ثقافة وفن

بيت الحكمة … الأيقونة العباسية (2)

أعلام بيت الحكمة:

حض الخليفة المأمون الناس على قراءة الكتب وشجعهم على دراستها حيث كان القارئ في مكتبة بيت الحكمة يحظى بالمنزلة الرفيعة عند المأمون فيتسابق الناس على قراءة الكتب (ص68، العش) فكان طلاب العلم يستعيرون ما بها من من مؤلفات (ص205، الصوفي) الشيء الذي دعا المأمون نفسه إلى وضع نظام “العضويات” فيكون هناك مستخدمون مميزون عن غيرهم في هذه المكتبة وهذا سردا بأبرز هؤلاء الأعضاء:

بنو موسى: كان أحمد ومحمد والحسن أبناء موسى بن شاكر أعضاء في بيت الحكمة ببغداد، وكانو علماء رياضيات وترجموا مقالات علمية عن الإغريقية، وعلاوة على ذلك اخترعوا أجهزة ميكانيكية عجيبة تعد بشائر الروبوتات الحالية ومن أشهر مؤلفاتهم كتاب (الحيل ) حيث كان يسمى علم الميكانيك بعلم الحيل. (ص24، الحسني) (ص48، الحسني)

الخوارزمي (780 – 850 م) محمد بن موسى أبو علم الجبر (ص48، الحسني) كما ترجم الخوارزمي كتاب (السندهند الكبير) وهو عبارة عن لوائح فلكية ظلت مستعملة حتى عصره (ص66، العش) .

الكندي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الصباح (801 – 873م) مخترع علم فك الشيفرة ومؤلف النظرية الموسيقية(ص48، الحسني)

وحنين بن إسحاق العبادي (808 – 873 م) الطبيب المترجم والذي كان يتقن السريانية واليونانية (ص11، خيال) وابنه اسحاق بن حنين (ص48، الحسني).

الجاحظ الأديب العالم صاحب كتاب (الحيوان) (ص48، الحسني).

يحيى بن ماساويه طبيب وعالم صيدلة وترجم العديد من الكتب الطبية من الإغريقية (776 – 857 م) (ص369، الحسني)

البتاني المتوفي في 929 م والمعروف أيضا باسم (Albategnius) حيث ألف كتاب “الزيج الصاي” في الفلك

المسعودي أبو الحسن علي بن الحسين (871 – 957م) (ص370، الحسني).

أبو سهل الفضل بن نوبخت: كان فارسي الأصل، وكان يعمل في خزانة الحكمة أيام هارون الرشيد وكان ينقل الكتب من الفارسية إلى العربية (ص56، العش).

واختار الخليفة المأمون الكندي، وهو طبيب فيلسوف جغرافي كيميائي منطقي، ليكون واحدا ممن درسوا مؤلفات أرسطو وغيره من القدماء (ص47، الحسني).

ولكن كيف كان التصميم الداخلي للمكتبة؟

قسمت أركان المكتبة حسب الموضوع وبعد ذلك تقسم حسب اللغة مثلا: ركن الرياضيات وفيه قسم اللغة الليونانية وقسم للفارسية وهكذا… وكان فيها ركن للمجلدين، وركن للمترجمين وغرف خاصة للنساخ (ص122، خيال) كان يدير المكتبة خازن وهو المسؤول عن بقية العاملين (ص122، خيال) وكانت تحتوي على ثلاث حجرات الكبرى منها لحفظ المخطوطات وعرضها وللمطالعة والثانية لأعمال النسخ والتجليد بالإضافة إلى خزن الكتب والمواد المكتبية الأخرى، والثالثة تستعمل كمخازن للمكتبة (ص123، خيال)

ونذكر هنا سردا بأسماء أبرز من تم تعيينهم “صاحب المكتبة” وهو المدير التنفيذي بأمر الخليفة بأمور بيت الحكمة:

سهيل بن هارون

سعيد بن هاون المشهور بلقب ابن هريم

سليمان مولى الخليفة المأمون وصاحب بيت الحكمة

أحمد بن محمد

أما آخر من حمل لقب “صاحب بيت الحكمة” فكان الحسن بن مرار الضبي المسمى “الصنوبري” (ص69-71، العش)

وفي بيت الحكمة أيضا أقام الخليفة المأمون جناحا ملحقا بها وكان الجناح أشبه بفندق فيه مكان للإقامة وعلى الخليفة نفقة إقامتهم وطعامهم وخصوصا أولئك الذين كان يأتي بهم المأمون من شتى البلاد ويأمرهم بتأليف اكتاب ما فكانوا يحظون بالإقامة في ذلك الجناح (ص78، العش).

وكان في بيت الحكمة صالة كبيرة يقصدها المأمون كمجلس في كل جمعة يجتمع فيها أهل العلم وتحصل فيها المناظرات الأدبية والفكرية (ص80، العش)

وكان للمأمون علامة خاصة توضع على غلاف الكتاب، كما تفعل معظم الجامعات والمكتبات الكبرى في أيامنا هذه (ص64، المكتبات في الإسلام)

أدغال من الكتل الورقية:

لم تعرف بغداد في تاريخها أعدادا مشابهة لحجم الكتب التي كانت موجودة في مكتبة بيت الحكمة، إذ قيل أن المأمون قد استخدم مئة جمل لحمل الكتب والمخطوطات من خراسان إلى بغداد (ص47، الحسني).

واحتوت المكتبة فضلا عن الكتب المترجمة كتب الترجم والسير والتراث الإسلامي التي كانت غزيرة بشكل لا يوصف (ص205، الصوفي)

وأورد القلقشندي في كتابه “صبح الأعشى” وقال “وكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، ولا يقوم عليه نفاسة” (ص206، الصوفي)

من المكتبة إلى الأكاديمية:

اعتدنا أن تحتوي الأكاديميات على مكتبات عريقة، لكن الخليفة المأمون هنا قلب القاعدة، لقد حول المكتبة إلى أكاديمية كان لها الفضل على سائر العلوم، ولا نبالغ إن قلنا أن مكتبة بيت الحكمة وأكاديميتها كانت الوريث القوي والشجاع للحضارة اليونانية والفارسية والرومانية والهندية، وإن كنت تعتقد أني أقول ضربا من الهراء فهذا سرد بجزء من أفضال الأكاديمية على العلوم:

الفلك

بنى الخليفة مركزا فلكيا سمي “المرصد الفلكي” يشرف عليه عددا من الفلكيين المحترفيين من أمثال: يحيى بن أبي منصور و سند بني علي (ص48، الحسني).

وترجم في بيت الحكمة عددا من المخطوطات المتخصصة في الفلك فترجم في بيت الحكمة “الكتاب المعظم” أو “المجسطي” للعالم الإريقي الشهير بطليموس (ص282، الحسني).

وأمر الخليفة المأمون ببناء مرد في بيت الحكمة للبحث الفلكي مزودة أدوات كبيرة وبرامج عمل وهيئة علمية ضمت عددا من علماء الفلك (ص286، الحسني).

اللغات

وكانت العربية ليست اللغة الوحيدة التي تصف العلم في بيت الحكمة، فاشتملت المكتبة على كتب ومخطوطات بالفارسية والعبرية والإغريقية والسريانية والآرامية واللاينية والسنسكريتية وهذه الأخيرة هي التي كتبت بها مخطوطات الرياضيات والفلك الهندية القديمة (ص47، الحسني).

المترجمين

ومن أشهر المترجمين يوحنا بن البطريق كتب في الفلسفة أكثر مما كتب في الطب وترجم من اللاتينية “كتاب الحيونات” لأرسطو في تسعة عشر فصلا (ص47، الحسني).

وكان حنين بن إسحاق مترجما معروفا ترجم كتب الطب الإغريقي وخاصة مؤلفات أبقراط وجالينوس (ص47، الحسني).

ومن أبرز المترجمين في عهد المأمون هو يوحنا ابن ماسويه وكان نسطوريا من مدرسة جندسابور الشهيرة في إيران (ص88، خيال)

الرياضيات

وكان لبيت الحكمة فضل على الرياضيات فالخوازمي أحد أعضاء بيت الحكمة عالما في الرياضيات وكتابه الشهير “الجبر والمقالة” (ص64، الحسني)، كما خرجت بيت الحكمة من بني موسى علماء الرياضيات، وثابت بن قرة (ولد في 836 م) والذي اشتهر في اكتشاف نظرية إيجاد الأعداد المتحابة (Amicable Numbers) أو الأعداد الصحيحة القواسم للآخرى (ص65، الحسني)

الهندسة

وللمكتبة فضل على الهندسة من خلال ترجمة كتاب الأصول للعالم الإغريقي إقليدس، وكان لثابت بن قرة فضل كبير على البشرية إذ حفظ للبشرية كتاب (الأصول )عندما ترجمه للعربية وفي المقابل ضاعت النسخة الإغريقية (ص76، الحسني).

الكيمياء

وللمكتبة فضل على علم الكيمياء فكان من أبرز أعضائها الكندي الذي ألف في الكيمياء وترجم كثير من كتب الترجمة من الإغريقية إلى العربية (ص48، الحسني).

منهج خاص وفلسفة باسم الأكاديمية:

كحال أي أكاديمية فقد أنشئت بيت الحكمة على طراز المؤسسات العلمية القديمة فلقد اهتم مبدعو بيت الحكمة ورؤساؤه بتجميع المؤلفات القديمة وأمروا بترجمتها وتفسيرها وتلخيصها (ص87، العش)وليس ذلك فحسب فكان لكل مؤسسة أكاديمية فلسفتها الخاصة ومنهجها الخاص، الشيء الذي حدى بالعديد من المؤرخين وصفها بأنها من أهم المراكز التي أثرت على الحضارة الإسلامية والإسلام بشكل أساسي، ونذكر هنا أنها كانت مركز فكري خرج منه المعتزلة وأشهر فلاسفتها النظّام وأبو الحُصيل العلاف وبشر المريسي وثمامة الأشرس، ومنه أيضا خرجت الشعوبية وكان من أكبر منظريها: سعيد بن حريم ومحمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن أبي منصور (ص85 – 86، العش).

وكانت المكتبة منتدى للعلماء وقاعة للدارسين يحج إليها المفكرين من كل حدب وصوب(ص49، الحلوجي)وتوسعت المكتبة حتى أصبحت ملتقى الأدباء والمفكرين والمترجمين من شتى الأمم ومن مختلف الشعوب مسلمين وغير مسلمين (ص121، خيال) لتصبح بيتا شهيرا ومعروفا للحكمة والذي يعد نصرا لأول أكاديمية علمية فكرية نشأت في بغداد في القرن التاسع (ص45، الحسني).

ماذا قالوا عن بيت الحكمة:

“بلغت بغداد قبل ألف ومئتي سنة الذروة حيث كانت عاصمة العالم الإسلامي، ظلت تتفاخر بأنها جامعة العلماء والمفكرين والثقافة ولها شهرة اكتسبتها في ظل حكم الخلفاء العباسيين: الرشيد والمأمون والمتوكل ومن أتى بعدهم، بل وكانت من أكثر دول العالم ثراء والمدينة الأكبر حجما بعد القسطنطينية، حيث كان يقيم فيها أكثر من مليون نسمة.

واهتم الخلفاء العباسيون بالتنمية ويشهد التاريخ على تعاقب العديد من الخلافاء على ذلك فجلبو الكتب واستقطبوا العلماء من المسلمين وغير المسلمين، لينشئوا واحدة من أعظم الأكاديميات الفكرية في التاريخ سموها (بيت الحكمة)”.

البروفيسور سليم الحسني، من جامعة مانشيستير ومؤلف كتاب (ألف اختراع واختراع ) وهو مدير ومؤسس مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة (ص45، الحسني).

كتب برايان ويتيكير (Brian Whitaker) في صحيفة “الغارديان الإنجليزية” (The Guardian) الصادر في أيلول 2004

يقول :”إن بيت الحكمة كان مركزا لا يضاهى لدراسة العلوم الإنسانية، بما في ذلك الرياضيات والفلك والطب والكيمياء وعلم الحيوان والجرافيا، ودرست هذه العلوم اعتمادا على النصوص الهندية والفارسية واالإغريقية، في أعمال أرسطو وأفلاطون وأبقراط وإقليدس وفيثاغورس وغيرهم، وجمع العلماء أكبر كمية من الكتب في العالم ثم بنوا عليها بفضل اكتشافاتهم الخاصة بهم” (ص45، الحسني) .

“كانت بيت الحكمة مجمع علمي، ومرصد فلكي ومكتبة عامة، أنفق في إنشائها مائتي ألف دينار. وأقام فيه طائفة من المترجمين وأجرى عليهم الأرزاق من بيت المال”.

ولـ دورانت في كتابه الشهير (قصة الحضارة) (ص147، المكتبات في الحضارة).

بداية النهاية “الإهمال” :

توفي الخليفة الفيلسوف في عام 833م وفي عهده اكتمل نمو المكتبة ووصلت حد الذروة، ففي عهده انتشر العلم وعمً الرخاء، ودعم الأبحاث العلمية، ولكن كان لوفاته الوقع السيء على مكتبته، من سيعتني بالمكتبة من بعده! من سيعطي هذه المكتبة نفس الحق والجهد الذي كان يوليه لها، لقد آمنت الناس بالخليفة الجديد المعتصم، ولكنه فاجأ الناس بقرار عدًه جميع المؤرخين أول مسمار في نعش المكتبة، أمر الخليفة الجديد بنقل مركز الخلافة من بغداد إلى المدينة الجديدة التي أمر ببنائها وهي مدينة سامراء لتضعف صفة المكتبة المجمعية والمركزية، وإذا ما توقفت الدول عن دعم المكتبات والعلم فإن سقوط المكتبة نتيجة محتومة (ص88، العش).

ولكن هذا لم يحصل بسرعة فما كان لمدرسة المأمون وما أسسه أن يسقط بسرعة، لقد كانت الدعائم التي أرساها المأمون قوية جدا بحيث لا يمكن أن تُنتزع المكتبة من جذورها حتى لو أراد الخليفة نفسه هذا، لقد ترك وراءه علماء ومدرسين وعهد إليهم بحفظ المكتبة، وكأنه كان يشعر بأن هذه الوليدة ستكون وحيدة بعد موتها، فترك لها أسرة من العلماء والمفكرين يحملون الشعلة من بعده ويحمون هذه المكتبة، وبقيت تقدم خدماتها ولو بصفة أقل مما كانت عليه في عهد المأمون، ومع التقدم بالوقت بدأت الفتن تعم وتنتشر وبدأ الناس تهتم بالسياسة وتدع العلم والبحث، وبدأت تهمل المكتبة شيء فشيئا.

وفي عام 1258م جاء الدور على دار الحكمة كي تموت هي الأخرى وتلحق بمؤسسها مع مئة ألف من الأبرياء البغداديين إبان اقتحام المغول لبغداد، حيث جاء الأمور من هولاكو بإتلاف المكتبة ورمي كتبها في نهري دجلة والفرات حتى غدا لونهما أسود من الحبر(ص88، العش).

المصادر والمراجع

ألف اختراع واختراع = 1001 Invention / سليم الحسني .- ط2: طبعة عربية (ط1: اللغة الإنجليزية، 2006).- لندن: مؤسس العلوم والتكنولوجيا، مانشستير: جامعة مانشستر، 2006.- أبو ظبي: أبو ظبي للإعلام ، 2011

لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات / عبد اللطيف الصوفي .- دار طلاس للطباعة والترجمة: الجزائر، 1987

من تاريخ الكتب والمكتبات في البلدان العربية / خيال الجواهري .- وزارة الثقافة في لجمهورية العربية السورية: دمشق، 1992

لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات / عبد الستار الحلوجي .- دار الثقافة للنشر والتوزيع: القاهرة، 1991

دُور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط/ يوسف العش، ترجمة نزار أباظة ومحمد صباغ .- دار الفكر المعاصر: بيروت، دار الفكر: دمشق، 1991

البداية والنهاية/ إبن كثير، تحقيق: عبد الله التركي.-الرياض: دار عالم الكتاب، 2002 (مج11)

الفهرست/ أبو الفرج محمد بن اسحاق ابن النديم، تحقيق:غوستاف فلوجل.- بيروت: مكتبة خياط، [د.ت]

تاريخ بلاد الشام: دراسة اجتماعية اقتصادية فكرية وعسكرية / أحمد علي اسماعيل علي .- مركز الشام للخدمات الطباعية: دمشق، 1998

المكتبات في الحضارة العربية الإسلامية / ربحي مصطفى العليان .- عمان: دار الصفاء، 1999

المكتبات في الإسلام / محمد ماهر حمادة .- بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981

مراجع أجنبية

The Golden Age of Islam Maurice Lombard.- New York: Markus Wiener Publishers 2003

Sea of Faith: Islam and Christianity in the Medieval Mediterranean World Stephen O’Shea.- London: Bloomsbury 2006

A History of Medieval Islam John J. Saunders.- London: Routledge 1978

When Baghdad Ruled the Muslim World: The Rise and Fall of Islam’s Greatest Dynasty Hugh Kennedy.- Massachusetts: Da Capo Press 2006

The House Of Wisdom: How The Arabs Transformed Western Civilization Jonathan Lyons.- London: Bloomsbury 2008

(٭ عن الباحثون السوريون)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق