
صوفيّ العود
وافر شيخ الدين
د. محمد بدوي مصطفى
قبل أن ألتقيه، أحسست رنّة عوده وسحبة كمانه، وضربة إيقاعه ودندنة أكورديونه، هذا الصوفيّ اللامع، الرجل الوافر أدبا وجمالا، سحرا وخلقا هو دون أدنى شكّ شخصية متميزة، فريدة ومتعددة المواهب وباحترافيّة عالية، يتنقل الموسيقار وافر كما شاء له بين الآلات وكأن بستان للأنغام (جاردن دي هارموني). كم أتحفنا بنغماته التي جالت الدنيا حائمة في زمن الكورونا وهو على بلكونته يحمل بين أنامه الرقيقة شيخ الآلات، العود، فطافت دندناته تلفزيونات العالم بأسرها وسحرت نغماته القلوب الغامرة في متاهات الألم حتى وإن كانت تلقائية من على بلكونة محظورة بأرض الأندلس مدريد.
التهب قلبه لآلة العود وهو لا يزال في سنّ يافعة بالمدرسة الثانويّة ومن لم يعرف هذا الموسيقار، فقد تربى وترعرع وافر في صحن أسرة صوفيّة، فنيّة وموسيقيّة ذائعة الصيت بالسودان وخارجه.
لم يتوان أبدا في مواصلة الدرب في دراسة الموسيقى فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى بالخرطوم ويا للعجب تخصص في آلة الأكورديون على يد الأستاذ الفاتح الطاهر، ذلك في الفترة ما بين ١٩٨٤ و١٩٨٧. شارك كموسيقيّ محترف العديد من المطربين منهم على سبيل المثال لا الحصر: سيف الجامعة، عبد العزيز المبارك، محمد الأمين، أبو عركي البخيت وعبد الكريم الكابلي، بالإضافة إلى بوتقة من المطربين ذوي الشهرة والصيت.
ارتحل إلى بلاد الأندلس في بداية تسعينيات القرن المنصرم حيث درس فيها آلات الإيقاع: الطبلة، الدف والرقّ وبدأ حينئذ مشوارا جديدا مع فنانيّ إسبانيا العمالقة حيث شارك بآلة العود مع إليسا سيرنا وإليسيو باررا وله مداخلات أخرى ثرّة لا سيما مع الفرقة العالميّة “راديو” حيث جاب أنحاء العالم يصاحبها بالعزف على مختلف الآلات: الأكورديون، العود، الإيقاعات المختلفة.
كان حياته ببلاد الأندلس وبعاصمتها مدريد أثرا عظيما حيث فتح له آفاقا جديدة لدراسة الفنّ والموسيقى الأندلسيّة فكان حراكه مع المطربين والفرق الموسيقيّة متميزا لأبعد الحدود، إذ شارك في تسجيل العديد من الألبومات (قرابة الخمسين تسجيلا) تُعنى بالألحان الأندلسيّة وموسيقاها فضلا عن الموسيقى القرووسطية. ولا يزال هو في ريعان نشاطه المنقط النظير مما جعله قبلة لكل سائل ومحب لموسيقى الأندلس وموسيقى بلاد النيلين.
كانت باكورة انتاجاته الفنيّة مقطوعات وأغاني خاصة سجلها سنة ١٩٩٦ تحت عنوان “سلامات خرطوم” نفذها مع فرقته التي أسماها كمبلا. وفي عام ١٩٩٧ قام بإنتاج مشترك والفنان ادواردو بانيافوا لعمل موسيقي تحت عنوان “في حظيرة الموسيقى الأندلسية” (خاردين ديل اندلس). ومع بداية عام ٢٠٠٢ أشرقت موسيقاه التي سحرت القلوب تحت عنوان “وافر” وأطلق على العمل “نيلو اثول” تمجيدا لسحر النيل الأزرق، شريان الحياة في شرق أفريقيا. ولا يزال وافر بحر زاخر يجود بالفن والموسيقى والأنغام. نتمنى له كل التوفيق في دروبه الكثيرة!




