ثقافة وفن

Curtis Schreier

المفاهيمية وتشكيل الموقف الإنساني أرى غزة في كل مكان وفي كل شيء

بشرى بن فاطمة

“انههم كلهم.. أنههم كلهم” بهذا الخطاب المباشر الذي أطلقه بنيامين نتانياهو إثر عدوان غزّة وما حمله العدوان من صور لاانسانية وبشاعة طالت كل شيء وكل الناس بلا استثناء، تقبّل الفنان التشكيلي الأمريكي “كروتيس شراير” الرسائل التي حملتها وسائل التواصل الاجتماعي من عزة والصور التي علّقت على الأحداث دون الحاجة لترجمات ولغات، حمل من خلالها موقفه الصريح والواضح وأقرّ دعمه ومناهضته للعدوان إنسانيا وفنيّا وبلور فكرته الجمالية وأسلوبه المفاهيمي المعاصر ليقوم بصياغة تفاصيل متجدّدة الرسائل موحّدة المفهوم ارتكزت على شعار “أرى غزة في كل مكان وفي كل شيء”.
وكروتيس شراير، فنان أمريكي ينتمي للتيار الفني المعاصر قدّم فيه الكثير من التجارب وارتكز على أساليب تنوّعت في وسائطها ومحاملها البصرية ركيزتها الأساسية تمثّلت في الهندسة في الفراغ وتوظيف الفكرة، ولد عام 1944 في فيلادلفيا، بنسلفانيا، وقد عمل على طرح أسلوبه التحديثي بالتعاون مع Ant Farm، وهي مجموعة من الفنانين والمهندسين المعماريين الذين اعتمدوا على التجديد الحر في توظيف الفكرة البصرية مفاهيميا وتكثيفها بالارتكاز على الهندسة.
يُعرف أسلوب شراير بتعدد التخصصات، حيث يتضمن الهندسة المعمارية والأداء والصورة والتجسيد الإنساني والطبيعي والفيديو آرت.
أفكاره المتوازية بين الفني والإنساني حفّزته دوما على البحث في العنصر الثقافي للإنسان والتنوع المختلف في عالم يتحمّل أكثر من انتماء وما ركّز تفاصيله التجريبية في الفن التي جعلته واحدا من أبرز فناني التيار المفاهيمي المؤثّرين والمميّزين في الولايات المتحدة الامريكية.
بدأ في تلك الفلسفة البصرية منذ ستينات القرن الماضي عندما انخرط مع الفن في أبحاث هامشية في الهندسة المعمارية على مستويين تمثلا في تقديم ممارسة طوباوية قائمة على الصور باستخدام الوسائط، وتفعيل النشاط العملي المدعوم والمبني على شعار “افعل ذلك بنفسك” والذي تماثل فيه مع الطبيعة واندمج مع الهندسة الطبيعية من خلال الهياكل المدعومة بالحياة فيها وفق البساطة الحرّة للانسانية.
وظّف المسموحات البصرية وفق الحدود المعلنة في الوسائط المتعدّدة ومع التخصصات في الأداء جسدا فيديو وصورة وفنا بشكل عام كما في سياق التغييرات الجذرية التي حدثت في عالم الفن والمشهد الاجتماعي في أوائل السبعينيات.
في رؤيته البصرية لغزّة اعتبر شراير أن الفكرة ليست في النقل المباشر لكل تلك المشاهد الحقيقية بل في النبش في التفصيل الحر لها ومدى ضرورة التوثيق لها والتعبير عنها ووفق مكمّلات حسيّة وفنية لها أبعادها، حيث ارتأى شراير في بحثه البصري وتجريبه الأدائي البحث عن منافذ فنيّة لها، أرادها أن تعبّر عن هذا التمشي الرافض للظلم الدولي وعدم التوصّل إلى حلول سلمية، فقد كان في فكرته عنصر الأداء وتفصيل الحضور الصارم موجها لفلسطين برموزها المحضورة التي منعتها الدول الغربية وهي العلم، الكوفية التي تماثل فيها ومعها وجاهد ليجسّدها مع تفصيل القناعة الحسيّة بالأحقية الفعلية للأرض من أجل الأطفال والانسان في غزة وفي فلسطين.
فقد حمل تلك الرموز وأطلق العنان لتفاصيل أخرى في أسلوبه الرمزي والمفاهيمي ليقدّم رسائله الأبعد للإنسان حتى يستيقظ من غفلة الرضوخ والتزييف والتعتيم والأخبار الملفّقة والقصص التي تروي عكس ما يُرى ويعيشه أهل غزة.
يسعى شراير إلى التجسيد بجسده وفق اختلافات وضعية وموضعية بين السخرية وبين التوافق كأنه يقول إن العالم الحر يقتل الجسد وأن الرمز باق مع الحقيقة التي ترى في كل شيء والتي لا يمكن للتاريخ أن يتوارى عنها لأنها تخاط يوما بعد يوم وتستكمل تفصيل الألم والقهر ولا تنتهي إلا بانتهاء غطرسة القوّة.
إن الفعل الأدائي البصري الذي يقدّمه شراير يخوض فيه التماثل بين الواقعي والمعقول وهو يخوض فيه ويعيد التحديق في الفراغ بأسلوب اعتمد الصورة والمجال الفضاء الواسع وكأنه يقوم بالتحفيز الحسي والبحث الماورائي المحفّز للحياة يقف كتمثال قابع على أرضه يروّض وجوده بعدمه وتلك هي الملهاة الكبرى التي يعايشها أهل غزة برا وجوا وبحرا.

الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق