سياسة

فصل الدين عن السياسة يسمى علمانية

فبماذا يسمي فصل الدين عن الاخلاق؟

(الخرطوم – السودان)

انفصام الشخصية المجتمعية، حالة يعيشها معظم السودانيين

في عام 1664، كتب الكاتب الفرنسي الكبير” موليير ” مسرحية اسمها “تارتوف،” رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى “تارتوف،” يسعى إلى إشباع شهواته الإنسانية الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى..

وقد ثارت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك بشدة ضد “موليير” ومنعت المسرحية من العرض خمسة أعوام كاملة..

وبرغم المنع، فقد تحولت مسرحية “تارتوف” إلى واحدة من كلاسيكيات المسرح، حتى صارت كلمة “تارتوف” فى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، تستعمل للإشارة إلى رجل الدين المنافق. الفاسد

والسؤال هنا: هل تحول ملايين السودانيين إلى نماذج من تارتوف؟

أعتقد أن المشكلة فى السودان أعمق من ذلك.. فالسودانيين متدينون فعلا عن إيمان صادق.. لكن كثيرا منهم يمارسون انحرافات بغير أن يؤلمهم ضميرهم الديني. …. لا يجب التعميم بالطبع، ففي السودان متدينون كثيرون يراقبون ضمائرهم في كل ما يفعلونه.

ولكن بالمقابل، فإن:

الموظفون الذين يزورون الميزانيات والفواتير والتقارير المالية وهم يصومون ويصلون. مئات الشبان الذين يتحرشون بالفتيات في الشوارع صباح يوم العيد، وهم قد صاموا وصلوا في رمضان. مدراء المؤسسات الذين يتحرشون بالموظفات ويساومونهم وهم يحجون كل عام. بعض لجان الاحياء الذين يستغلون موقعهم للحصول على منافع شخصية

ضباط الشرطة الذين يتعاملون بتعالي مع المواطنين.  الموظفون والمسئولون الذين يستغلون نفوذهم وسلطاتهم فى الحصول على عقارات وأراضي بطرق غير شرعية وهم يهتفون هي لله لا للسلطة ولا للجاه، الأطباء والممرضات الذين يسيئون معاملة المرضى الفقراء في المستشفيات العامة، والطلبة الذين يمارسون الغش الجماعي في الامتحانات، معظم هؤلاء متدينون ويحفظون القران وحريصون على أداء الفرائض والصلوات فى اوقاتها. إن المجتمعات تمرض كما يمرض الإنسان…. ومجتمعنا السوداني يعاني الآن من انفصال العقيدة عن السلوك …. يعاني من انفصال التدين عن الأخلاق، هذا المرض له أسباب متعددة: أهمها إن قراءة الدين المنتشرة الآن فى السودان إجرائية أكثر منها سلوكية. بمعنى أنها لا تقدم الدين باعتباره مرادفا للأخلاق وإنما تختصره فى مجموعة إجراءات إذا ما أتمها الإنسان صار متدينا. سيقول البعض إن الشكل والعبادات أركان مهمة فى الدين تماما مثل الأخلاق. الحق أن الأديان جميعا قد وجدت أساسا للدفاع عن القيم الإنسانية: الحق والعدل والحرية.. وكل ما عدا ذلك أقل أهمية.  المحزن أن التراث الإسلامي حافل بما يؤكد أن الأخلاق أهم عناصر الدين. لكننا لا نفهم ذلك أو لا نريد أن نفهمه. هناك قصة شهيرة عن رجلا ناسكا منقطعا للعبادة ليل نهار.

فسألوه: من ينفق عليك؟

قال الرجل: أخي يعمل وينفق علىّ..

عندئذ قيل له: أخوك أعبد منك..

والمعنى هنا قاطع وعظيم.. فالذي يعمل وينفق على أهله أفضل عند الله من الناسك المنقطع للعبادة لكنه لا يعمل.

إن الفهم القاصر للدين سبب رئيسي في تردى الأوضاع في السودان فقد، امتلأت شوارع السودان ومساجدها بملايين الملصقات تدعو المسلمات إلى الحجاب..

لو أننا تخيلنا أن هذه الملصقات كانت تدعو، بالإضافة للحجاب، إلى رفض الظلم الواقع على المواطنين أو الدفاع عن حقوق المهمشين.. أو منع التعدي على المال العام.

لو حدث ذلك لكانت الحرية والسلام والعدالة تحققت في السودان ولانتزع السودانيين حقوقهم من الاستبداد.

إن الفضيلة تتحقق بطريقتين لا ثالث لهما:

إما تدين حقيقي مرادف تماما للأخلاق.

وإما عن طريق الأخلاق وحدها حتى ولو لم تستند إلى الدين…

مثال اخر

في عام 2007.. وبغرض تجميل وجه النظام الليبي أمام العالم.. تم تنظيم جائزة أدبية عالمية تقام سنويا، بقيمة حوالي مليون دولار، باسم جائزة القذافي لحقوق الإنسان.. وتم تشكيل لجنة من مثقفين عرب كبار لاختيار كل عام كاتبا عالميا لمنحه الجائزة.

وفي العام الاول قررت اللجنة منح الجائزة للكاتب الإسبانى الكبير خوان جويتيسولو البالغ من العمر 78 عاما..

ثم كانت المفاجأة: فقد أرسل “جويتيسولو” خطابا إلى أعضاء اللجنة يشكرهم فيه على اختياره للفوز بالجائزة، لكنه أكد في نفس الوقت أنه لا يستطيع، أخلاقيا، أن يتسلم جائزة لحقوق الإنسان من نظام القذافي الذي استولى على الحكم في بلاده بانقلاب عسكري ونكل، اعتقالا وتعذيبا، بالآلاف من معارضيه..

رفض الكاتب “جويتيسولو” جائزة بحوالي مليون دولار، لأنها لا تتفق مع ضميره الأخلاقي..

هل نسأل هنا: كم مثقف أو حتى عالم دين فى السودان كان سيرفض الجائزة…؟

ومن هو الأقرب إلى ربنا سبحانه وتعالى؟!

هذا الكاتب الشريف الذي أثق في أن الدين لم يخطر على باله وهو يتخذ موقفه الشجاع النبيل، أم عشرات المتدينين السودانيين الذين يضعون أنفسهم في خدمة المفسدين من الحكام والمسئولين؟؟

إن التدين الحقيقي يجب أن يتطابق مع الأخلاق.

(انما بعثت لا تمم مكارم الاخلاق) – لقد كان القوم على خلق فقط جئت لأتممها وأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق