلى صوت، أن طرح أمارتيا هو طرح الأستاذ محمود، الذي سبقه بعشرات السنين، فما هو رأي العالم؟! وما هو رأي المسلمين خاصة؟ وما هو رأي السودانيين منهم؟ وما هو رأي الجمهوريين، تلاميذ وتلميذات الأستاذ محمود، بصورة أخص؟!

إنني كقاريء، لا أملك من أمري إلا أن أقول، بلا أدنى تردد، بأن هذه هي أكبر وأخطر جرائم سرقات الأفكار في تاريخ البشرية! وسأحاول في هذه السلسلة من مقالاتي حول الكتاب أن أقدم أدلة الاتهام وحيثياتها مما ورد في هذا الكتاب، وأترك الحكم لقراء الكتاب ليحكموا بأنفسهم، فانتظروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق