ثقافة وفن

الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو

(“الشرقيات – “Les Orientales “لفكتور هوجو “1802- 1885”)

1421هـ = 2001م

معجب بن سعيد الزهراني

من هذا المنظور لم يعد من المستبعد أن تتخذ تمثيلات المدن الشرقية الواقعية في مجملها بعدها الدلالي الأشمل في سياق علاقات تقابلها مع “المدن الغربية” التي تمثلها المدن الفرنسية في هذا السياق. فالشاعر لا يتحدث عن باريس مثلاً، وفي هذا الديوان تحديدًا، إلا وهي تبدو إطارًا كئيبًا لحياة كئيبة يحاول الخلاص منها بالترحل المتخيل عبر تلك المدن الشرقية التي تبدو له أكثر جمالاً وبهجة وفتنةً حتى في أكثر السياقات تراجيدية (35) أما فضاء الإقامة والحياة والكتابة الأمثل عنده فهو المدينة الأسبانية، وبالأخص غرناطة مدينة الجمال المطلق، وهو جمال شرقي في جوهره كما لاحظنا. إننا أمام رؤية لا يمكن تفهمها بعمق ودقة إلا حينما نقرأ نصوص هذا الشاعر الشاب في ضوء التحولات الجمالية والفكرية التي بدأ الرومانسيون يتجهون إليها ويبشرون بها خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر. ففي تلك الفترة بدأ المبدعون الشباب في مختلف المجالات يعلون من شأن الترحل بين مدن الشرق واقعيًا أو خياليًا لأنها بأجوائها المشمسة وآثارها العريقة وعلاقاتها الحميمة البسيطة وتلويناتها الغنية كانت تمثل النقيض الواقعي والرمزي للمدن الأوروبية المعتمة التي اخترقتها قيم المنفعة والتقينات الإنتاجية الحديثة التي زادت من كآباتها وصرامة علاقاتها وقساوة الحياة فيها. وفي كل الأحوال فإن تمثيلات هذه الفضاءات العمرانية لا يمكن أن تنفصل عن تمثيلات البشر الذين يسكنونها وبناء عليه لابد أن تكتسب دلالاتها أبعادًا جديدة من هذا المنظور كما سنحلله بإيجاز في الفقرة التالية.

الرجال الشرقيون: الآخر العدو/ الآخر القرين:

تنتظم تمثيلات الرجال الشرقيين في مجملها وفق منطق عام يكشف عن نسقية الرؤية والوعي لدى الشاعر بهذا الصدد. ففي كل مرة يتعلق الأمر بشخصية تمثل سلطة سياسية أو دينية تنزع النصوص إلى إبراز الدلالات السلبية للشخصيات “الرسمية”، بينما تُصوّر النماذج الأخرى بقدر كبير من الإعجاب الذي قد يصل حد التماهي مع هذه الشخصية الشعبية أو تلك. وضمن المنطق نفسه سنلاحظ أن التوجه السلبي للدلالات يبلغ ذروته عند الحديث عن “الآخر التركي” الممثل الواقعي أو الرمزي للسلطة العثمانية، بينما تبلغ التوجهات الدلالية الإيجابية ذروتها عندما يتعلق الأمر بـ”الآخر العربي” الذي يبدو أحيانًا كما لو كان القرين الداخلي للذات الشاعرة أو نموذجها الإنساني الأمثل!.

من هذا المنظور العام سنركز على تمثيلات شخوص مركزية مثل السلطان العثماني والقائد العسكري ورجل الدين “المفتي”، ثم ننتقل إلى شخوص شعبية بعيدة عن السلطة أو مضادة لها مثل شخصية الدرويش وشاعر الخليفة والفارس العربي الذي يحضر في أحد أهم نصوص “الشرقيات” كما سنبينه لاحقًا.

فالسلطان، رأس الإمبراطورية العثمانية ورمزها، وهو لا يسمى أو يظهر مباشرة في أي من هذه النصوص، لكن شخصيته تتجلّى من خلال قصور السراي الفخمة المترعة بالحراس والخدم والجواري والحريم، ومن خلال قوة سلطته وسطوته العنيفة إلى حد التوحش أحيانًا. هذا ما نستنبطه من قصيدة “رؤوس السراي” التي كبتها الشاعر إثر سقوط إحدى المدن البلقانية في أيدي الأتراك عام 1826م، حيث يمعن في تصوير حياة الترف في قصر السلطان السعيد بالنعم المحيطة به، ولكن أيضًا بتلك الرؤوس المقطوعة التي تشكل جزءًا من المشهد الاحتفالي البهيج للسلطان كما أشرنا إليه من قبل. فالجيش الذي هزم العدو أرسل رؤوس ثلاثة من زعماء التمرد إلى السلطان كيما يتم تقديم صورته في القصيدة وهو يحتفل بالنصر بهذه الطريقة البهيجة من جهة والمتوحشة من جهة أخرى، وبهذا يتعزز موقف النفور منه والعداء له لدى الشاعر ولدى القارئ المفترض لنصه الشعري! (36)

وحينما تتقدم القراءة نكتشف بعدًا آخر للعبة التمثيل المأساوية هذه إذ أن تلك الرؤوس لا تلبث أن تنطق بآلامها مستثيرة الحماس العام في إخوتها “الأوربيين المسيحيين” علهم يخوضون الحرب ضد السلطان الطاغية وإمبراطورية الشر والفساد التي تهدد الغرب وليس فقط هؤلاء الثوار الأحرار. هنا تحديدًا يقترب هوجو من موقف معاصره البارز الشاعر بايرون الذي خاض تلك الحرب ومات فيها، لكن ما يميز هوجو أنه لا يتكلم هنا بلسان الشاعر الرومانسي أو بلسان المثقف الغربي الليبرالي، وإنما بلسان زعماء الحروب الصليبية الذين لا يقلون تعصبًا وعنفًا من خصومهم وإن لم يدركوا ذلك. فالشاعر يستحضر خطاب تلك الحروب المقدسة إذ يضع “عيسى” مقابل “عمر” و”الصليب” مقابل “السيف” و”ثوب المجد” مقابل “العمامة” ويستنفر “البحار” و”الراهب” و”الجندي” للتوجه إلى ساحة المعركة التي ينتظرها “أولمب الأبطال” و”سماء الثالوث المقدس” كما يقول في نهاية النص! (37)

إننا هنا أمام خطاب شعري انفعالي فيه من المباشرة والسطحية بقدر ما فيه من العنف والروح العدائية، وبالتالي فلا غرابة أن يبدو السلطان العثماني وكأنه النموذج الراهن لعدو شرقي مطلق يمثل قادة الإمبراطورية الفارسية وخلفاء الدول الإسلامية، وأخيرًا سلطان الإمبراطورية العثمانية أبرز رموزه التاريخيين أو الدينيين!

هذه الرؤية العدائية التحريضية تتكرر و”تتأكد” في قصيدة بعنوان “نافارين” تتحدث عن معركة وقعت في هذه المدينة وكان النصر فيها للثوار اليونانيين وحلفائهم الغربيين، ولذا فإن مشاعر الكره تختلط هنا، ضرورة، بمشاعر الفرح بالنصر على العدو الذي تجسده هذه المرة شخصية القائد إبراهيم باشا. فهذا القائد خاض المعركة باسم السلطان ولابد أن فيه من سيده الكثير من الخصال السلبية لأن الأمر يتعلق بشخصيات نمطية جامدة يسقط عليها الشاعر ما يريد من الآراء والأحكام المسبقة من المنظور العدائي التحقيري ذاته. هكذا يقدمه للقارئ المفترض شخصًا متعصبًا عنيدًا وعنيفًا إلى حد التوحش مثله مثل “الصقر الجارح” و”الذئب الجائع” وهو صورة مبتذلة من “تيمورلنك” وجلاد “لا يطفئ النيران إلا بالدماء” إلى غير ذلك من التعبيرات الانفعالية المشحونة بدلالات الكره والاحتقار والتشفي (38)

من هذا المنظور يصبح الانتصار على قائد كهذا في ساحة المعركة انتصارًا على منظومة كاملة من القيم السلبية التي تتجسد فيه وفي سيده السلطان العثماني لكنها تعم وتشمل غيرهما كما لاحظنا من قبل. إن إبراهيم باشا يخوض الحرب باسم “إفريقيا وآسيا البربريتين ضد “أثينا المتحضرة”. هذا ما يعبّر عنه الشاعر بصيغة أخرى تدل على إن منطق التعميم في مثل هذا المقام الانفعالي يدفع الشاعر إلى اعتبار الصراع بين دولتين أو بين جيشين مجابهة بين “الحضارة” و”البربرية”، وما عناصره وأبعاده الدينية أو الوطنية سوى تلوينات يراد بها تبرير ذلك الموقف العدائي من جهة وبث المزيد من الحماس لتحقيق المزيد من الانتصارات على ذلك “العدو المطلق” من جهة ثانية.

ففي مطلع النص يستعير الشاعر “الرومانسي” جملة من قصيدة لاسخيلوس يتأسى فيها الشاعر الإغريقي على هزيمة أسطول أثينا على يد الفرس، وفي المقطع الأول يلح الشاعر على أن “أوروبا” اتجهت كلها إلى “الشرق” للمشاركة في الحرب ثم ندرك أن الشاعر يتحدث بلسان “كاناريس” الذي قتل في معركة سابقة ومثّل به كما رأينا في قصيدة “رؤوس السراي”, وبالتالي فإن النصر الراهن هو أخذ بثأرات تاريخية تمتد من الماضي البعيد إلى المستقبل حيث يحرض الشاعر على تحرير كامل بلاد البلقان وليس اليونان فحسب.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق