ثقافة وفن

اسم ذهبيّ كما الطُّغراء

الصانع سيّد فتحي أمين

د. محمد بدوي مصطفى

بشوش الطلعة هادئ الطبع جمّ التواضع سيد فتحي أمين أمير وابن أمير صناعة العود اتخذ فيصل مكانا له بالقاهرة ليصنع ويبدع في معمله الجميل بشارع العشرين بفيصل. حدثني صديق ألماني محترف لآلة العود (رومان بونكا – عازف مع محمد منير) قبل بضع سنين عجاف أنه قدر أن يستحوذ على عود في غاية الروعة والجمال من صنع فتحي أمين وابنه سيد. لم يكن مني إلا أن طلبت منه رؤية هذه التحفة. حضر إليّ ليشاركني حفل بجنوب ألمانيا وقمنا بعزف بعض مقطوعات من التراث السوداني. لا يمكن أن أصف لكم يا سادتي مدى سلاسة الأنغام وحلاوة الأوتار وعذوبة الموازير وجمال السلم الموسيقي وسحر اللمس لآلة كحوريّة في كمال كواحدة من حور الجنان الخالدة! توفي قبل بضع سنين المعلم الكبير لكنه ترك ابنه الذي احترف الصناعة وصار يضارع الأب في الجودة.

دائما أحرص أن أقصد شارع العشرين بحي فيصل الشعبي في زياراتي العديدة للقاهرة؛ وذهبت ذات مرّة لمعمله والمعرض كما كنت أفعل من قبل، وفي كل مرّة أرى آلات تسر الناظرين فكل آلة أجمل من الأخرى وكل نغمة تنبثق من آلة تضاهيها الأخرى بسحر يفوقه. سرّ الصنعة يكمن في حرفيّة اختيار الجيّد من المواد ومن الأخشاب التي يستورد بعضها المعلم سيد فتحي خصيصا من أوروبا لا سيما لوجه الآلة. ومن ثمة يستورد خشب الأبنوس من السودان لإتقان المفاتيح والمساطر. يتفنن بظهر العود ويبدعه بشرائح خشب الزان أو التيك أو الأبنوس. كان لي عدّة آلات صنعها لي من الأبنوس الخالص ووضع على بطن إحداها اسمي بخط الثّلث العربي البديع.

من المدهش أن الفنان الراحل المقيم محمد وردي كان عندما يأتي إلى مصر يتصل على الأب الذي رحل هذه عن دنيانا أو الأبن طالبا بتودد احضار بعض الآلات إليه في مكان اقامته بالهوتيل. أخبرني المعلم سيد في غير لقاء أنه من أسوان وأن محمد وردي عندما يجرب الآلات يبدأ بدوزنتها بإتقان محكم ومن ثمة يطربنا بنغمات نوبية قريبة إلى قلوبنا. لم يكن يعلم سيد فتحي أمين أن تلك النغمات هي من تراث محمد وردي النوبي وبعض الألحان التي يغنيها الفنان محمد منير أيضا بعضها من ألحان وردي أو ألحان سودانية بحتة. أصابته الدهشة عندما أعلمته بالأمر وأخبرته أن محمد منير ينتقي أجمل أغاني الحقيبة وأغاني وردي ويتألق بها.

لقد كُرِّم الأب فتحي أمين في مهرجانات عظيمة لما قدمه من عمل متقن في تطوير آلة العود لا سيما بمهرجان العود بعمان كما كرم الابن سيد فتحي أمين في مهرجات داخل وخارج مصر وهو الآن علم من أعلام صناعة العود بالوطن العربي: نصير شمة ومحمد وردي وعبد الوهاب الدكالي (المغرب) ومحمد عبده كلهم ينعمون بآلات ساحرة دقيقة العلامات عند العزف وسهلة الاسترسال عند الغناء كما أن لها خاصية أخرى تعزى لاستعمال الأخشاب المعتقة ألا وهي استمرار دوزان الآلة لمدة طويلة من الوقت وقلة تأثرها بتذبذب درجات الحرارة.

سيد فتحي أمين علم من أعلام صناعة العود في الوطن العربي وينبغي علينا أن نكرمه ونكرم والده فيما قدما لنا من عمل خالد يحفظ التراث ويطوره. تمنياتي لمعلم سيد بمزيد من التألق والنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق