
تداخل تخصص الأبستمولوجيا والكتابات ذات الطابع السياسي
عند محمد وقيدي
بتصرف: خديجة منصور
محمد وقيدي مفكر مغربي معاصر، جمع بين الفلسفة والأبستمولوجيا والدراسات المتعلقة بالسياسات والاجتماع له، عدد كبير من المؤلفات منها: ما هي الابستومولوجيا، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، وحوار فلسفي، البعد الديمقراطي، ولماذا أخفقت النهضة العربية، والتوازن المختل، كان يصر على الحضور ليعارض أو ينتقد رأي معين، كان يكتب في أي شيء، يفضل التفكير مباشرة في المباشر بدون وساطة، يهوى البساطة والبداهة وينظر للفلسفة بوصفها فكر يغامر للمضي للأمام والتصدي للمشكلات.
ويعتبر في بعض الدول العربية مرجعا أساسيا في مجال الابستومولوجيا، استشهد ونوه بأعماله وأفكاره الفيلسوف ناصيف نصار.
وقع في حياتي الشخصية تداخل بين الثقافة التي تعود للاختصاص الجامعي الذي كنت أعمله وهو الابستومولوجيا، وبين بعض الكتابات الأخرى ذات الطابع السياسيات التي كنت أكتبها، كما يرمز لهذا عنوان الكتاب الذي نشرته سنة 1990 “التوازن المختل”، لأنني عدت في هذا إلى ثقافة الابستومولوجيا وخاصة عند جان “بياجيه Jean Piaget” الذي درست عنده مفهوم التوازن والاختلال، وإلى رؤيته للعالم المعاصر ذلك أن مفهوم التوازن عنده من أهم المفاهيم التي استخدمها.
وقد استخدمته بالنسبة لواقع العالم المعاصر عندما أردت فهمه، فأشرت به إلى العالم المعاصر من حيث أنه يعيش في إطار توازن مختل، واستخدمت ذلك بكيفية دقيقة تعود إلى المفهوم، “فبياجيه” يؤكد أن التوازن لا يغيب أبدا ولكنه حاضر دائما، ولكنه يعرف اختلالات هي التي تكون أساسا لتطورات جديدة فيه، إذا ماذا يقصد بالتوازن المختل بالنسبة للعالم المعاصر؟
لقد بحث في حالة العالم المعاصر والمظاهر التي يعيشها، ووجدت أن العيش حالة توازن مختل، أي حالة توازن يعرف اختلالا، هذا في إطار فهم التطورات التي وقعت في العالم المعاصر انطلاقا من العصر الحديث إلى الآن.
فالعصر الحديث قد شهد تطورات ايجابية في البداية مع ظهور الثورة الفرنسية والحداثة، بحيث كان الفكر في هذه الحالة فكرا منفتحا على الايجابيات وعلى الإنسانيات، وهذا ما جعل الثورة الفرنسية كالثورة الأمريكية كلاهما بدأ بمفهوم حقوق الإنسان، ولكنني اعتبرت أنه وقع اختلال في هذا التوازن من لحظة لأخرى عرفها العالم المعاصر وهي انقلاب تلك الثورات المعاصرة إلى حركة استعمارية، وقد بدأت الحركات الاستعمارية في القرن 19 وتراجعت الدول الأوربية والأمريكية عن مبدئها الأصلي وعن إرادتها في خدمة الإنسان تراجعت إلى واقع أخر أصبحت تستغل فيه الإنسان.
مما أدى إلى تراجع الحركات الاستعمارية، من قام بها هي نفسها الشعوب التي فتحت الباب أمام حركة نهضة وحركة تحررية شاملة، لكنها لم تستطع أن تستمر في هذه الحركة الشاملة لأنه بدأت الحركات الاستعمارية في القرن 19الذهاب إلى جهات من العالم واستعمارها ومنع تطورها الطبيعي و خلق تطور أخر غير تطورها الطبيعي، لكي يصبح هو القائم وهكذا ممكن أن نقول بأن القارة الإفريقية والأسيوية هما القارتان اللتان عانتا من هذا التوازن المختل، لأنهما القارتان اللتان فقدت فيهما الثورات الأوربية معناها، فمع ظهور الحركات الاستعمارية التي شملت إفريقيا والبلدان الأسيوية، حدث اختلال في توازن العالم، ذلك أن هذا الاختلال هو انقلاب المفاهيم الأساسية من مفاهيم هي في خدمة الإنسان إلى مفاهيم في خدمة بعض البلدان، بحيث أصبحت بعض البلدان الأوربية لم تعد هي البلدان التي ستنقل إلى البلدان الأخرى ثقافتها وحضارتها كما ادعت في البداية بل أصبحت تنقل إليها قوة عسكرية واستعمارا، ولاشك أن القارة الإفريقية التي نحن جزء منها قد عرفت جزء من التحول، هذا التحول الذي أصبح يفهم التوازن لكنه في الأصل اختلال، في حين أنه عندما خلطته بالتوازن المختل هو التوازن الذي يظهر بوصفه كذلك “توازن” في حين أنه اختلال، فالعملية الزمنية قد جعلت التوازن الذي يظهر في العالم اختلال، ولكنه الاختلال هو الذي يظهر بمثابة التوازن، بحيث أن كبار المفكرين الأوروبيين من أمثال “جاك بيرك”Jacques Berque الذي عندما تحدث عن القوة الاستعمارية في المغرب التي كان هو موظفا فيها قال “إن المغرب محتل وليس مستعمر” إذا لم يكن المغرب مستعمرا لان سلطته التقليدية بقية قائمة، وكذلك نقول هذا عن بلدان الشرق الأوسط وغيرها.. فإذا التوازن هو الاختلال عندما يظهر مكان التوازن ويظهر على أنه هو التوازن أي الاختلال يصبح هو التوازن ويصبح على العالم أن يتكيف معه بالأفكار الجديدة ليس من الناحية الايجابية ولكن من الناحية السلبية، عندما تفقد قيمتها وتصبح هي التوازن في حد ذاته، إذن فعبارة التوازن المختل وهي تشير إلى هذا التراجع الذي وقع في القيم الإنسانية التي حملتها الثورات الأوربية والأمريكية في البداية وأصبحت من بعد تطبق بشكل أخر في التوازن المختل إذ فالمهم فيه هو التوازن والمهم فيه أيضا هو الاختلال بحيث أنه يظهر بمثابة توازن، نحن نعيش في العالم اليوم “توازنا مختلا” أي حسب المفهوم الذي طورته في الحالة التي يظهر فيها الاختلال وكأنه هو التوازن، فعندما نحلل نجد أن ما هو واقع هو اختلال في التوازن ويظهر بمثابة توازن فهذا هو التوازن المختل الذي فهمت في إطاره تطور العالم المعاصر من الثورات الأوروبية والأمريكية التي حولت هذا الأخير إلى الحركات الاستعمارية التي تخلت عن تلك القيم وأصبحت تفرض ضده كقوة لذلك عالجت في هذا الكتاب مسائل مختلفة، مثل العالم الذي يعيش الحروب والتناقضات التي أصبحت هي توازن عندما نقول للمستعمرين هذا ليس توازن تجدهم يدافعون عن موقف التوازن إذن التوازن هو حكمهم كقوى أجنبية للبلدان الإفريقية والأسيوية هكذا ممكن أن أقول أنني استفدت من مفاهيم استقيتها من ميدان الابستومولوجيا وطبقتها في مجال أخر هو مجال الواقع التاريخي الذي نعيشه ألان.




