
صمودُ القصيدةِ نضال
الشاعر العراقي والدبلوماسي شاذل طاقة (2)
د. سامي عبد الستار الشيخلي
ذكريات مع نزار قباني
كما كان للفترة التي قضاها شاذل طاقة في لبنان بين العامين 1962ــ1963، أثناء التحاقه بالجامعة الأمريكية في بيروت لغرض إتمام دراسته العليا، دور هام في تعميق صلاته بعدد كبير من الأدباء والمثقفين العرب. ويذكر في هذا الصدد أيضا، أن المهرجانات الشعرية والأدبية التي كانت تعقد في عواصم عربية، ساهمت هي الأخرى في تعميق تلك الصلات. وفي النصف الثاني من عقد الستينيات، عندما كان شاذل طاقة مفصولا من العمل الوظيفي لأسباب سياسية، كثف شاذل نشاطه السياسي والأدبي في محافل متعددة، أبرزها كان نشاطه داخل اتحاد الكتاب والمؤلفين العراقيين، مما أسهم في توسيع علاقاته مع الوسط الثقافي العراقي والعربي. لقد تزامنت تلك الحقبة الزمنية مع أحداث تاريخية هامة ساهمت في تحديد ملامح سياسية لمراحل مفصلية في تاريخ الوطن العربي، مبتدئة بنكسة الانفصال عام 1961، التي مهدت لعدوان الخامس من حزيران 1967، وهي تطورات، بل نكسات، أحدثت صدمة كبيرة في وجدان الشعب العربي ودفعت بأعداد كبيرة من العرب إلى اليأس والقنوط.
في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ العراق والأمة العربية، برز عدد من الشعراء والأدباء الملتزمين ممن أخذوا على عاتقهم مهمة التصدي لحالة اليأس وزرع الأمل في قلوب وعقول الجماهير العربية. كان شاذل طاقة على رأس أولئك الأدباء والمثقفين التي أخذوا على عاتقهم تعبئة الوسط الثقافي باتجاه استعادة الثقة سيما بعد الخامس من حزيران، من خلال عمل ثقافي وأدبي وإعلامي، تجسد بعضه، في الكثير من قصائده الشعرية، فضلا عن مساهمات ثقافية وإعلامية أخرى لا يتسع المجال لذكرها. كل هذه النشاطات الأدبية والثقافية أسهمت في تعميق صلات شاذل طاقة بزملائه من الأدباء والمثقفين العرب.
زرع الأمل
كانت العلاقات التي أسس لها شاذل طاقة خلال تلك الحقبة والتي مازلت المس أثارها العميقة أينما توجهت في أرجاء المعمورة، سواء من خلال عملي الدبلوماسي السابق أو بعد أن حكمت ظروف احتلال بلدنا العراق على عائلتنا، كغيرها من آلاف العوائل العراقية، بالتشتت والتفرق في بلدان العالم.. أقول ما برحت الصدف تجمعني بلقاء شعراء وأدباء ومثقفين ومهتمين بالشأن القومي، عرب وأجانب، فيبادرون بالحديث عن شاذل طاقة بكل محبة وتقدير وإشادة بمواقفه القومية الأصيلة.
وأذكر على سبيل المثال أنه أثناء فترة عملي في اليابان أواخر ثمانينيات القرن الماضي، اكتشفت صدور كتاب لأديب ياباني، قام بترجمة مجموعة قصائد مختارة لشعراء عرب إلى اللغة اليابانية، كان من بينها احدى قصائد شاذل طاقة وجاء اختيار الشعراء من قبل الأديب الياباني على أساس دورهم الملموس في تطور حركة الشعر العربي المعاصر، وإسهامهم في خلق وعي جماهيري بقضايا مصيرية.
أذكر أيضا أنني التقيت في القاهرة عام 1999 بالشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، الذي شغل منصب ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية، وكنت معجباً بقصائده الوطنية، لاسيما تلك التي غنتها فيروز ومن بينها رائعة سنرجع يوماً إلى حينا، فإذا به يتحدث لي بلهفة وحب ومشاعر صادقة عن ذكرياته لأيام أمضاها مع شاذل طاقة في القاهرة، وعن تقديره لمواقفه القومية النبيلة التي عبرت عنها قصائده، وإعجابه به كانسان وشاعر. وإذا كان ما اسمعه واراه من أثار ما زالت حية لشاذل طاقة الشاعر والإنسان يشعرني بالزهو بما استطاع الوالد أن ينجزه نبراساً على الطريق، فان ما يبعث عن الرضا والراحة النفسية لديّ، ويعزز ثقتي بالمستقبل، على الرغم من كل أهوال الحاضر، هو أن الرسائل التي أراد شاذل ورفاقه الشعراء إيصالها من خلال شعرهم ونتاجهم الأدبي ما زال يتردد صداها القوي، وصوتها المسموع، وفعلها المؤثر في العقل والضمير والوجدان.
في هذا السياق، وفي إطار الجهود التي بذلها شاذل محاولا زرع الأمل مجددا في النفس العربية، والخروج من أجواء النكسات، كانت القصيدة التي ألقاها في مهرجان الشعر الثامن الذي عُقد في القاهرة في آذار من العام 1968 بعد نكسة حزيران بنحو تسعة أشهر، وقبل وصول حزب البعث إلى السلطة. شارك والدي في ذلك المهرجان برفقة شعراء وأدباء عراقيين من بينهم الشاعر والسياسي الأستاذ شفيق الكمالي والشاعرة الكبيرة عاتكة الخزرجي وآخرين.
وقد ألقى شاذل طاقة في مهرجان الشعر ذاك قصيدته المشهورة في الطريق إلى القاهرة والتي تغنت، كمعظم قصائده، بالحلم العربي المنشود، وإن كانت القصيدة لم تخفِ الأسى والمرارة اللتين ولدتهما نكسة حزيران في قلب الشاعر، إلا أنها كانت دائما تنتهي بالتفاؤل والتطلع إلى بزوغ فجر عربي جديد نص القصيدة في أسفل المقال. وعن هذه القصيدة، يجيب شاذل طاقة على استفسار توجه به أحد أصدقائه بشأن الصدى الذي لاقته القصيدة عند إلقائها في القاهرة، قائلا عندما صعدت على المنبر لم يصفق لي سوى عدد قليل من الحضور، غير أن القاعة بدأت بالتصفيق عندما بدأت ألقي القصيدة سيما عندما قلت في أحد أبياتها
أو كنتِ قد خدعوكِ أنًّ بنا
عاباً ومنقصةً … فقد كذبوا
لكننا قومٌ لهم قُدُسٌ
وطِئتْ معارُجها … وقد غضبوا،
حتى ضجت القاعة بالتصفيق عندما انتهيتُ من إلقاء القصيدة التي جاء في نهايتها إنا، وإن شط المزار بنا
وتزاحمت من حولنا الكُرَبُ
سيضمُّنا يومٌ لنا قَشِبُ
ولسوف نَفخر أننا عَربُ.




