بدويات

حمدوك … يفتح الأبواب على مصراعيها لمستقبل مشرق

السودان وألمانيا … صداقة تاريخيّة

مؤتمر برلين يدعم “سلّة العالم للغذاء”

د. محمد بدوي مصطفى

خلاصة المؤتمر في عجالة:

الكثير من الناس ينتقدون مقدار الأموال التي وفرتها الدول الصديقة التي اجتمعت جلّها، دون أن يتخلف مدعو واحد من بينها، لمد يد العون لبلد مهضوم الحقوق، منهك القوى، مسلوب العفّة، مكلوم النفس، صائم، هائم، مغيّب، نُهبَت وسلبَت ثرواته وهو يا سادتي كما عرف العالم وكما أحبّ دائما أن يكون: “سلة العالم للغذاء”، ذبحوه في وضح النهار وسُرقت ثرواته وأمجاده “عينك يا تاجر” وحتى دون أن يكون ليل صغاره قد سجى.

على مدى ثلاثة عقود غدا الوزراء والسياسيين من الإخوان يمتهنون “لعبة” الشحذة لابسين زيّهم الرسميّ: دقون التملق والملق والزيف، ذاكرين الله في فقط العلن وأمام الجماهير، وأنهم لا لدنيا قد عملوا، نعم، يزعمون أنهم للآخرة عملوا، وآخرتهم كالحة يا سادتي كما صحائفهم التي حملوها بيسراهم حتى في دنياهم. إخوان الإنقاذ، هم أولئك الذين إذ لقوا الشعب قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطين الإنقاذ، قالوا إنّا معكم إنما نحن مستهزؤون، يحملون قففهم وشنطهم شاحذين المال والأموال من كل من هبّ ودبّ. يقابلهم الأطفال من أبناء الملوك دون الملوك، يجالسهم المهمشين دون أهل النهي والأمر، وبعد كل ذلك ماذا فعلوا؟ رفعوا اسم السودان في كل البلاد بالرذيلة والكذب وحاموا بسمعة أمتّه المغلوب على أمرها في كل أرجاء الدنيا عاكسين لغيرهم من الأمم أنها، وكيف لا وهم أهل الرأي فيها، سازجة، كسولة، غير قادرة على إصلاح حالها بنفسها، وفوق كل هذا متصافقين مبددين الأموال التي شحذوها أو أغلب الظن نهبوها من خزينة الدولة ومن سنام جَمله المورود لدعم الإرهاب والقتل والحرب في كل أرجاء الدنيا. عاسوا في أرضه فسادا وقاموا باختراع المقاصل والمجازر والزرائب لحيواناتهم من البشر كما ابتدعوا المشاريع الواهية، حتى تلك التي كانت قد تُغنى السودان من الشحذة والتسوّل باعوها غير نادمين أو آسفين على ما فعلوه، فضلا عن النهب الممنهج على أيدي عصابات قبائلهم التي كانت تتكاثر كالفطريات الآسنة في كل لمحة ونفس. 

ولإن شكرتم لأزيدنّكم:

أرسل لي صديق من السودان رسالة على عجالة، ممتعضا وأيما امتعاض من مؤتمر برلين يقول فيها: والله القروش دي كلها فادني واحد من الفادنيين في السودان بدفعها.” ثم معقباً: “مبالغ صراحة ضعيفة جدًا ومحبطة للغاية.” أجبته: ولإن شكرتم …! ومن ثمّة مسترسلا: لا يوجد أحد مجبور على السودان، مبالغ في حدود المليار وتقول قليلة، أين هم ناس الفادني هؤلاء، قعدوا على أموالهم ولم يبسطوا أيديهم؟

لذلك المبالغ المعطاة قد وصلت قرابة الخمسة مليارات وبغض النظر يا سادتي عن كيفيّة قراءة حجمها أو كمّها، فهي دون أدنى شكّ جيّدة كانطلاقة أولى من قبل دول صديقة تشد من أزرنا في محنة مثل هذه. نعم، يردد البعض إن الدول الأوروبيّة قد منحت اليونان من قبل ما يقارب الثلاثمائة مليار لدعم اقتصادها الواهن! حينئذ أقول: في هذا السياق يتعلق الأمر بتوازن اليورو ودعم صلابته أمام الدولار والعملة الصينيّة. فضلا عن أن اليونان قد وقعت اتفاقيّة شراكة ملزمة للدول الأوروبيّة الأخرى بدعمها وربما يأتي يوم من الأيام قد تكون هي في فوهة المدفع وعليها ساعتئذ أن تسعف بلادا أخرى. فالأمر ليس هذه السهولة يا سادتي.

وقف العالم إجلالا واعتزازا بأمجاد الثورة:

لقد تمخض نجاح هذا المؤتمر التاريخيّ في الدعم المعنويّ أولا والمالي ثانيا وفي رد الاعتبار لدولة السودان في المحافل العالميّة وهذا حقيقة يا سادتي هو أكبر مكسب فقدناه طيلة أربعة عقود مضت أو أكثر.

والأهم من كل ذلك أن الدول المانحة وقفت في وجه السودان وقفة صديق وفيّ وأخ أكبر له دراية بأمور الثورات وتحقيق أهدافها وفوق كل هذا كنت أرى في أعينهم أنهم واثقون كل الثّقة أن هذا البلد المعطاء قادر على تجاوز كل الصعاب وأنه يوما ما سيعود إلى مكانه المرموق كعملاق أفريقيا المهيب وسلّة لغذاء العالم – كما صرح بعضهم بذلك. لذلك لم يأت الحماس والاعجاب عبر نظرة استعلائية، متأففة ودونية يشوبها شيء من شفقة أو أسف، أعنى نظرة بغيضة من الأعلى إلى الأسفل كما عهدناها في زمن الإنقاذ الله لا أرجعه، لكنهم نظروا إلى أعضاء الحكومة الجديدة وإلى شعبه الذي يقف من خلفها بقدر كبير من الإعجاب والاعتزاز والفخر، فكانت أعينهم تقول: هذا الشعب جدير بالأفضل، هذا الشعب الذي علّم العالم معنى السلميّة والصمود وجعل من الكلمتين المتضادتين (ثورة وسلميّة) فلسفة واحدة، لم يشهد لها العالم من مثيل، قادر على عمل المستحيلات. ذكروا كل التضحيات التي قدمها الشعب الوفيّ كقرابين من أجل الحرية والسلام والعدالة. حقيقة وقوفوا وقفة إجلال واعتزاز لثورة ديسمبر المجيدة التي قادتها كنداكات النيل وشعلاته الملتهبة بالوفاء والصمود والإباء. 

كلمة وزير الخارجيّة الألماني في زيارته الأولى للسودان:

(ترجمة د. محمد بدوي مصطفى)

يقول هايكو ماس، وزير الخارجيّة الألماني في كلمته الأولى عندما زار السودان في مطلع هذا العام: كُنتُ في أوّل الشّهر في زيارة للخرطوم وكان ليّ الشرف أن أكون هناك في معيّة مجتمع مدنيّ في غاية الحيويّة والوعي سيما فيما يتعلق بتخطيط المستقبل. ورغم الصعاب والعقبات التي لا تزال قائمة والتي تواجه هذا المجتمع فقد كانت الأجواء تتسم بروح التفاؤل والثقة. إن ثقة أهل السودان في مستقبل أفضل كبيرة بعد أن استطاعت عزيمتهم والسلميّة اسقاط نظام دكتاتوريّ وحشيّ. أوّد أن أوجّه كلمتي هذه لكل أولئك النساء الباسلات والرّجال من أهل الشّهامة وأقول لهم: أن الشعب الألمانيّ الذي سيحتفل الأسبوع القادم بالعيد الثلاثين لثورته السلمية المجيدة (والتي أسقطت حائط برلين) يرفع القبعات لكم أعجابا ولثورتكم السلمية المماثلة.

فنحن حقا سعداء لكم، وباستقبالنا في هذا المنبر لكم يا معالي رئيس الوزراء السيد حمدوك كممثل لسودان جديد. أشكركم جزيل الشكر لأنكم استطعتم أن تضعوا الأولويات الرئيسة لحكومتكم الجديدة. أن جمهورية ألمانيا الاتحاديّة على أهب الاستعداد لمساعدة شعب وحكومة السودان. سنمد لكم أيدينا بالدعم التقنيّ وبالمعرفة العلميّة في مجال الاقتصاد حتى تحققوا الإصلاحات المرجوّة. كما وسنمد لكم يد العون في مجال الإصلاحات الدستوريّة وفي سياق ارساء دولة القانون فضلا عن قضايا الوساطة من أجل تحقيق السلام المستدام.

ونحن الآن بصدد مراجعة إمكانيات ارجاع العلاقات الثنائية المشتركة في مجال التنمية والتطور، وكلنا يعلم أن عملية الإصلاح لن تكون أبدا سهلة، بيد أن تحقيقها سيكون حتما ممكنا بمساعدة الأصدقاء على الصعيد الدوليّ وبدعم الإخوة على الصعيد الإقليميّ.

سيداتي وسادتي،

ينبغي أيضا أن تنعم دارفور بالسلام ويجب أن ترفرف حمائمه فوق سمائها. ففي غضون الأسابيع القادمة سوف يتم الفصل، في إطار هيئة الأمم المتحدة، في قضية اليوناميد. فهذه البعثة لعبت دورا فاعلا في تحقيق الاستقرار والأمن في دارفور. لكن لابد لنا أن نقول وبكل وضوح، أن الوضع معقد أكثر مما نتصور لأن أسباب النزاع لا زالت قابعة على أرض الواقع. إنه وفي حالة انسحاب المجتمع الدولي من المنطقة فسوف يدعو ذلك إلى رجوع النزاعات واستشراء العنف في المنطقة من جديد. لذلك فنحن نساند، سوياً مع المسؤولين البريطانيين، قضية خلق بعثة تالية، قوية وهامة لليوناميد.

سيادة معالي رئيس الوزراء،

إن تطور السودان في هذه الأوقات الحرجة التي يعيشها العالم باسره يعتبر بالنسبة لنا بصيص أمل لمستقبل أفضل. نقول لكم يمكنكم أن تعتمدوا على الدعم المتكامل من الحكومة الألمانية حتى تثبت روح التفاؤل وتجدد الثقة في قلوب أبناء السودان بمستقبل أفضل. لكم مني جزيل الشكر …. هايكو ماس (وزير الخارجية الألماني)

مقتطفات من مؤتمر شركاء السودان (برلين ٢٥ يونيو ٢٠٢٠)

من المفرح حقًّا أن يجد السودان في هذه الفترة الحرجة يا سادتي من الأصدقاء الأوفياء الذين يقفوا بجانبه ويشدوا من عضده. كم سعدت بحديث وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس عندما صرّح: لقد كان شعار ثورة ديسمبر (تسقط بس) وهو إحدى الشعارات التي رددها الثوار المتظاهرون في شوارع الخرطوم للإطاحة بالنظام القديم. لكن بعد هذا التغيير السلميّ يجب أن تكون رسالتنا لهم هي (تضحياتكم لن تذهب سدا، السودان الجديد باق ولن ندعه يسقط، إن هذه النتيجة تستلهم المفخرة ولا يمكن الوقوف عند هذا الحد.

من جهة أخرى دعا الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي الجيش للوقوف بجانب الشعب في الفترة الانتقاليّة وحماية الثورة. وصرحت واشنطن من جهتها أنها ستواصل دعم السودان بتسوية المطالبات بشأن أنشطة إرهابية سابقة وأنها ستساعد جاهدة في انتقال الفترة الانتقاليّة نحو الأمن والسلام. وصرحت العديد من الدول الأخرى المشاركة بضرورة رفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب كانت من بينها الشقيقتان أثيوبيا وفرنسا. وفي نهاية المطاف شارف مبلغ الدعم من الحكومات المختلفة من بينها: اليابان، فرنسا، إسبانيا، بلجيكا، كندا، الإمارات العربيّة المتحدة، المملكة العربية السعودية ما يقارب الخمسة مليارات دولار أمريكي.

كلمة رئيس الوزراء عبد الله حمدك

أعجز عن التعبير عن مدى امتناننا واعتزازنا البالغ بمستوى المشاركة في مؤتمر شركاء السودان، فهو بالفعل مؤتمر غير مسبوق. هذه مناسبة نادرة للغاية أن نرى رؤساء كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية وكبار الوزراء في نفس المكان. كما أود أتقدم بالشكر لمعالي الدكتور أبيى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا الذي شكل حضورا في المؤتمر.

لم يسبق لي أن رأيت مؤتمراً تتم الدعوة فيه ل (40) دولة ومؤسسة ويكون الحضور كاملاً، مما يؤكد لنا المستوى العالي من الدعم من شركائنا وأصدقائنا والذي سيأتي بثماره الجيدة للشعب السوداني.

شكرًا جزيلاً لكم جميعا على حضوركم للعمل معنا ومشاهدة إنشاء هذه الشراكة التي نود حقًا أن تكون شراكة متبادلة ومتكافئة تلبي طموحات شعبنا الكريم وتضع أساسًا متينًا لشراكة مستقبلية ومستمرة مع شركائنا في المجتمع الدولي نفخر بان نقدمها لشعبنا. عقد هذا المؤتمر في ظل الظروف العالمية الحالية وفي ظل جائحة كورونا كان تحديا كبيرا، لكننا سعداء بأن العالم جاء للعمل معنا بالرغم من ذلك، وهذا أمر غير مسبوق حقًا.

نحن نعلم أن هناك الكثير من العمل الذي يتوجب علينا القيام به ولكن مع هذا النوع من الدعم من شركائنا سنوفر كثيراً من العناء، وسنكون سعداء لدفع عملية التنمية إلى الأمام.

أود أن أشكر جميع من شاركوا في استضافة المؤتمر (ألمانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) وأود أن أشكر مضيفتنا زينب بدوي على إدارة الحوار حول العالم بمهارة فائقة في هذا المؤتمر، فقد كانت عملية صعبة ولكنها مرت دون وجود عوائق، شكرًا جزيلاً نحنُ فخورين جداً.

خلاصة القول:

لا يسعني في هذه العجالة إلا أن نشكر دولة ألمانيا المتمثلة في قيادتها الوفيّة تجاه شعب السودان وتجاه ثورته المجيدة فقد أثبتوا لنا أن الصديق يجده المرء منّا في وقت الضيق. دقت ساعة الوفاء وكانت دولة ألمانيا الأولى في زيارة السودان متمثلة في وزير خارجيتها والوفد العالي المرافق له وفي رئيسها فرانس فالتر شتاين ماير والوفد العالي الذي صاحبه. شكرًا ألمانيا – شكرًا حمدك!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق