
متعة الاستكشاف
د. علي عفيفي
هل تستمتع بزيارة الأماكن الجديدة؟ هل تشعر بالسعادة عند رؤية أشياء غير مألوفة؟ إذا كانت اجابتك بنعم فبالتأكيد أنت لست وحدك، معظمنا نستمتع بزيارة الأماكن الجديدة، وربما كان هذا هو ما يدفعنا للسفر إلى بلاد لم نزرها من قبل. ولكن، ما التفسير العلمي لذلك؟
درس العلماء العديد من حيوانات التجارب في كل من البيئات المعملية المعتادة والجديدة، فوجدوا أن نقل الحيوان الي بيئة جديدة، كقفص جديد غير معتاد، يؤدي إلى نشاط في الأعصاب التي تستخدم الناقل العصبي Dopamine مما يؤدي إلى احساس الحيوان بالمكافأة1. وجد العلماء أيضاً أن فئران التجارب تفضل الأماكن (الأقفاص) التي يوجد بها تفاصيل جديدة عن الأماكن المعتادة، وأن استخدام تلك التفاصيل الجديدة كان له تأثير على اختيارات الفئران مشابه لاستخدام أحد المواد المخدرة (الكوكايين)2. في دراسة أخرى نشرت عام 2013 في مجلة Science، قام العلماء بحساب معدل التجول اليومي لمجموعة من فئران التجارب فوجدوا أن زيادة حركة الفئران واستكشافها لبيئتها في مراحل مبكرة من حياتها كان له تأثيرات إيجابية على تكوين الأعصاب في مخ هذه الفئران وعلى سلوكها بعد ذلك3. ماذا عن الإنسان إذن؟ كيف تؤثر البيئات والأماكن الجديدة على الإنسان من الناحية النفسية والفسيولوجية؟
للإجابة على هذا السؤال، قام العلماء بتتبع حركة 132 متطوعاً في مدينتي نيويورك وميامي لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر. خلال تلك الفترة، قام المتطوعون بتقييم حالتهم المزاجية ودرجة نزوعهم إلى المشاعر الإيجابية والسلبية من خلال استبيان يرسل إليهم باستمرار عبر هواتفهم المحمولة. وجد العلماء أن المتطوعين يكونون أكثر ميلاً للمشاعر الإيجابية في الأيام التي يزورون فيها أماكن كثيرة عن الأيام التي يقضونها في مكان واحد. إضافة إلى ذلك، كان الميل للمشاعر الإيجابية مرتبطاً أكثر بزيارة الأماكن الجديدة4. ما تفسير ذلك إذن من الناحية الفسيولوجية؟ هل لزيارة الأماكن الجديدة تأثيرات إيجابية على مخ الإنسان؟
قام العلماء بتصوير مخ المتطوعين بالرنين المغناطيسي فوجدوا أن الأشخاص الذين زاروا أماكن جديدة وعبروا عن احساسهم بالمشاعر الإيجابية يحدث في مخهم اتصالاً وظيفياً قوياً بين منطقتين محددتين. المنطقة الأولى هي ال Hippocampus وهي المنطقة المسئولة عن استكشاف الأشياء الجديدة، والثانية هي ال Striatum وهي المنطقة المسئولة عن الإحساس بالمكافأة. تفسير ذلك هو أن زيارة الأماكن الجديدة يسبب نشاطاً في ال Hippocampus وهذا النشاط ينتقل إلى منطقة ال Striatum ويؤدي إلى إطلاق الدوبامين فيها وبالتالي إحساس الشخص بالمشاعر الإيجابية. هذا الاكتشاف يفسر ما وجده العلماء في بحث سابق بأن الأشخاص الذين يميلون إلى زيارة الأماكن الجديدة يتميزون بقوة الأعصاب التي تربط بين ال Hippocampus وال striatum في مخهم5. ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أن إحساسك بالسعادة عند زيارة مكان جديد يحدث نتيجة نشاط كهربائي وكيميائي في مخك، وأن هذا النشاط يختلف من شخص إلى آخر مما يفسر عزوف البعض عن زيارة الأماكن الجديدة. في كل الأحوال، لا تلق بالاً لتعقيدات العلماء، سافر واستكشف كل جديد، إن كان هذا يسبب لك السعادة.
مصادر
• Lisman, J. E. & Grace, A. A. The hippocampal–VTA loop: controlling the entry of information into long-term memory. Neuron 46, 703–713 (2005).
• Bevins, R. A. & Bardo, M. T. Conditioned increase in place preference by access to novel objects: antagonism by MK-801. Behavioral Brain Research. 99, 53–60 (1999).
• Freund, J. et al. Emergence of individuality in genetically identical mice. Science 340, 756–759 (2013).
• Heller, A.S., Shi, T.C., Ezie, C.E.C. et al. Association between real-world experiential diversity and positive affect relates to hippocampal–striatal functional connectivity. Nature Neuroscience (2020). doi.org/10.1038/s41593-020-0636-4
• Cohen, M. X., Schoene-Bake, J.-C., Elger, C. E. & Weber, B. Connectivity-based segregation of the human striatum predicts personality characteristics. Nature Neuroscience. 12, 32–34 (2009).




