ثقافة وفن

قضايا أدبية

من هو المثقف ...؟

د. اسماعيل محمد النجار

المثقف هو الشخص الذي يكتسب معارف شاملة وبسيطة لكل تخصص من خلال الاطلاع والاتصال والتواصل ليعرف شيء من كل شيء بخلاف المختص الذي يعرف كل شيء عن الشيء ويلم المثقف ببعض العلوم والفنون المتعددة ويعرف من خلال المنهج والاسلوب الفكري الذي يتبعه لتأطير الاطلاع والمعرفة والتواصل. والثقافة تهذب مسلك المثقف وتحسن نظرته للحياة والعالم وكل ما يتصل ويتواصل معه وهناك فرق بين المتعلم والمثقف فالمتعلم يكتسب امور لا تخرج عن النطاق الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره فلا يختزن من العلم الا ما يؤيده في رآيه وضيق مجال تخصصه ويسعى وراء المعلومة التي تدعم رأيه وتحرضه على الكفاح في سبيله اما المثقف يمتاز بمرونه رائيه واستعداده لتلقي كل فكرة جديدة والتأمل فيها ومعرفة وجه الصواب وليس كل متعلم ذو شهادة جامعية او علمية يحمل صفة المثقف الذي يكون اكثر قدرة على نقد افكاره وتمحيصها و تقبل الافكار المخالفة ويمكن خروجه عن إطاره الفكري المحدد او محاولة تهذيبه وتنظيمه بما يمتلك من معرفة وثقافة ومعيار المثقف بمقدار ما يستوعب من اراء وافكار مخالفة لرايه والمثقف الحقيقي لا يطمئن لصحة رائيه لان المعيار الذي يزن صحة الآراء غير ثابت لتغيره بين الوقت والاخر والمثقف محاط بإطار فكري محدد و محيط بشري يصغي إليه بوعي او دون وعي ويحددان مسارات حياته وفكره والتي وتعتبر نوع من القيود الموضوعة في عقلة وعند تفكيره او نظرته للأمور وهي بمثابة قيود نفسية واجتماعية وحضارية. والانسان مهما كبر او صغر يظل محاط بهذه القيود لتشكل الاطر الفكرية مع فروق في الدرجة لا في الطبيعة البشرية. والعالم والمثقف يستطيعان تدوين هذه الاطر الفكرية وتصحيحها وتصويب مساراتها بما يمتلكان من سعة الفكر ومنهج علمي و افق حضاري وميزان معرفي قادر على إدراك الامور ومناقشتها بواقعية وموضوعية بعيدا عن تعصب الذات ومنطق الانحياز فالثقافة والمثقف ليس مجرد كلام وممارسات شكليه ومصطلحات ومفاهيم رنانة نتفوه بها بل هي طريقة وأسلوب ومنهاج حياة فالأفكار والمصطلحات الجديدة التي يكتسبها الكثير من المثقفين دون معرفة مغزاها وادراك معناها وقيمتها لا تعبر عن مثقف حقيقي وكثير من الدارسين العرب في الغرب عادوا لمجتمعاتهم بمصطلحات واقوال كثيرة ولم يتم ممارستها بفعالية لتصبح فاعلة في تغير مجتمعاتهم وتحسين واقعهم لانبهارهم بالمنجزات الحضارية والعلمية الغربية والتي تجعلهم لا يترددون بالدعوة لتقليدها لتبقى كلام او حبرا على ورق لا يتقدم المجتمع من خلالها درجة واحدة نحو الافضل لان حملة الشعارات والهتافات اكثر ممن يسعون لتطبيقها بما يتناسب مع خصوصية الواقع ويظل الصراع الفكري تاريخيا في المجتمعات البشرية بين المجددين والمحافظين وبين من يدعون لتبني ثقافة جديدة وينفتحون على الاخرين وبين من يتمسكون بثقافتهم وتراثهم وينغلقون على ذاتهم و نقد منهاج المحافظين والمجددين يظل قائما فالمجتمع الذي تسوده قوى المحافظين يتعفن كالماء الراكد اما المجتمع الذي تسوده قوى المجددين يتمرد كالطوفان ويكتسح كل ما يقف امامه اما الموضوعيون من المثقفين يتحركون بهدوء فلا يتعفن ولا يطغى وتتوازن قوى المحافظة والتجديد وفقا لنظرية الاتصال بكل ما هو قديم و صالح ليبني عليه الحاضر والانفصال عن كل ما هو قديم و سلبي ولا يمكن لاحدهما تجاوز الأخر وفقا للعقل والصيرورة التاريخية وبهذا نرى ان مقياس المثقف ليس بمقدار ما يمتلكه من معلومات وتعليم وشهادات بل بقدر امتلاكه الطريقة والأسلوب والمنهج العلمي الذي يمكنه من نقد ذاته أولا وتقبل الاخر ثانيا واتصافه بالمرونة في تقبل الآراء والحوار ثالثا. فالحقيقة نسبية ومتغيرة ومتعددة بتعدد البشر والوانهم واختلاف مشاربهم ومن الخطأ الانسياق خلف المنطق الذي يحصر جميع القضايا بين امرين اما حق او باطل او اسود او ابيض ولا ثالث لهما، هذا المنطق الارسطي القديم درج عليه الناس لمدة طويلة من الزمن ولا يزالون ومنطق العلم كفيل بتراجعه والانتصار لتعدد الحقائق والقضايا ونسبية الحقيقة لا مطلقها وبتغيرها لا ثباتها فالمنطق الذي يبنى على الدليل العلمي لا على الدليل المنطقي والحججي والكلامي الذي يخرج عن المنهاج العلمي يصلح للمحاججة ولا يصلح لاكتشاف الحقائق الجديدة او التثبت من صحة الآراء القديمة. إن الرجوع لمنطق ارسطوا والعمل به هو انتصار لعقيدة الشخص وأيدولوجيته لا انتصار للحق والحقيقة لأنه منطق ذاتي لا موضوعي منطق صوري لا مادي يعزل المفكرين عن الواقع والحياة ويصعد بهم للسماء ويتضح ذلك من دراسة قوانين الفكر التي يستند عليها هذا المنطق في قياساته فهي قوانين تناقض قوانين الواقع بشكل كبير لذلك فان الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والساسة والمثقفين يندرجون ضمن المنطق الارسطي الصوري المتعالي الذي ينتصر لطرف على الاخر ويحتكم لقضايا القياس والتحيز الفكري لا لمنطق العلم والتجرد والواقع وصورة المثقف ايجابية او سلبيه بقدر المنطق والمنهج الذي يسير عليه فان كان ارسطي فانه يدعوا للانتصار لذاته ويرى الحق معه والباطل مع خصمه وان كان يحتكم لمنطق العلم فانه سيؤمن بان الحق والحقيقة مختلفان ومتعددان بين الناس وقد يكون مصيبا او مخطئا بحسب الحوار والمناقشة العلمية والادلة المقدمة من قبل الجميع وقد يكون اليوم على حق وغدا على باطل ويرى الحق معه اليوم وغدا مع أخر ويلعب الواقع والمجتمع والمحيط اهمية كبيرة في بناء الانسان نفسيا واجتماعيا وفكريا ويجب الايمان بقيمة وتأثير المجتمع على حياة الشخص وصياغة افكاره لان الانسان لا يفكر بعقله المجرد بل يفكر بعقل مجتمعه فهو ينظر للأمور ويميز بين الحسن والقبيح حسب ما يوحي به المجتمع إليه ويجري تفكيره في نطاق القوالب والخطوط التي صنعها مجتمعه.

لا ننكر وجود افراد خرجوا على قيم مجتمعهم واطاره الفكري وهذا الامر يكثر حدوثه في المجتمعات المفتوحة التي تتصارع فيها الافكار وتلتقي فيها الاتجاهات المختلفة اما في المجتمعات المغلقة التي تعيش عزلة نسبية وتسيطر عليها ثقافة اجتماعية موحده فمن الصعب على الانسان ان يفكر ويسلك خلاف لما اعتاد عليه ونشأ فيه.

إن صورة المثقف الجيد تمتاز بالعلمية والواقعية وعندما نصل لمرحلة نقد وتقويم ذاتنا سنصل للغاية العظمى وهي بناء مجتمعاتنا بناء علميا وواقعيا سليما يؤمن بالحوار والاختلاف والتنافس الحر والشريف دون نزاع او صراع عقائدي او سياسي او فكري او تطرف يؤدي لدمار المجتمعات والشعوب على وجه الارض وعلينا أن نؤمن بأهمية وقيم التعددية واختلاف وتنوع الحقيقة بين الناس وبهذا المنطق العلمي نميز بين المثقف السليم والسقيم الذي ليس له من الثقافات الى الهتافات والشعارات والعبارات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع فالمثقف الحقيقي ناقد وثائر ومصلح يقتدي به الناس نحو الاصلاح والبناء والتغيير وهي صور اشد ما نحتاج لها اليوم مجتمعاتنا للتخلص من العقد الفكرية والانغلاق الثقافي والتطرف والكراهية التي انتشرت بيننا بسبب التعصب والانانية والحزبية والفئوية وعدم الايمان بالاخر وحقوقه وحريته في الفكر والاختيار والحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق