ثقافة وفن

واحة الكتاب

كيف ولماذا نقرأ ماركس اليوم ... صعوبة النظرية وتناقضات الحداثة

عرض وترجمة: عبد الكريم وشاشا   

Stefano Petrucciani

إن السؤال الأول الذي يستحق أن نفكر فيه، برأيي، هو حول الطريقة التي قرأنا بها ماركس في الماضي، وكيف يمكننا قراءته اليوم؟ في الواقع، أرى أن القراءة الحقيقية لماركس، هي إلى حد بعيد عمل غير منجز بعد، ويتعين علينا القيام به.  قد يبدو هذا التصريح متناقضا، أمام هذا الكم الهائل من الكتب بل مكتبات كاملة مكرسة لدراسة أعمال هذا المفكر.

لكن يجب أن ندرك جيدا أن الطريقة التي قرأنا بها ماركس في القرن التاسع عشر كانت غير كافية بشكل كبير.  لقد درسه الماركسيون باعتباره مفكرا حيا، يحتاج إلى إعادة كتابته وتحديثه وإعادة التفكير فيه حتى يصبح راهنا. وهكذا تم تقديم قراءات وتأويلات قوية (نستحضر هنا قراءات ألتوسير ولوكاتش) لكنها مفيدة لفهم فكر الذين قرأوا وقدموا تفسيرات في أعمال ماركس أكثر من فكر ماركس على حقيقته. باختصار، ففي إطار الماركسية، تمّ تطوير ماركس، واستخدامه، وتفسيره، وتحديثه، وأيضا وبدون شك تحويله.  فكان عند نقاد الماركسية (من بينهم لا الحصر: كارل بوبر وكارل لويث) موضوعا لقراءات محدودة وأيضا مشروطة بالسجال (البوليميك) المندلع حوله. إن هذا النوع من النقاش (الذي انخرط فيه الماركسيون والمناهضون للماركسية) هو بلا شك، جزء مهم من النقاشات الإيديولوجية والثقافية للقرن التاسع عشر، لكنها كانت أكثر حيوية وحماسة وملتهبة لدرجة لا يمكن أن تكون علمية؛ بالإضافة إلى ذلك، فقد بدت هذه النقاشات بعد سقوط جدار برلين، وتراجع وانطفاء العديد من الأحزاب الشيوعية الرئيسية، متقادمة كأن الزمن قد تجاوزها بالفعل، لذلك فاليوم، من الضروري قبل كل شيء مقاربة ماركس ليس باعتباره مفكرا حيا يعيش بيننا، بل باعتباره مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الغربي.  هذه المرحلة التي يجب علينا دراستها مرة أخرى بطريقة علمية أكثر (ليس فقط من وجهة نظر الفيلولوجيا / علم اللغة المقارن، كما قمنا بها بالفعل في الطبعات الجديدة والمدققة لهذه النصوص) وأيضا مقاربتها بدون عاطفة مفرطة، يجب قراءتها وتحليلها بالطريقة التي نعلق بها على النصوص الكلاسيكية.

وبعبارة أخرى، من الضروري أن نواجه ماركس بدون أن نغمض أعيننا عن ما لا نقتنع به، وعن التناقضات والإشكالات الفكرية المستعصية والتي ليس لها أي حل (les apories) والصعوبات الداخلية لفكره، وأن نقرأه باهتمام شامل ودقيق وتنقيطي (نسبة إلى الحركة التنقيطية في الرسم) مع الحرص الشديد على إبراز عدم الاتساق والتضارب والتباين. أن نواجه النصوص الماركسية بيقظة أكثر من تلك التي واجهنا بها نصوص كانط وهوبز، كلاسيكيات الفكر العظيمة؛ إن هذا يعني أنه يجب أن نقرأ ماركس بطريقة مختلفة عن تلك التي طالعناه من خلال المناظرات والنقاشات المحتدة العاطفية وصراعات التأويل التي ميزت الماركسية كعلامات وإشارات توحي بالمشاكل الداخلية والصعوبات التي توجد في فكر ماركس، والتي حاول العديد من المفكرين الماركسيين إيجاد حل لها باستعارة اتجاهات فكرية مختلفة وأحيانا متناقضة مع الفكر الماركسي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق