ثقافة وفن

تلفزيون السودان «جنازة بحر… لا حِس لا خبر»

بدر الدين العتَّاق

بالرغم من جدارة وخبرة الأستاذ إبراهيم البزعي في المجال الإعلامي وهو ابن الحيشان الثلاثة ( المسرح القومي والتلفزيون والإذاعة ) وهو شخصية محترمة بلا شك؛ إلاَّ أنه ضَعُفَ إدارياً وفنيِّاً في قيادة دفَّة البرامج التلفزيونية المقدَّمة عبر القناة الرسمية للدولة والتي تعكس لا الصورة المحلية الثقافية الفكرية بكل مناشط الحياة في السودان وبرامج الدولة إضافة للرؤية المصاحبة المواكبة لفكرة الجهاز التنفيذي تواكباً مع روح الثورة الديسمبرية  وتزامناً مع مستجدات الساحة إعلامياً أول الأمر ومروراً ووقوفاً بكل المحاور المهمة في حركة العالم من حولنا ثانياً ؛ بل تعكس اتفاقاً مع ذلك الصورة العامة والخاصة السالبة أو الموجبة للكادر الإعلامي المعنى بتوصيل رسالة الجهاز القومي وبرامج الدولة للمجتمع المحلي والاقليمي والدولي التي أضحت كمسلمات حياتية لا غنى عنها.

طالما أشرنا للسالب والموجب فدعني أيها القارئ الكريم أن أوجه بعض الملاحظات على الجانب السالب وظيفة الصحافي ههنا إذا تجنبنا الإيجابيات المتفق عليها دفعاً للمصلحة العامة والخاصة لمن يجد فيها ما يفيده؛ فلا بأس بالإيجابيات عادةً .

بينما أنا أطالع برامج التلفزيون السوداني وأتابع لحظة بلحظة كل المستجدات الطارئة فيه لفت نظري الكم الهائل لضعف البرامج بنسبة عالية مقارنة مع ما تقدمه الفضائيات المجاورة من برامج جيدة؛ وبالتحديد برنامج « دوحة المساء» وهي فكرة مكررة في شكل اسم جديد على النحو التالي :

* يفتقر مقدموا البرامج عامة وهذا البرنامج بالذات إلى الثقافة بشكل واضح للغاية وتتضح ضحالة المعلومات بصورة مزرية وبالأخص إذا كان البرنامج على الهواء مباشرة فهذه طامة كبري لا تعالج بسهولة .

* عدم الاتكيت واللباقة في طريقة تقديم الضيف وجهالة التعامل معه؛ وأغلب الظن لا يفقه مقدم البرنامج الموضوع الذي يتحدث عنه فتجده سارحاً بخياله إمَّا مع المخرج والكنترول وإمَّا مشغولاً بالهاتف المحمول في يده ( لزوم الشياكة ) وإمَّا متعمداً إنشغاله مع زميلته العجوز والتي لا تصلح إلاَّ أن تكون طباخة ماهرة للكمونية وأم فتفت ذات الجلسات الخاصة ( جلسة مشاط أو قهوة الظهيرة ) لمصاحبتها بين كل كلمة وأخرى قهقة قميئة بدون سبب؛ ولعمري مما يزهد المرء في المتابعة والإهتمام .

* عدم الإهتمام بالزي واللبس عامة؛ فإمَّا أن يكون غير لائق؛ بمعنى سوء اختيار اللبس الذي يشبه الزي المُرتدَى في البيوت؛ وإمَّا أن يكون شاذاً؛ بمعنى عدم توافقه مع الشخصية ومع البرنامج المعنى ( أزياء عجيبة لحفلة تنكرية ) .

يحضرني هنا ما قاله الإعلامي الكبير الأستاذ فريد عبد الوهاب؛ حينما سئل عن عزوفه العمل في التلفزيون القومي وهو أحد فرسانه المهرة القُدَامَى فقال بالحرف الواحد : اللبس مكلف جداً والراتب غير مجزي ( في ذلك الوقت ) وأنا أقدم في جهاز قومي يراني كل العالم فلا يمكن أن أظهر بمظهر ردئ أو قبيح.

أنت ترى قول الأستاذ فريد عبد الوهاب صراحته واحترامه لنفسه أولاً واحترامه المهني ثانياً موافقاً بينهما حتى لا يكون في موضع إحراج للجميع وأن يترك الساحة والشاشة لمن يقدر عليها وما زاده عندي إلاَّ رفعة في المقام واحتراماً بلا شك.

* الخوف والتوتر وعدم الثقة في النفس أمام الكاميرا ( الطبيعة الخجولة للفرد السوداني الصفة الغالبة عليه ) ؛ تراهم قلقون عندما توجَّه الكاميرا لهم فسرعان ما يطلبون الخروج إلى فاصل إعلاني خروجاً من المأزق؛ أو التوتر الحركي المتسارع الواضح على أطراف الأصابع والركب والأقدام؛ وكأني بهم يتمثلون قوله تعالى : ‭{‬ إذا زلزلت الأرض زلزالها ‭}‬ سورة الزلزلة؛ مما يحتاج إلى إعادة الثقة في النفس وحسن الإختيار لوضع جلسة المذيع وكذلك المصوِّر له أن ينتبه لذلك فيعالجها من عنده باحترافية فنية .

* عدم التدريب والتأهيل والخبرة والتخصص وتلقى الكورسات ذات الصلة اللازمة للعمل التلفزيوني؛ فلاحظت أن الاختيار يتم إمَّا من باب المجاملة التي أرجعت الحياة السودانية إلى قرون سحيقة للوراء وإمَّا من باب المظهر والشكل العام من حيث البنية الجسدية والقوام واللون والله أعلم أي ذلك كان .

وبهذه المناسبة؛ أذكر استضافتي في قناة الخرطوم قبل ثمانية سنوات لمدة نصف ساعة وقبل بدء البرنامج بخمسة دقائق والذي يُبث على الهواء مباشرة قابلت مضيفتي الأستاذة (  ) بغرض الإعداد الجيد قبل البث وكان الزمن ضيقاً للغاية فسألتني عن ما أود قوله فقلت لها : عن أبي العلاء المعري؛ فقالت ضاحكة حتى رجعت للوراء : ومن هو أبو العلاء المعري هذا؛ فأنا لم أسمع به؟! هنا تداركت الموقف بسرعة جداً لأنَّ المخرج كان ينادي علينا بالدخول للأستديو فقلت لها : خذي هذه الأسئلة ولا تقاطعيني إلاَّ بها حتى لا توضعي في موضع محرج ونحن على الهواء؛ وتم اللقاء بنجاح الحمد لله.

هذه المشكلة المعرفية تسيطر على مذيعي البرامج التلفزيونية حتى اللحظة ولا أعزي السبب للكيزان وأثرهم الممتد؛ ولا لثورة التعليم العالي وإنَّما أعزيه لعزوف الشباب عامة عن المعرفة المكتوبة والقراءة في أمهات الكتب وادمانهم لأدوات التواصل الاجتماعي الذي يدمر الطاقات ويُساء استعماله إلاَّ من رحم ربي؛ وهذه هي النتيجة للأسف الشديد؛ تدهور مريع للإعلام وللإعلامي وذكر الله أخانا عبد الكريم عبد الله وبرنامجه القيِّم ( أضواء على الحضارة السودانية ) مع الدكتور جعفر ميرغني؛ وعمر الجزلي وبرنامجه التوثيقي الأهم في القرن الواحد والعشرين بين كافة المحطات الفضائية والبرامج ذات الصلة ( أسماء في حياتنا ) مع لفيف من المفكرين وأعلام بلادي؛ وغيرهما بالخير والثناء والعطاء .

* السلوك الشخصي الذي يهم المشاهد؛ من الأهمية بمكان مثل حركة الفم وتمشدقه وتعبيرات الوجه والحركة الكثيفة القلقة في الكرسي وتقلب البصر بين الإضاءة وبين الاستديو متفحصاً ناسياً قيمة وأهمية الزمن والمكان الذي هو فيه الآن؛ فهذه من السلبيات القاتلة للشخصية والبرامج وللتلفزيون مما يحط بمنزلة الكل.

*  الإعداد السيء للحلقة؛ تظهر جلياً العشوائية وانتقاء الكلمات المتماسكة للحوار أثناء التقديم وكأني بارتجال الحلقة ارتجالاً فاحشاً ضاربين بذلك عرض الحائط القيمة الفنية والابداعية والفكرة الأساس لموضوع الحلقة؛ حين لا يقدر المخرج ولا غرفة التحكم في معالجتها نهائياً مما يمسهم هم أيضاً طرف السوط؛ فالأوجب مذاكرة الممتَحن للامتحان العسير موضوع الحلقة بفترة أكثر من كافية تجنباً للمزالق .

* الفواصل الإعلانية الغنائية الهابطة والمخجلة والفاترة التي تحشو البرنامج حشواً مملاً ومخلاً بقيمة وفكرة ورسالة البرنامج والحلقة في آن واحد؛ فهي تمثل أكثر من ٦٥ ٪ من زمن الحلقة فتدور في فلك من الضياع عريض؛ وحبذا الإنتباه إليها مستقبلاً.

* عملية المكياج الشاذ للمذيعات ( أبو قفة وأبو تسريحة وأبو باروكة وأبو جاكومة وأبو شلوفة ومن أشبههم ) ؛ يفقدهن قيمتهن المعرفية حين يجعلن المشاهد مركزاً عليهن لا على ما يقدمن من معلومات ورسالة هادفة؛ فيصرفن الإنتباه تماماً؛ وأكثر ما لاحظت في بقية القنوات الفضائية السودانية مثل قناة البلد والهلال والأخريات ذات الأمر ؛ مما لا يبعد بي الظن مهما ساء إلى سوء الاختيار لهن ولهم قبل التعاقد والظهور قاسم الظهر وموجعه .

* انعدام أو غياب الجهة الرقابية المحاسبية والعقابية إن استدعى الأمر؛ وكذلك الجهة التقييمية لتحسين الأداء؛ يجب أن يكون دورها فاعلاً إن كانت موجودة أصلاً وإن لم تكن موجودة لزم ايجادها ونيطها بالمسؤولية الفردية والجماعية لضبط العمل كلياً.

نحن نعكس في قناتنا الرسمية إسم السودان أولاً قبل كل شيء فيجب أن نعكسه بشكل حضاري مواكب للنشاط الحياتي الخاص السوداني والعالمي قدماً بقدم وساقاً بساق وفي ذات الوقت نبرز ثقافتنا المحلية بشكل جذَّاب ومدروس وهادف بلا عشوائية واستعجال ؛ فقد جاء في المثل عند العارفين : ( سر ببطء لتصل بسرعة ) وحين نقدم مشروعنا الوطني عبر قناتنا الرسمية الناطقة بلسان حالنا ومقالنا؛ يلزم حُسن اختيارنا لمن يمثلنا فيه بمعيار الفكر والثقافة واللباقة والخبرة والذكاء والتخصص والدراية لا بمعيار الشكل وسد الفراغ؛ قال عليه السلام : ‭{‬ من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل ‭}‬ ؛ ويُرفض تماماً هنا التحجج بحجة قلة الإمكانيات والكيزان وأثرهم السالب والدولة العميقة الشماعة الأقرب لتعليق الفشل الذاتي؛ فهذه حجج واهية تدل على قصور شأو الإدارة التنفيذية ودنوا شأنها عن توصيل رسالتها بصورة جيدة علمية منهجية مقتدرة وهذا غير مطلوب وإلاَّ فليعتزل الأستاذ إبراهيم البزعي عن مقامه هذا وليترك الفرصة لمن هو أقدر منه بلا تجريح لشخصه الكريم.

هناك صوت يقول بأنَّ سياسة إدارة التلفزيون تتبع لنافذين في الدولة وتعمل وفقاً لأمرهم ونهيهم وهي جهة غير مستقلة وغير محايدة ولا تقف من الجميع بمسافة واحدة فيما تقوم به من عمل ويعجبها جداً هذه المهزلة وإلاَّ لما استمر الحال لما هو عليه الآن ( وحدث ما حدث ) اعجاباً ورضاً أو مكرهاً أخاك لا بطل ؛ وهناك صوت آخر يقول بأنَّ المدير العام للتلفزيون ضعيف في أن يقدم أطروحته ورؤيته الإعلامية حسب خبرته وحوجة المشاهد لما يرضى غالبية الذوق العام متحججاً بالتحديات والمصاعب والتمويل وضعف الإمكانيات وما إلى ذلك؛ وصوتي يقول بناءً على ما سبق لا يعني المشاهد – وأنا منهم – لا هذا ولا ذاك وإنما يعنيني أن يكون السودان أولاً وقبل كل شيء وأن يتكاتف الجميع وتتضافر الجهود لبذل أي طاقة إيجابية تعكس صورة السودان والسوداني في أبهى حلة وأزهى هيئة وأعلى قيمة مشرقة فهذا أو الطوفان ( جنازة بحر؛ لا حس لا خبر )  وطي النسيان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق