ثقافة وفن

لون المنقة (المانجو)

البلابل

د. محمد بدوي مصطفى

كسلا، أرض القاش، مرتع الخضرة ومقام الوجه الحسن، بلاد جادت وما فتئت، بالخير وأكثر لأرض النيلين، كما خرّجت بوتقة من عظماء الكتاب والأدباء والمغنيين. كنت في نهاية الثمانينيات في رحلة إلى أسرة صديقة، أسرة الأخ أحمد كابو. كان المنزل يمتلئ عن بكرة أبيه بالأهل والأحباب الذي أتوا من كل صوب وحدب مهنئين لنا ولزوارهم من أهل فرنسا بطيب القدوم، وكانت أمّه الرؤوم تقوم جاهدة أن تلبي طلبات الحضور وتقدم ما يجود به قلبها العميق لكل فرد منهم بالكلم الطيب والدعوات الصادقة: نحلة الخير وفراشة المحبّة.  حملنا أنفسنا بصحبة أخي الأكبر عمر بدوي (الباشا) لنقف على جمال هذه المدينة العفراء. فذهبنا إلى أمكنة كثر، منها الطريقة المرغنيّة ومن ثمّة عطفنا إلى جنان كسلا التي يقف أمامها جبل التاكا وكأنه يحميها من كل همز ولمز. كم أشعر الشعراء وتغنى الفنانون بسحرها وجمال أهلها وخلقهم وكرمهم الفياض.

يحكى أن المدينة كانت تضم بصحنها عددا كبيرا من أهلنا الأقباط الذين استقر بهم حلو المقام بشرق السودان الشامخ من أجل العيش الكريم، يمتهون التجارة وصناعة النسيج وغيرها من المهن الشريفة. وكانت إحدى فتيات المدينة من بنات القبط قد شاع جمالها وحسنها الفتّاك بين الناس. في تلك الفترة زار الشاعر اسحق الحلنقي المدينة وبينما هو يتجول بأزقتها وأسواقها لمح ناظريه ظبية من طراز العيار الثقيل. كانت الفتاة يافعة السن، طويلة القوام، نضرة السحنة، رشيقة القوام وكانت في مشيتها تلك تحمل في إحدى يديها قطعة منقة (مانجو)، تعبث بها، قاذفة بها في الهواء تارات لتلتقطها تارات أخرى وهكذا. أفتتن بجمالها الحلنقي وتبدى له سحرها إلهي إلى درجة الثمالة. لم يكن ير أي فرق بين لون الفتاة النضر وصفرة المنقة المائلة للاحمرار والخضرة تارة أخرى: لون ربانيّ يصعب الكلم أن يلخصه.

حث بعدها خطاه إلى المنزل وما أن وصل الشاعر اسحق الحلنقي إلى مكان إقامته ذاك حتى شرع لا يلوي على شيء إلا ويرسم تلك اللوحة البديعة في شكل أبيات من الشعر الغنائيّ. بعدها قام الموسيقار بشير عباس بإبداع اللحن وتغنت بها بلال السودان، هادية، أمال وشادية في كل المحافل والمجافل! وصارت الأغنية وقتئذ من أروع أغاني البلابل وفي حقبة السبعينيات على الإطلاق، نرددها نحن وصغارنا إلى يومنا هذا. التحيّة والتجلّة للمبدع اسحق الحلنقي وللموسيقار الرائع بشير عباس وللمبدعات البلابل!

لون المنقة يا الشايل المنقة

ما عارف كيف نحنا بنشقى

تسالموا يرد بمحنة وزوق

والغيمة الفوقنا صفاها يروق

ونحس بالعمر الراح ملحوق

تتأمل في ايدو المنقة

يا حنين الريدة لو بكرة يعود

الجنة بيصل ليها الموعود

يقولوا الناس للصبر حدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق