ثقافة وفن

أثر العولمة على الكتابة الجديدة في فن الرواية (2)

عماد البليك

ثانيًا: الوسائط الحديثة والمساهمة في فن الرواية:

مما تقدم في تقديم هذا الفصل سوف نفهم أن الرواية لابد أنها استفادت عبر كافة العصور من العولمة، من المراحل الكلاسيكية إلى الحديثة، إلى مابعد الحداثة في هذه المرحلة ذات السمات الوسائطية والشبكات المفتوحة والانترنت. وهنا سوف نبحث بشكل أكثر استفاضة ووضوحًا كيف أثرت هذه الوسائط في فن الرواية، من نواحٍ عديدة، ابتداء من الأطر العامة إلى المسائل الفنية والإجرائية في تشكيل النصوص إلى تسويقها ووصولها إلى المتلقي. لأن الانتباه الصحيح لإدراك الأدب والإبداع في هذا العصر الجديد يجب ألا يتوقف عند مفهوم النص فحسب، إذ أن المسألة تتعدى ذلك إلى وضع الاعتبارات والظرفيات العديدة التي تحيط بالنص بدءًا من قبل الإنتاج إلى التشكيل والميلاد إلى الخروج فالتفاعل والتأويل، من هذه العملية الممرحلة والدائرية في الوقت نفسه، لأن قضية النص باتت لا تعني مجرد الكتاب أو المسطور، بل هي كافة هذه التفاعلات المعقدة، فالكتب والروايات بات يتشكل معناها من خلال ليس ما كتب فحسب، بل من خلال تسويقها والكلام عنها كذلك.. والمواقع الإلكترونية التفاعلية التي تناقشها مثل “جود ريدز”  الذي يعني بالحوار حول الكتب واقتراحها وساهم لحد كبير في بناء وعي جديد بمفهوم النصوص والإبداع الكتابي، بعيدًا عن الذهنية النقدية الكلاسيكية التي يهيمن عليها أكاديميون أو نقاد بعينهم يكتبون عبر وسائط المجلات الأدبية والصحف وغيرها. بل أن مثل هذه المواقع باتت هي التي تتحكم في السوق واختيار ما يعرف بالكتب الأكثر قراءة، وترجع إليها بعض الصحف الكبرى لكي تحدد مسارات ما يدور في أذهان الناس من أفكار وتصورات حول الجديد في عالم الإبداع والنصوص عمومًا.

مثل هذه التفاعلات تطرح نفسها بقوة وتساعد في إعادة تشكيل ذهنية القراءة والكتابة كذلك، وبالتالي تعيد بناء عوالم النصوص الإبداعية وفن الرواية، حيث يستفيد منها الكتّاب أنفسهم، الذين يتعرفون على الـ “فيدباك” المباشر بخلاف ما في الأمس القريب، حيث أن الكاتب ينتظر أن يقابل جمهوره في ندوة أو محاضرة ليسمع منهم ماذا يدور بأذهانهم حول ما يكتب. وهذا لم يعد اليوم بأي شكل من الأِشكال هو الأساس أو منصة التفاعل بين الكاتب والجمهور مع هذه الوسائط العميقة.

فالاستفادة المتحققة للنصوص الأدبية والرواية – موضوعنا هنا – لا تعني الانتقال الشكلي في النص ما هو موضوعه أو كيف يكتب، بل بات هذا الشيء عبارة عن عالم متكامل ومعقد مما يمكن الإصطلاح عليه بـ “سوسيولوجيا التحقق” أي مجتمع التحقق الذي ينتج النص ويرفده ويساهم في نشره وتأويله، وهذا المجتمع عبارة عن كم هائل من الأفراد ليس الكاتب إلا واحدًا منهم حتى لو أنه كان المنطلق الأساسي أو المركز لهذه العملية، وبالتالي فنحن بهذه الصورة من تعريف النصوص والروايات والكتب، أمام مرحلة بالجد خطيرة – بمعنى المغامرة والجدة  والابتكار – تتطلب الوعي الشديد بخطوطها ومساراتها، لأنها سوف تقود أكثر من واقعها الراهن إلى ما هو أكثر تعقيدًا وعمقًا في إعادة تعريف مفهوم النصوص نفسها.

فإذا كان الشعر مثلًا شهد تحولات في الشكل والمضامين في القرن العشرين نتاج عوامل تتعلق بالتحديث في البلدان العربية وتحولات الحياة الاجتماعية والثقافية، من الانتقال بالقصيدة من شكلها الكلاسيكي إلى التفعيلة والغنائية إلى النثر، فإن التحول الذي ينتج اليوم عن وسائط العولمة المتحركة على عجل، يجعل المراقب والناقد الحصيف يرى أن حجم المتغيرات أكبر بكثير، وأننا لسنا أمام أسئلة متعلقة بالشكل فقط أو المحتوى الأدبي، بل أمام سؤال هوية النص نفسه وقدرته على الاحتفاظ بتعريفه التقليدي والمعروف.

إن الأثر الذي خلقته الوسائط الحديثة في إعادة تشكيل فن الرواية وهو عمل مستمر كما أشرنا لم يتبلور نهائيًا بعد؛ يغطي مساحة شاسعة من مفهوم النص إلى إنتاجه والتفاعل معه إلى تسويقه والتأويل، كافة هذه العمليات التي تحيط بالنص/الرواية، إذ أن تعريف العمل الأدبي هنا سوف يتحرر من فكرته الكلاسيكية في كونه مجرد كتاب بين غلافين. وتعي دور النشر العالمية الكبيرة هذا جيدًا وتشتغل عليه في صناعة الكتّاب كنجوم مثلهم مثل كافة مشاهير الحياة الأخرى، وهذا السياق يبدو جليًا في الغرب وفي دولنا يتأخر بسبب أن الحداثة والعولمة عندنا ما زالت مبتورة بسبب ضعف البنية التحتية التي من المفترض أن تستقبل سياق التعولم وتتفاعل معها، من تلك الإشكاليات الكرونوكية (المزمنة) chronic التي ترتبط بمسائل معقدة تتعلق ببنية المجتمع والاقتصاد والدولة والحداثة عمومًا.

وبخلاف الأثر الممتد فقد قامت تجارب على الاستفادة المباشرة من الوسائط الجديدة، كـ”تقليعة” كتابة رواية على توتير تقوم على تغريدات متواترة أو كتابة رواية على الفيسبوك في شكل “بوستات”متعاقبة وغيرها من التقنيات في هذا الإطار، التي يتم جمعها في نهاية المطاف لتكون بمثابة كتاب. وقبل ذلك كان قد ظهر مع مطلع القرن الجديد أو ما يعرف بالألفية الثالثة وبزوغ فجر الانترنت الكثير من الحركات التي تحاول أن تستفيد من هذا الفضاء في كتابة نصوص روائية تقوم بالدمج بين عنصر النص والصورة ونظام اللنكات “الوصلات” links بحيث تكون الرواية نصًا يقوم المتلقي بالتنقل بين أجزائه، بمعنى يمكن أن يقف عند كلمة معينة أو اسم بلدة أو شخص ليدخل إلى صفحة بها معلومات أو إضافات هي من صميم السرد، ما يعني أننا أمام نص متشعب وشبكي.

وعرفت هذه الرواية التجريبية بـ “الرواية التفاعلية” وقد ظهرت في الغرب أولًا ومن ثم تم تجريبها عربيًا، وكان محمد سناجلة أول من كتب ونظرّ جربها عربيًا وقد كتب كتابًا باسم  (رواية الواقعية الرقمية)، يعالج فيه فلسفة الخيال والعصر الرقمي والإنسان الافتراضي واللغة الجديدة في الرواية الرقمية. ورأى في هذا الإطار الناقد سعيد يقطين في كتابه (من النص إلي النص المترابط: مدخل إلي جماليات الإبداع التفاعلي) ردًا على هذه الموجة وقتها في حوالي عام 2005: “أننا ما نزال أسرى مفاهيم تتصل بالنص الشفوي أو الكتابي، ولم نرق بعد إلي مستوى التعامل مع النص الإلكتروني” . وفي مقابل ذلك فإن هناك آراء كانت تخالف يقطين في أن المستقبل مفتوح أكبر من ذلك، وهو ما أثبتته السنوات وفي ظرف وجيز جدًا، فخلال أقل من عشر سنوات حصلت ثورة فعلية في استفادة الكاتب العربي من التقانة الجديدة وعمل على توظيفها بشتى السبل في الإطار التجريبي سواء على مستوى النصوص نفسها، المسماة بالتفاعلية، أو الخبرات الأخرى في تقنيات كتابة النص التقليدي، أو ابتكار نصوص جديدة وموجزة وتنمية ما عرف بنص الومضة، القصة القصيرة جدًا الذي أخذ من فضاءات السوشلميديا.

وفتح الطريق الجديد إلى تنظيرات كثيرة كقول ممدوح عدوان بضرورة ما يعرف بـ “الناقد الرقمي” الذي يكون عارفًا بالتعامل مع الوسائط وفي الوقت نفسه ملمًا بالكتابة الإبداعية في شكلها المعروف. غير أن مجمل أو أغلب هذه النظريات سرعان ما تجاوزها الزمن بسرعته في هذه الفترة من التاريخ التي تتسم بالانتقال والتغير المفاجئ وغير المتوقع كما أكدنا سابقًا في هذا البحث. لهذا فإن أي تنظيرات يجب أن لا تكون حتمية ونهائية، بل تطرح أسئلة أكثر مما تفيد بإجابات نهائية وقاطعة، وهذا هو واحد من الإشكاليات التي وقع فيها النقد العربي وهو يتعاطى مع بدايات الثورة الرقمية أو الوسائط الحديثة، وهذه الموجة تكاد قد انتهت الآن بحيث أصبح الناقد العربي يتكلم بشكل أكثر روية وتعقل في النظر إلى تداخل فضاء الانترنت ووسائطه مع النصوص الكلاسيكية والتجربة الإبداعية التقليدية العريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق