
صمودُ القصيدةِ نضال
الشاعر العراقي والدبلوماسي شاذل طاقة (3)
د. سامي عبد الستار الشيخلي
مهرجانات شعر بغداد
بقيت العلاقة متواصلة بين شاذل طاقة ونزار قباني، بل توطدت وتعمقت خلال زيارات نزار قباني المتكررة إلى بغداد لحضور المهرجانات الشعرية، ولعل هذا ما يفسر لجوء نزار قباني إلى صديقه شاذل عندما أراد التقدم إلى خطبة السيدة بلقيس الراوي في بغداد. وفي ربيع عام 1969، وعندها كنت قد بلغت الحادية عشر من عمري، سمعت في دارنا حديثا عن نزار قباني، وتزامن ذلك مع انعقاد مهرجان الشعر العربي التاسع في بغداد والذي كان الراحل نزار قباني من بين أبرز حضوره. لم يفارق نزار قباني أثناء حضوره ذلك المؤتمر شاذل طاقة يوما واحد، حسب ما يروي أحد الأصدقاء. كانت جلسات الشعر الخاصة تتواصل بعد انتهاء الجلسات الرسمية للمهرجان وحتى ساعات الصباح الباكر، حتى أن والدتي، كانت تشكو من أنها لا ترى شاذل طاقة في الدار خلال مهرجانات الشعر خاصة عندما يكون نزار موجودا فيها. وكان نزار قباني قد ألقى في ذلك المهرجان قصيدة رائعة من مائة بيت تغنى فيها بالعراق، جاء في مطلعها مرحبا يا عراق، جئت أغنيك..وبعضٌ من الغناء بكاء . ثم يشير في أحد أبيات القصيدة إلى حبيبته بلقيس فيقول أين وجهً في الأعظمية حلو…. لو رأته تغار منه السماء؟
كان من بين ما سمعته من والدتي رحمها الله عن الشاعر العربي الكبير قباني أنه سيكون من بين عدد من المدعوين في دارنا في ربيع العام نفسه. لم يُسمح لي بالجلوس مع المدعوين خلال تلك الأمسية بسبب صغر سني، لكنه سُمح لي ولشقيقتي الأكبر مني سنا أن ندخل لإلقاء التحية فقط على المدعوين ومن ثم مغادرة المكان. كان من بين المدعوين لتلك الأمسية في دارنا الشاعر نزار قباني والشاعر شفيق الكمالي، وزير الشباب حينئذ، وطبيب العيون الدكتور غازي جميل والدكتورة سانحة أمين زكي وابنتها، والأديب الدكتور علي كمال وآخرين لم أعد أتذكرهم. تزامنت تلك الأمسية مع إعلان خطوبة الشاعر نزار قباني على السيدة بلقيس الراوي. كما علمت فيما بعد، من والدتي وعدد من أصدقاء والدي، أن مجموعة من الأصدقاء المقربين من نزار قباني، وهم الشاعر شفيق الكمالي، والأديب الدكتور علي كمال، بالإضافة إلى والدي قد اجتمعوا في دارنا وتوجهوا منها إلى دار أسرة السيدة بلقيس الرواي لطلب يدها من والدها إلى نزار قباني. وقد تكللت تلك الزيارة بالنجاح بعد أن كانت أسرتها قد رفضت نزار قباني أكثر من مرة، رغم ما تردد عن وجود علاقة حب تجمعهما. وقد سمعت أيضا في دارنا أكثر من مرة حديثا عن توسط الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر بشكل شخصي لإقناع والد السيدة بلقيس الراوي بالقبول بالعريس.
تواصلت العلاقة بين نزار قباني وشاذل طاقة، بل تعززت بعد زواج قباني بالسيدة بلقيس، على الصعيدين الشخصي والعائلي. حول هذه العلاقة، تقول السيدة نبال الراوي، شقيقة بلقيس الراوي، المقيمة حاليا خارج العراق لقد ظل نزار قباني يردد اسم شاذل طاقة في بيتنا. ولم يفارق نزار صديقه شاذل طالما كان في بغداد.
وعندما تولى شاذل طاقة منصبه كوزير للخارجية العراقية في حزيران 1974، بعث نزار قباني إليه برسالة تهنئة مفعمة بالحب والمودة، وفيها يرجوه ألا يلهيه منصبه الجديد عن كتابة الشعر. كما تحدث بالرسالة عن أجواء بيته في بيروت بعد زواجه، ووصفها بأنها أصبحت عراقية العبق تفوح منها رائحة البامية والأطباق العراقية المميزة.
وفي السنة نفسها قامت والدتي بزيارة قصيرة الى بيروت، كانت السيدة بلقيس في انتظارها بالمطار إلى جانب الأديبة العراقية ديزي الامير. وبعد دقائق من انطلاقهم في سيارة بلقيس لاحظت والدتي أن بلقيس قد ربطت شعرها الطويل على شكل ظفيرة.. فقالت لها والدتي لما لا تفتحي ظفيرة شعركِ الطويل هذا يا بلقيس وتنثريه ليتسنى لنا رؤية جماله الذي طالما تغزل به نزار.
أمضت والدتي معظم فترة بقائها في بيروت خلال تلك الزيارة القصيرة بمعية الأديبة ديزي الأمير والسيدة بلقيس الراوي، ولم تمض غير شهور قليلة حتى توفي شاذل طاقة فجأةً في صباح اليوم التالي لوصوله إلى الرباط. بعث نزار قباني ببرقية تعزية إلى والدتي قال فيها كان حبيبكِ.. وكان حبيبنا.. وكان زين الرجال.
دواوينه
أصدر ديوانه الشعري الأول المساء الأخير عام 1950، ثم أصدر ديوانا شعريا مشتركا في العام 1956 تحت عنوان قصائد غير صالحة للنشر ضم قصائد لشعراء عراقيين هم عبد الحليم اللاوند وهاشم الطعان ويوسف الصائغ. وفي العام 1963 صدرت مجموعته الشعرية الثانية ثم مات الليل لتليها في العام 1969 مجموعته الشعرية الثالثة والأخيرة الأعور الدجال والغرباء. وكان يعد لمجموعته الرابعة سندباديات لكن المنية وافته. ترجمت قصائده إلى العديد من اللغات الأجنبية، وكتبت عن أشعاره دراسات وأبحاث عديدة. كما أصدرت وزارة الثقافة والإعلام العراقية في العام 1977 مجموعته الكاملة التي أعدها وقدّم لها الكاتب العراقي سعد البزاز.
من مؤلفات طاقة النثرية
تاريخ الأدب العباسي، عام 1953 وهو دراسة للشعر في العصر العباسي الأول. وقد اعتمد منهجا دراسيا في حينه.
في الإعلام والمعركة، عام1969 عن وزارة الإعلام العراقية.




